هل كتب على مصر قدر
الانتقال من بؤس اللحظة إلى بؤس المستقبل، ولم يعد
لدينا منفرصة للاختيار سوى بين
مبارك الأب ومبارك الابن؟
ربما تكون هذه هيصورة مصرالظاهرة لأول
وهلة، وفيما بدا كتسريبمقصود، نشرت
صحيفة يومية مصرية خبرا عناستعداد
الحزب الوطني ـ الحاكم ـ لعقدمؤتمر يرشح
جمال مبارك رئيسا رسميا خلفالأبيه، وقد
تكفل صفوت الشريف ـ الأمينالعام للحزب
الحاكم ـ بنفي الخبر، وحين سئلتعنالخبر ونفيه،
أجبت بصحتهما، فجمال مبارك يريد إكمال الرحلة إلى
الرئاسةالرسميةفعلا،ومبارك الأب
لا يريد ترك مكانه، وربما يعيد ترشيح نفسه، ويظل
فوق رقابنا 'إلىآخرنفس' على حد
تعبير شهير أطلقه قبل سنوات، وكرره قبل أسابيع،
فالابنيريدالتعجيل
بسيناريو التوريث، والأب يميلإلى التأجيل،
والنزاع عائلي جدا، ولا يبدوفيه الحزب
الوطني ـ غير الموجود أصلا ـسوى الاسم
الحركي المستعار لرغبات العائلةالمفتتة بين
الأب والابن، بينما تبدوالأم ـ سوزان
ـ راعية لأحلام الابن، ومستعجلةلتوريثه الذي
لن يتم ـ إن تم ـ سوى علىحياة عين
الأب.
المشهد المركزي في الصورةـ إذن ـ مجرد نزاع
عائلي على مائدة غداء، وفي أطراف الصورة توجد
أطراف أخرى، فمباركالابن يستند الى نفوذ
جماعة البيزنـــس ومليــــاراتها، ويدير عمليا ملف
الاقتصاد،ويؤلف الحكومات،
ويخـــتار رؤساء الوزارات، وبدا نفوذه الصريح
ظاهرا منـــذ وقوفهوراء قرار خفض سعر
الجنية المصري أوائل 2003، كان ذلك زمن وزارة عاطف
عبيد ثم كانله ـ أي للإبن ـ الدور
الأول في اختيار أحمد نظيف رئيسا للوزراء، وكل
قرار جديد فيمصر الآن أصبح موسوما
بنفوذ الابن، ومن قرارات إدارة أزمة الاقتصاد، إلى
قرارات بيعالأصول، وإلى قرارات
تعيين رؤساء تحرير الصحف الحكومية ورؤساء مجالس
إداراتها، وإلىاستقبال فريق المنتخب
المصري بعد عودته مهزوما من مسابقة كأس القارات
لكرة القدم،بينما يبدو الأب محصور
النفوذ في المهام الرسمية البروتوكولية، وفي
استقبال الرؤساءوالمبعوثين الأجانب.
وفي الزيارات المتواترة
لأسلحة ووحدات الجيش، فالرئيس الأبيستند إلى نفوذ الأجهزة
الأمنية، بينما يستند الابن إلى جماعة
المليارديرات، وفيخلفـــية الصـــورة
تقوم الأم ـ سوزان مبارك ـ بأخطر الأدوار، فهي
العنصر الضـــاغطلمصلحة الابن، وهي
العنــــصر المــــوازن لنصائح أجهــــزة الأمن
للأب، وهيالمسؤولة حصريا عن
قطــــاع الخــــدمات، فهــــي تتـــرأس عشرات
المجالس الرسميةالشبـــيهة بحكومة
موازية، ولها حصــــة من الوزراء أشهرهم وزيــــر
الإعلام أنسالفقي وفاروق حسني وزير
الثقافة المــــزمن (!)، وقد غابت عن الصورة
مـــنذ الوفاةالمفـــاجئة لحفيـــدها
ابن علاء مبارك، واختفت تصريحاتها مؤقـــتا من
الصحفالحــكومية، فيما ظل النزال
جاريا بين تصريحات الأب وتصريحات الابن التي تنشر
معافي الصفحات الأولى للصحف
الرسمية.
المعنى ـ في مبنى الصورة ـ
أن الرئاسة في مصرجرى تقسيمها فعليا منذ
زمن، ومنذ أن أصبح جمال مبارك رئيسا للجنة
السياسات في عام 2002،
وصارت الرئاسة مزدوجه وأحيانا مثلثة، مع الأخذ في
الاعتبار أن نفوذ الأم يضافلنفوذ الابن، بينما
يبدو مبارك الأب كرئيس شاخ، وتثاقلت حركته، ويقضي
أغلب وقتهتائها سابحا في خيالات
المياه الزرقاء على شاطئ شرم الشيخ، يبدو الرئيس
كجنرال ضائعفي متاهته، وكديكتاتور
جارثيا ماركيز في 'خريف البطريرك'، يبدو الرئيس
ذاهلا، وإنلم تغب عنه الحقيقة
تماما، ومع ضعف مركزه الرئاسي، تبدو الأجهزة
الأمنية في حالةيقظة، فالجيش لا يبدو
مستريحا تماما لصعود جمال مبارك وتضخيم نفوذ
جماعته، وأجهزةالمخابرات المتعددة
يعتريها الضيق، وقوات الأمن الداخلي ـ وهي ثلاثة
أضعاف حجمالجيش ـ تتطلع لدور،
وربما يبدو ملفتا أن مسؤولي هذه الأجهزة ظلوا في
مواقعهم لوقتطويل، وإلى حد أن أحدا
لم يعد يتذكر ـ بغير صعوبة ـ ماذا كانت أسماء
المسؤولينالسابقين؟ فوزير الدفاع
في منصبه منذ 18 سنة مضت، ومدير المخابرات العامة
ظل فيمنصبه لمدة أطول، ووزير
الداخلية الحالي في منصبه منذ 12 سنة، والثلاثة
ضربواالأرقام القياسية ـ بنوعية
الوظائف ـ في تاريخ مصر الحديث كله، والركود في
المناصبله مغزى، فهو فرع من
الركود الأصلي الذي تمثله حالة مبارك الباقي في
منصبه منذ 28سنة، والسبب ـ على ما
يبدو ـ في الشيخوخة العقلية والوجدانية للرئيس
الثمانيني، فلمتعد لديه فسحة من وقت
أو تفكير لاختيار موثوق لأصدقاء جدد، ويفضل الركون
لمماليكهالقدامى، وبخاصة مع
تنامي نفوذ المماليك الجدد التابعين للابن، ومع
حيرة السلطانالعجوز، والتدهور
المتصل لأوضاع السياسة والاقتصاد، تبدو جماعة
الأمن أكثر تأثيرا،وكل هؤلاء ينصحون
الرئيس أن يبقى كما هو، ويخوفونه من تداعيات
التعجيل بالتوريثالرئاسي، وهو ما لا
يرضي ـ بطبائع الأمور ـ طموح الابن ولا رغبات
الأم، وفي فوضىالتضاغط المتبادل تبدو
الأسئلة حائرة، فنفوذ الابن يتضخم في ظل الغياب
الفعليللرئيس، ولا يرضى بدور
مدير الدكان مع الغياب المتصل لـ'الحاج' صاحب
الرخصةالرسمية، ولم يعد يقنع
بدور الشريك في رئاسة فعلية، بل يطمح لاحتكار
الرئاسة، وأنيصبح رئيسا رسميا لمصر،
وبعد أن جرى اتخاذ كل خطوات التمهيد النهائي، من
فرض الوجودالفعلي إلى تعديلات
الدستور، وإلى تعديلات النظام الداخلي للحزب
الحاكم، وبحيثانحصرت فرصة الخلافة
الرئاسية ـ رسميا ـ بين تكرار الرئيس نفسه أو
إحلال الابن، وفيالمسافة الفاصلة
الواصلة، يجري تداول صيغ خداع أو توفيق، ومن نوع
إعطاء الفرصةلجنرال يقوم بدور
المحلل للتوريث، وبجعله رئيسا انتقاليا مع جعل
جمال مبارك رئيساللوزراء بصلاحيات
مضافة، وإلى أن تأتي لحظة الوثوب الرسمي، وكلها
صيغ ملغومة قد لاتريح أطرافها ذواتهم،
ثم انها تنتظر رضا الأمريكيين على أي حال، وفي
محطة الانتظارالطويل تبدو الحيرة
ظاهرة، فنفوذ مبارك الابن يحث الأب على حل مجلس
الشعب، والتخلصتماما من أي وجود
برلماني للإخوان والمعارضة الراديكالية، وإجراء
انتخابات المساخرالمعتادة للبرلمان
وللرئاسة، وقد جرى التمهيد بمنح 'كوتا' للسيدة
سوزان مبارك، وفيصورة 64 مقعدا إضافيا
لنساء مجالسها في البرلمان المقبل. والصورة ـ على واقعيتهاالمفرطة ـ تبدو أقرب
للفانتازيا السوداء، فهي تختصر مصر الكبيرة في
عائلة صغيرة،وربما كانت تلك هي نقطة
الضعف المهددة للترتيبات الجارية، فنحن بصدد جريمة
كاملةالأوصاف، بينما لا تبدو ـ
بالمقابل ـ كاملة الحصانات من دواعي الانزلاق
للجحيم.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com