لم
تكن الحرب على غزة عملا مفاجئا بل كانت نتيجة
حتمية لما بات يصطدم به المشروع الصهيوني من أفق
مسدود، فإزاء تواصل المقاومة في قطاع غزة والتي
تباشرها فصائل عديدة من داخل منظمة التحرير[2]
مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وفتح،
وفصائل من خارجها مثل حماس والجهاد وفي ظل قطيعة
حاصلة في القطاع مع خط التفريط الذي يقوده عباس من
رام الله وفي ظل تباين مع خط التفريط والمهادنة
الذي مثله محور الاستسلام المصري السعودي، وفي ظل
تأزم النظام الامبريالي العالمي بقيادة الولايات
المتحدة الأمريكية، هذا التأزم الناتج عن تصاعد
فشل سياسات الاحتلال في العراق وأفغانستان،
والتغيير الذي بدأ يظهر في موازين القوى العالمية
بعد حرب القوقاز بين روسيا وجورجيا، وبداية تصدع
النظام العالمي أحادي القطب بزعامة أمريكا وفي ظل
أزمة مالية عالمية عاصفة أشّرت على تصاعد مصاعب
النظام الرأسمالي المعولم، في ظل كل هذه الظروف
انطلقت جريمة العدوان على غزة بعد فترة من الحصار
طالت الطاقة والغذاء وفشلت في إخضاع إرادة
المقاومة.
لقد
شن الكيان الصهيوني حربه في ظل مزايدات انتخابية
بين أحزابه الصهيونية وأدعى ثالوث الإجرام
(أولمرت/باراك/ليفني) أنهم سينهون إطلاق الصواريخ
من غزة على جنوب فلسطين المحتلة وسيخضعون القطاع
لاحتلالهم مجددا ويقضون على كل نفس مقاوم كما
ساندهم المتواطئون العرب من الأنظمة العميلة
وعطلوا عقد أي اجتماع حاسم لإدانة العدوان واتخاذ
اجراءات رادعة ضده عربيا أو دوليا، وواجهوا بالقمع
مظاهرات التنديد بجرائم الصهيونية كما تمتع
العدوان على غزة بغطاء امبريالي أمريكي أوروبي ظهر
جليّا قبل الحرب وخلالها وبعدها، ظهر في مداولات
مجلس الأمن حول قرار وقف إطلاق النار، وخلال قمة
شرم الشيخ, لقد قرر الكيان الصهيوني شنّ العدوان
بدعم أمريكيّ لا مشروط تجسّد في المظلة السياسية،
والإمداد بالمعدّات والذخائر خلال الحرب وبعدها،
ومثّل إسناد الاتحاد الأوروبي للكيان صفة "الشريك
المفضّل" سندا آخر، وكان التواطؤ المصريّ واضحا
خاصة بعد أن أعلنت وزيرة خارجية العدو عن انطلاقه
ضمنيّا خلال ندوتها الصحفية الشهيرة في القاهرة و
ظهر عجز المنظمات الدولية، وكيلها بمكيالين وتهاوت
ادعاءات المؤسسات الدولية المناهضة لجرائم الحرب
ضد الإنسانية، وافتضح انحيازها الأعمى للصهاينة
الذين ارتكبوا من المجازر في ثلاثة أسابيع ما يندى
له جبين الإنسانية. فكان استشهاد أكثر من 1300
مواطن المئات منهم من الأطفال والنساء والمسنين،
ومن طواقم الإسعاف وسقوط الآلاف من الجرحى
والمشوهين بأسلحة حارقة ومسرطنة محرّمة دوليا من
صنع أمريكي في الغالب، بعضها يتم تجربته لأول مرة
في ميادين الحروب، أو ليست الحرب هي خير وسيلة
لتجاوز أزمات النظام الامبريالي؟ !
وهذا درس قديم نراه يتكرر مرة أخرى ولكن هذه الحرب
لم تكن كسابقاتها.
لقد صمدت المقاومة رغم الجرائم البشعة ضد المدنيين
وتمكنت من تكبيد المعتدين خسائر هامة في الأرواح
والمعدات وواصلت التحدي المعنوي بإطلاق الصواريخ
حتى بعد إعلان العدو لإيقاف إطلاق النار من جانب
واحد.
وعجز العدو عن تحقيق أهدافه المعلنة واضطر
للانسحاب المتسرّع وأعلن اتفاقا مع إدارة بوش عشية
رحيلها لضمان عدم إدخال السلاح بآلية دولية تشارك
فيها مصر والاتحاد الأوروبي، ولكن النظام المصري
الذي كان يترنح تحت وقع الاحتجاج الشعبي سارع
للتفصي من ذلك الاتفاق، وسارع معه محور الاستسلام
بكامله إلى تدارك ما فاته محاولا الحد من الخسائر
بإعلان إمكانية مراجعة سياسة اليد الممدودة رغم
حدود خياراته وهو الذي رهن إرادته لإرادة
الامبرياليين والصهاينة وتصدي للجماهير قامعا
مانعا.
وهكذا وقفت المنطقة والعالم على مشارف واقع جديد
يمكن أن نوجز أهم ملامحه في الآتي:
1. إن
المشروع الصهيوني قد بلغ سقفه التاريخي وبات عاجزا
عن التقدم مهما بلغت قسوة جرائمه ولعل ذلك هو
السبب في تصاعد تلك الجرائم التي لن تكون الأخيرة
و ليس من المستبعد أن تتحول إلى كوارث قد تحل
بالمنطقة والعالم جراء لجوئه لأسلحة الدمار الشامل
في لحظات يأس واردة لاحقا. والحديث عن مأزق
المشروع الصهيوني هو موضوع مصارحات باتت ترد على
لسان كبار مجرميه مثل أولمارت الذي دعا للتخلي عن
حلم إسرائيل الكبرى وقبول الأمر الواقع والتركيز
على يهودية الكيان في حدود معلومة محددة لا غير.
2. إن
المقاومة الوطنية في فلسطين والمستندة إلى عمقها
الشعبي والمراوحة بين الأشكال المسلحة وخاصة في
صيغها المبتكرة والمتلائمة مع الظروف الخصوصية لكل
ساحة ومختلف أوجه صيغ المقاومة الأخرى هي الرد
الموضوعي الواقعي على المشروع الصهيوني الذي لا
إمكانية للتصالح معه بل لا حياة ولا سلام في
المنطقة إلا بالتخلص منه.
3. إنّ حل
الدولتين هو حل غير قابل للتطبيق ففضلا عن كونه
حلاّ ظالما فهو أمر مستحيل نظرا للطبيعة
الاستعمارية والعدوانية للكيان الصهيوني وللحركة
الصهيونية العالمية القائمة على العنصرية وسياسة
التطهير العرقي.
إن أي حل لا يضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها
الشرعيين وعودة اللاجئين، وطرد الغاصبين وبناء
دولة ديمقراطية علمانية واحدة على كامل فلسطين لن
يكتب له النجاح والبقاء.
4. إن
تحرير فلسطين هو عنصر محوري في حركة التحرر
العربية الشاملة وهو عنصر متداخل مع مهام النضال
الديمقراطي في كل قطر فالحركة الشعبية العارمة
التي عمت كل مدن وأرياف الوطن العربي والتي واجهت
الأنظمة الدكتاتورية المتخلفة، وطالبت بالحق في
التعبير والتظاهر للاحتجاج على جرائم الصهيونية
وللتنديد بالهيمنة الامبريالية، وامتدت إلى تعرية
أنظمة التخلف والقمع والعمالة هي خير دليل على
تلاحم النضال الوطني والنضال الديمقراطي في الوطن
العربي. وقد رأيناها تدفع بطاقات جديدة من صميم
الطبقات الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في التحرر
والديمقراطية والتقدم وهي بذلك تفتح أبواب الأمل
على مصراعيه نحو التغيرات الإيجابية في واقعنا.
5. إن حرب
الأسابيع الثلاثة على غزة قد أفرزت واقعا جديدا
على الصعيد العالمي، فقد هبت الجماهير في أغلب
عواصم العالم من آسيا إلى أوروبا وأمريكا شمالها
وجنوبها منددة بجرائم الصهاينة قاتلي الأطفال،
وفضحت صورة الكيان الصهيوني المجرم وأبرزت الدور
الإيجابي والفعّال للقوى اليسارية والتقدمية في
مناهضة العدوان وحلفائه وبدا أن البشرية التقدمية
وكل أنصار العدل والحرية في العالم يصطفون معا ضد
قوى الظلم والاستغلال والتخلف التي تشعل الحروب
العدوانية وتفتعل الصراعات للتغطية على أهدافها
الحقيقية في النهب والهيمنة.
لقد أعادت أحداث الأسابيع الثلاثة الاعتبار
للتضامن الأممي فخرجت الجماهير من نيويورك إلى
استراليا ومن النرويج إلى جنوب إفريقيا منتصرة
للحق ومنددة بجرائم الحرب الصهيونية مطالبة
بمحاكمة المجرمين ومطالبة بعالم خال من الظلم
والهيمنة ذلك هو العالم الذي ستنحت ملامحه جماهير
سائر الأمم والشعوب والذي يهتدي بقيم مناهضة
الاستغلال والاضطهاد والانتصار للعدل والحرية
ولحركة تحرر الشعوب والأمم المضطهدة وفي المركز
منها حركة التحرر العربية وحركة التحرر في فلسطين
الصامدة المنتصرة.
[1] انظر
: أبو عرفة عبد الرحمان: الاستيطان التطبيق العملي
للصهيونية.دار الجليل للنشر ط2 عمان 1986 ص/ص
41/51
- كيالي
عبد الوهاب : تاريخ فلسطين الحديث : ط3 بيروت 1973
ص/ص 414/415
- وكذاك
المحجوبي علي : جذور الاستعمار الصهيوني لفلسطين:
دار سيراس للنشر تونس 1990
[2] هذا
الصرح النضالي الذي يتعرض الآن لموجات من التشكيك
والتآمر بهدف إلغائه.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com