لعل
الأداء السياسي الواضح لمصر خلال العدوان الصهيوني
الأخير على غزة، وذلك الدور السياسي البائس
للحكومة المصرية تجاه قضايا المنطقة العربية،
واستمرار تراجع هذا الدور عن أدائه الإيجابي نحو
أمته، ما جعل العديد من الباحثين والمتابعين يقفون
مطولاً أمام حقيقة هذا الدور، وماهية النظام
السياسي في مصر، والمطلوب منه على الأرض، وهو
المجاور حدوداً ووجوداً للكيان الصهيوني الغاصب
لأرض فلسطين العربية، ولأراضِ عربية أخرى في
الجولان وجنوب لبنان .. والحقيقة فإن هذه الإطلالة
على الدور المصري اليوم تحيلنا مباشرةً إلى نظرة
قادة مصريين كبار أدركوا ماهية دور مصر العربي وفي
المنطقة برمتها، و في منعرجات التاريخ، فالتقطوا
ذاك الدور الهائم الذي يبحث عن وجوده، فأمسكوا به
وعملوا عبره ومن خلاله وصولاً إلـى أن تكون مصر
قائدة ليس للعالم العربي فحسب، بـل للعالم الثالث
قاطبـة، وللكثير مـن شعوب ودول العالم الأخـرى ...
ففـي ( فلسفة الثورة) وقف جمال عبد الناصر قائلاً
: " وأنا أجلس أحياناً في غرفة مكتبي وأسرح
بخواطري في نفس هذا الموضوع أسائل نفسي
:
-ما
هو دورنا الإيجابي في هذا العالم المضطرب، وأين هو
المكان الذي يجب أن نقوم فيه بهذا الدور ؟
" .
ثم يعود للإجابة على هذا
السؤال ليقول : " إن ظروف التاريخ أيضاً مليئة
بأدوار البطولة المجيدة التي لم تجد بعد الأبطال
الذين يقومون بها على مسرحه، ولست أدري لماذا يخيل
إلي دائماً أن في هذه المنطقة التي نعيش فيها
دوراً هائماً على وجهه يبحث عن البطل الذي يقوم
به، ثم لست أدري لماذا يخيل إلي أن هذا الدور الذي
أرهقه التجوال في المنطقة الواسعة الممتدة في كل
مكان حولنا، قد استقر به المطاف متعباً منهوك
القوى على حدود بلادنا يشير إلينا أن نتحرك، وأن
ننهض بالدور ونرتدي ملابسه فإن أحداً غيرنا لا
يستطيع القيام به .
وأبادر هنا فأقول إن الدور ليس دور زعامة.. إنما
هو دور تفاعل وتجارب مع كل هذه العوامل، يكون من
شأنه تفجير الطاقة الهائلة الكامنة في كل اتجاه من
الاتجاهات المحيطة بها، ويكون من شأنه تجربة لخلق
قوة كبيرة في هذه المنطقة ترفع من شأن نفسها وتقوم
بدور إيجابي في بناء مستقبل البشر .. وما من شك –
حسب عبد الناصر – في أن الدائرة العربية هي أهم
هذه الدوائر وأوثقها ارتباطاً بنا
.
قلقد امتزجت معنا بالتاريخ وعانينا معها نفس
المحن، وعشنا نفس الأزمات، وحيث وقعنا تحت خيل
سنابك الغزاة كانوا معنا تحت نفس السنابك
)) .
ولقد راح الميثاق الوطني الذي أطلقه عبد الناصر في
/21/ أيار / 1962 / يؤكد أيضاً على هذا الدور لمصر
العربي بامتياز، حيث يقول : (( إذا كانت التجربة
الثورية الشاملة قد ألقيت مسؤوليتها الأولى على
الشعب العربي في مصر، فإن تجاوب بقية شعوب الأمة
العربية مع التجربة كان من الأسباب القوية التي
مكنت الشعب المصري أن ينتصر .. وليس من شك أن
الشعب المصري مطالب اليوم بأن يجعل انتصاره في
خدمة قضية الثورة الشاملة في بقية شعوب أمتـه
العربية )).. ويضيف (( إن أصداء النصر الذي حققه
الشعب العربي في مصر لم تقتصر على آفاق المنطقة
العربية، وإنما كانت للتجربة الجديدة الرائدة
آثارها البعيدة على حركة التحرير في أفريقيا وفي
آسيا وفي أمريكا اللاتينية
)) .
والحقيقة فإن معركة السويس التي كان لمصر عبد
الناصر فيها ذلك الدور الكبير في التصدي لقوى
الاستعمار الخارجي، والداخلي، لم تكن بعيدة عن ذلك
الدور الهائم لمصر، (( إنما كانت هذه اللحظة
عالمية الأثر رأت فيها كل الشعوب المغلوبة على
أمرها أن في نفسها طاقات كامنة لا حدود لها، وأنها
تقدر على الثورة .. بل إن الثورة هي طريقها
الوحيد)) كما جاء في الميثاق أيضاً
.
ومصر في التاريخ العميق .. وكما يؤكد عبد الناصر
(( لم تعش حياتها في عزلة عن المنطقة المحيطة بها،
بل كانت دائماً بالوعي، وباللاوعي في بعض الأحيان
تؤثر فيما حولها وتتأثر به .. كما يتفاعل الجزء مع
الكل، وتلك حقيقة ثابتة تظهرها دراسة التاريخ
الفرعوني صانع الحضارة المصرية الإنسانية الأولى ،
كما تؤكدها بعد ذلك وقائع عصور السيطرة الرومانية
والإغريقية ، وكان الفتح الإسلامي ضوءاً أبرز هذه
الحقيقة وأنار معالمها وصنع لها ثوباً جديداً من
الفكر والوجدان الروحي، وفي إطار التاريخ
الإسلامي، وعلى هدي رسالة محمد (ص) قام الشعب
المصري بأعظم الأدوار دفاعاً عن الحضارة الإنسانية
)) .
لكن مصر الآن ومنذ انفتاح السادات – سيء الصيت –
انكمش دورها وتراجع هذا الدور، بل تحول عن مكانه
الطبيعي في الأمة .. ولم يعد هناك من ثابت في دور
مصر العربي، إلى درجة أن بعض الساسة المصريين
يقولون : إن الثابت الوحيد في مصر هو الأهرامات ..
وكل شيء تبدل وعلى جميع المستويات الداخلية
والخارجية .. بعد أن كان لمصر ذاك الدور الكبير
الذي استطاع أن يتحدى به العالم، ويبني السد
العالي الذي حقق أحلام الملايين، ثم تأميم قناة
السويس عبر القرار التاريخي لعبد الناصر في /26/
تموز /1956/ هذا اليوم الذي لا ينسى من قبل
المصريين ولا العرب، يوم أعلن عبد الناصر قراره في
ميدان المنشية في الإسكندرية (( باسم الأمة تؤمم
الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة
مصرية، وينتقل إلى الدولة كل ما لها من أموال
وحقوق وما عليها من التزامات
)) .
ولولا دور مصر الكبير في تلك المرحلة لما استطاعت
أن تواجه العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه إسرائيل
في 29/10/1956 .
ومصر وعبر دورها العربي والعالمي استطاعت أن تتصدى
لهزيمة عام / 1967 / من خلال إعداد الجيش وإعادة
بناء القوات المصرية لخوض حرب التحرير .. ولم تقدم
مصر عبد الناصر أي تنازل رغم الهزيمة بل ذهب ناصر
إلى الخرطوم ليعلن لاءاته الثلاثة .. ومصر من رفضت
رسالة جونسون يوم ذاك والتي مفادها أن الولايات
المتحدة الأمريكية مستعدة لأن تضمن إعادة سيناء
إلى مصر شرط أن تكون منزوعة السلاح .. فما كان رد
عبد الناصر إلا أن اشترط للقبول بهذا الحل استعادة
القدس قبل سيناء، وتحرير الجولان قبل تحرير سيناء
.
لكن
مصر هذه، ودورها العظيم ذاك، لم تعد كما هي، ولم
يعد هذا الدور كما كان، أثناء المرحلة الساداتية
ومن ثم المرحلة الآنية .. وقد بدأ ذلك التراجع منذ
صدمة 19 / تشرين ثاني / 1977 / عندمـا هبط السادات
في مطار بن غوريون ليعـانق مناحيم بيغن .. حيث
عبرت في حينها ( غولدا مائير ) عن هذا الحدث قائلة
: (( هذا شيء لا يصدق !))
.
ولقد اعتبر الكثيرون أن هذه الزيارة كانت بمثابة
التحول الكبير في دور مصر الهائم، وموقع مصر في
الوطن العربي والعالم .. والحقيقة فإن الواقع
الداخلي المصري يثبت حتى اليوم أن النظام السياسي
في واد والشارع المصري في وادِ آخر، فالصراع
العربي الصهيوني ما زال في الواقع المجتمعي
المصـري قائماًً بالفعل لا بالقول .. حيث السفير
الإسرائيلي في مصر في عزلة حقيقية
.
ولم يأت الانفتاح المصري على الإسرائيليين وتغير
مسار الدور المصري، لم يأت إلا بالفقر والعوز
والتراجع، حيث يوجد اليوم أكثر من /20/ مليون مصري
تحت خط الفقر بينهم ثلاثة ملايين من المعدمين ..
وحتى على مستوى الحريات التي يتنطح البعض للحديث
عنها حيث ( الأمريكان يدعمون الحريات ) !! فقد
كشفت الأرقام وهي أرقام رسمية مصرية عن صدور أكثر
من مائة وعشرين ألف قرار اعتقال سياسي وإقامة آلاف
الدوعاى التي يطالب أصحابها بتعويضات نتيجة
المظالم التي لحقت بهم .. وكل ذلك في ظل حكم
الرئيس مبارك .. كما أن نسبة البطالة المعلنة 29%
والعنوسة /7/ ملايين عانس، كما يوجد /4/ ملايين
مهاجر من مصر، والأمية ما زالت نسبتها 26%، ويصرف
على المخدرات سنوياً /6/ مليارات دولار .. وحتى
الآن ورغم ( المساعدات الأمريكية ) ما يزال هناك
42.8 مليون مصري من دون خدمات صرف صحي ، الأمر
الذي يسبب أمراض البلهارسيا والتهابات الكبد ..
والفشل الكلوي وهي أعلى نسبة بالعالم
.
بينما كان دور مصر في مرحلة عبد الناصر الخارجي
يدعمه دور داخلي فاعل، فارتفعت معدلات النمو لأعلى
درجاتها في تاريخ مصر،9% عام / 1969/، ووضعت قواعد
صناعات عملاقة، فتأسست صناعة الحديد والصلب، و
تمصير مصالح وممتلكات الدول الخارجية في مصر ..
وتحولت مصر بكاملها إلى ورشة عمل تنموي مستمر ..
لتعمل بلا توقف من الزراعة إلى الصناعة وإقامة
البنى التحتية والخدمية، وإتاحة مجانية التعليم
للجميع، فتحول المجتمع المصري إلى مجتمع منتج
وفاعل .
أما الآن فإن الدور المصري المنكفئ يزداد انكفاءاً
يوماً بعد يوم، وما شهدناه من دور للنظام المصري
في حرب غزة ينبئ بما حاول البعض تغطيته بالغربال
.. ويبدو أن ما جرى من تراجع لدور مصر، وتهميش هذا
الدور، كان نتيجة طبيعية لما يسمى بالشرق الأوسط
الجديد، ومحدداته الاستراتيجية الأمريكية التي
تريد تهميش دور مصر القومي العربي لتعود مصر
وتتحجم، وتمارس دور الحارس من بوابة سيناء للكيان
الصهيوني .. وكذلك من يمارس الاعتقال السياسي ضد
كل من تسول له نفسه العبث في دعم المقاومة
الفلسطينية في غزة .. فهل هذا هو دور مصر الهائم
الذي تكلم عنه عبد الناصر يوماً ما ؟
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com