ربما
لا يوجد كتاب يصف عهد الرئيس المصري محمد حسني
مبارك بدقةوموضوعية، مستخدما
عبارات رشيقة وعناوين جذابة مثل هذا الكتاب، الذي
كانتنواته سلسلة من المقالات
الصحفية الأسبوعية، أثارت جدلا واسعا واهتماماكبيرا في أوساط النخبة
السياسية المصرية.
فعبر 13 فصلا يقدم المفكر
المصري البارزالدكتور جلال أمين
أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية بالقاهرة
تشريحا لماآل إليه حال الدولة
المصرية في عهد الرئيس مبارك متناولا عددا من
الملفاتالسياسية والاقتصادية
والاجتماعية الهامة التي تمس حياة الناس مباشرة.
ويرى المؤلف أنه قد آن
الأوان لأن نلقينظرة شاملة على عهد
مبارك بأكمله، فها قد مر أكثر من ربع قرن على
تسلمهحكم مصر، وهي فترة طويلة بأي
معيار.
تفاؤل لم يدم طويلا
في مقدمة كتابه يرىالمؤلف أن المصريين
شهدوا في علاقتهم بمبارك (شهر عسل) لم يدم طويلا،
فقدحرص الرئيس مبارك في بداية
عهده على تهدئة الأوضاع السياسية في البلاد معمختلف طوائف المعارضة،
فقد بدأ بعد أسابيع قليلة من مقتل سلفه (السادات)
باتخاذ قرار بالإفراج
عن جميع المعتقلين السياسيين الكبار، بل واستقبلهمفي قصره بالترحيب
والإكرام.
وكان ذلك مصحوبا
بالامتناع التام عنالأعمال التي كانت
تستفز المصريين، كالظهور المستمر لقرينة الرئيس،
ونشرصورها باستمرار في الصحف، حيث
لقبت في عهد السادات بسيدة مصر الأولى، كذلكامتنع الرئيس الجديد
عما دأب عليه السادات من استخدام عبارات جارحة في
وصفمعارضيه، أو تهديدهم بالسجن
وأحيانا (بالفرم).
وفي فبراير/ شباط 1982 دعا
الرئيس مباركصفوة العقول الاقتصادية
في مصر، من مختلف الاتجاهات، إلى مؤتمر لمناقشةالوضع المتردي للاقتصاد
المصري، وهو حدث أشاع في نفوس الاقتصاديينالمصريين الأمل في أن
إصلاحا حقيقيا على وشك أن يتحقق، كما صحب كل ذلكعودة الصحف المعارضة
إلى الظهور، بل وسمح للصحف الحكومية بمستوى من
الحريةلم يعهد منذ قيام ثورة
1952، فشهد المصريون فترة ذهبية من حرية التعبيروالنقد أشاعت تفاؤلا
شديدا بما يمكن أن تصبح عليه الحياة السياسية في
مصر.
لكن هذا التفاؤل لم يدم
طويلا، وبرأيالمؤلف بدأت السماء
تتلبد بالغيوم قبل انقضاء سنة واحدة على اعتلاء
الرئيسمبارك كرسي الرئاسة،
وبدأ اليأس يتسرب إلى النفوس شيئا فشيئا من أن
يحدثأي إصلاح حقيقي في السياسة أو
الاقتصاد.
نظرية الدولة الرخوة
في الفصل الأول من الكتاب
ينظرالمؤلف إلى الأوضاع في مصر من
خلال نظرية عالم الاقتصاد السويدي الشهيرجنار ميردال عن الدولة
الرخوة، تلك الدولة التي يعدها ميردال سر البلاءالأعظم، وسببا رئيسا من
أسباب استمرار الفقر والتخلف.
فهي دولة تصدر القوانين ولا
تطبقها، ليسفقط لما فيها من ثغرات،
ولكن لأنه لا يوجد في الدولة الرخوة من يحترمالقانون، الكبار لا
يبالون به لأن لديهم من المال والسلطة ما يحميهم
منه،والصغار يتلقون الرشى لغض
البصر عنه، وفي هذه الدولة تباع الرخصوالتصاريح، ويعم
الفساد، فرخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار
الفساديزيدها رخاوة.
ويضيف المؤلف: عندما قرأنا
ما كتبهالأستاذ ميردال في
نهاية الستينيات عن الدولة الرخوة، لم يطرأ ببالنا
قطأن كلامه يمكن أن ينطبق على
مصر، فقد كانت مصر في ذلك الوقت أبعد ما تكونعن وصف الدولة الرخوة،
ثم جاء عهد الرئيس مبارك، وكان كل يوم يمر منهيأتينا بدليل جديد على
رخاوة الدولة المصرية.
ويسوق المؤلف حشدا من
الأمثلة الدالة،فبعد عام واحد من حكم
مبارك قامت إسرائيل باعتداءات صبرا وشاتيلا، فوقفتالدولة المصرية منها
موقف المتفرج، ثم جاء حادث خطف الطائرة المصرية
عام 1986 فلم يصدر من الدولة المصرية رد
الفعل الملائم، ثم انهار مصرفالنوبارية بزاوية عبد
القادر ولم يعاقب الوزير المختص، ثم غرقت الباخرةسالم إكسبريس فأبدت
الدولة تراخيا مدهشا في إنقاذ الركاب من الغرق، ثمانتشرت فضائح مذهلة عن
وزارة البترول، وانتهت بخروج الوزير دون أن يقدمللمحاكمة، ثم أثيرت
فضائح شركات توظيف الأموال، فتمكن أغلبية
المحتالين منمؤسسيها من الهرب خارج
البلاد سالمين.
ومن أهم الأمثلة التييسوقها المؤلف تلك
الحالة التي بدت عليها الدولة عندما تعرضت مصر
لهزةأرضية عام 1992 لم تستمر أكثر
من أربعين ثانية، فإذا بالدولة المصرية كلها
-من فرط رخاوتها- تكاد
تسقط متهالكة على الأرض.
ففي لحظات معدودة انكشفللجميع نسبة الأبنية
المخالفة للقانون ولم يعاقب عليها أحد، والأدوارالمحكوم عليها بالإزالة
ولم يزلها أحد، والآثار الواجبة الترميم ولم ترمم،والمدارس التي تجاوزت
عمرها الافتراضي ومع ذلك سمح للتلاميذ بدخولها.
رجال
الرئيس ورجال أسلافه
وفيما يعد إشارة واضحة لسبب
رئيسمن أسباب (موت السياسة) في مصر
يلحظ المؤلف فرقا هاما ونوعيا في الرجالالمحيطين بالرئيس مبارك
عن أقرانهم ممن عمل مع الرئيسين جمال عبد الناصروأنور السادات، فيرى أن
رجال الأخيرين تميزوا بأنهم كانوا دائما منالسياسيين، وكانت
السياسة تجري في عروقهم وتشغل تفكيرهم وتتحكم فيتصرفاتهم، وكان كثيرون
ممن تولوا الوزارة في كلا العهدين يشاركون الرئيسحماسه للمشروع الذي
يقوم بتطبيقه، أو كان لهم على الأقل القدرة على
تصوروظيفة الوزير على أنها وظيفة
سياسية.
ثم تغير هذا الأمر بالتدريج
في عهد مباركحتى اعتدنا أن يأتي
رئيس للوزراء لم تعرف عنه قط اهتمامات سياسية قبلاعتلاء منصبه، ومن ثم
لم يكن هناك مجال للتنبؤ بما يمكن أن تكون عليهسياساتهم بعد تولي
المنصب، ثم تبين بالتدريج أنه لا حاجة لأحد بهذاالتنبؤ، إذ لم تكن هناك
أي سياسة على الإطلاق.
لكن المؤلف لا يكتفي برصد
هذه الظاهرة،بل يحاول أن يقدم لها
تفسيرا لا يبعد به كثيرا عن طبيعة الحكم الحالي فيمصر، فالرئيس مبارك كان
قد صرح في بداية عهده بأنه ليس من أنصار سياسة
"الصدمات الكهربائية"
وكان يشير -بلا شك- إلى سياسة سلفيه السادات وعبدالناصر.
فهو لا يغلق الاقتصاد ولا
يفتحه، ولايحارب إسرائيل ولا يوقع
اتفاقيات جديدة معها، وبالفعل كانت هذه سمة عهدالرئيس مبارك كله، وكان
هذا العهد محتاجا إلى نوع ثالث من الرجال لتنفيذالمطلوب، يشتركون مع من
عمل في العهدين السابقين في ولائهم التام للنظام،ولكن لهم خصيصة أخرى،
تتمثل في عدم الاهتمام بالسياسة أو الشأن العام،
كماأن لهم من الصفات الشخصية ما
يجعل جلوسهم في هذه المناصب لايسبب أي متاعبلراسمي السياسة
الحقيقيين في الداخل والخارج.
فقر
مدقع وثراء فاحش
ويخصص المؤلف فصلا كاملا من
كتابهلرصد ما يعانيه الفقراء في
مصر، وهم يشكلون النسبة الكبرى من عدد السكان،فطيلة السنوات العشرين
الأخيرة كانت قدرة الفقراء على إشباع حاجاتهمالأساسية (من مأكل
وملبس وتعليم وصحة ومواصلات) آخذة في التدهور،وفيالوقت نفسه كانت
الثروات التي تكونت في السنوات الأولى من عمر
الانفتاح قدبدأت تلفت الأنظار،
وشاعت بين الجماهير قصص كثيرة عما حققه تجار
العملة،أو المقاولون، أو مؤجرو
الشقق المفروشة من ثراء.
ورأى الناس ازدياد عدد
حفلات الأفراحالتي تقام في الفنادق
الكبيرة ببذخ شديد لمجرد إثبات النجاح الباهر الذيحققه هؤلاء التجار
والمقاولون في تكوين الثروات الطائلة.
ويرى المؤلف أن الثراء
المفاجئ الذي حققهالبعض في السنوات
الأولى من الانفتاح لم يثر لدى الفقراء من الإحباط
ماأثاره الإثراء الذي حدث في
السنوات العشرين الأخيرة.
فالثراء السابق كان مقترنا
بقدرة كثير منالمصريين على الهجرة،
ومن لم يهاجر كان يعيش عصر زيادة عامة في الدخوليقترن بإنفاق سخي من
جانب الدولة، وارتفاع كبير في أجور الحرفيين بسببالهجرة نفسها.
ويضيف: كان ثراء السنوات
الأولى منالانفتاح يثير من الضحك
والسخرية أكثر مما يثير من الإحباط واليأس. لم يعدالأمر كذلك في العشرين
سنة الماضية، فالأغنياء يزدادون ثراء، والثراءيزداد فحشا، بينما
أغلقت كل الأبواب أمام الفقراء من المتعلمين وغيرالمتعلمين على السواء.
كان أهم مظهر من مظاهر
الفحش التي يرصدهاالمؤلف للثراء في سنوات
حكم الرئيس مبارك يتمثل في مصدر هذا الثراء، فلمتعد أعمال الوساطة
(كالتجارة والمقاولة والسمسرة) تمثل المصدر الرئيسللإثراء كما كان الحال
بداية الانفتاح، بل أصبح الاستيلاء على أموالالدولة هو أهم مصادر
الإثراء في مصر.
ففي ظل معدلات نمو منخفضة
للغاية، وتدهورمستويات الإنفاق من
الحكومة ومن الشعب على السواء، لا يكاد يبقى من
فرصالإثراء إلا نهب الأصول
الموجود بالفعل، وأسهل هذه الأصول نهبا في ظل دولةرخوة هي ممتلكات الدولة
بالطبع، سواء تمثلت في أراض مملوكة للدولة وتعرضتللبيع، أو أموال مودعة
في بنوك الدولة معروضة للإقراض، أو ممتلكات شركاتعامة تعرض للخصخصة.
لم يتوقف الإثراء بلا سبب
طيلة السنواتالعشرين الماضية، ورأى
فقراء المصريين ذلك بأعينهم، وعرفوا أسبابهومصادره، فزاد شعورهم
بالغيظ والإحباط.
الفساد من السياسة إلى الثقافة
من النتائج الدالة التي يصل
إليهاالمؤلف في رصده لسنوات حكم
الرئيس مبارك أن عهده اتسم ببعض السمات التيسمحت لصور جديدة من
الفساد بأن تترعرع بين المثقفين.
فقد بدا مع مرور سنة بعد
أخرى أن سياسةالعهد الجديد لن تختلف
في أي شيء مهم عن السياسة التي دشنها السادات،
ويرىالمؤلف أن مناخا كهذا كان لا
بد أن يسود فيه اليأس من حدوث التغييرالمأمول، وفي ظل هذه
الدرجة من اليأس يبرز نوع جديد من المثقفين
القناصينللفرص، يائسون هم أيضا
كغيرهم فيما يتعلق بالمستقبل المصري، ولكنهم أبعدما يكونون عن اليأس من
تحسين أحوالهم الشخصية.
فحين يختفي مشروع للنهضة
يوحد الجميعويمنح فرصة للموهوبين
من المثقفين للتألق، لا تبقى إلا المشروعات الخاصةالتي تجلب للمثقف
وأسرته الثراء وبحبوحة العيش.
في هذا المناخ يميل بعض
أصحاب المواهبالحقيقية من الراغبين
في الإصلاح وتحقيق النهضة إلى الانزواء، إن لم يكنبالموت أو الشيخوخة،
فبالقنوط والإحباط، ولكن يميل بعض المثقفين
الموهوبينأيضا إلى تغيير موقعهم
فتنطفئ موهبتهم بسبب هذا التغيير، إذ ينشغلونبكتابة أشياء تافهة لا
تعبر عما يشعرون به.
وينتهز هذه الفرصة عدد كبير
من عديميالموهبة، فيقفزون
لاحتلال مراكز المحررين والكتاب ورئاسة تحرير
الصحفالمملوكة للحكومة، فيكتبون
كلاما لا معنى له، مما لا يكاد يقرؤه أو يعبأبه أحد، بل إنهم هم
أنفسهم لا يعبؤون برأي الناس فيهم، إذ إنهم في
الحقيقةلا يوجهون كلامهم إلا
للممسكين بالسلطة، ولا يريدون به إلا تأكيد ولائهملها.
وربما يوجه بعض القراء سهام
النقدللكتاب، بحجة أن المؤلف لم ير
إلا الصحائف السود في كتاب الحكم الحالي،لكن من يحيا في مصر،
بين أفرادها ومؤسساتها، بين أغنيائها وفقرائها،
يدركحتما أن المؤلف لم يبتعد عما
اعتاده منه قراؤه من رصانة وموضوعية.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com