قد لا ينتبه كثير من
الاقتصاديين والسياسيين ونخبة العلوم الصحيحة
وجماعات الحداثة الثقافية إلى العلاقة المتينة بين
سلامة الاختيارات التنموية في جميع أبعادها وسلامة
نظام الهوية الوطنية في مجمل مكوناته . إن عدم
الانتباه هذا يجد تعبيرا له في ما يطرحونه من
تصورات ومعالجات لمجمل قضايا التنمية الوطنية
دونما نظر لما آلت إليه نظم و تقاليد البلاد
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية من
تآكل وتشوه وتهميش يجد تجسيده البارز في واقع غربة
اللغة العربية بين أهلها وفي اغتراب مدارس الفنون
الصاعدة و تبدل الأخلاق العامة بما لايتماشى مع
ضوابط الأصل والإنتماء و في بقاء منظومة التربية
والتعليم والثقافة رهينة التقليد والتبعية لما بنى
عليه الغرب نهضته وتقدمه واقتصاديا يجد تجسيدا له
في ضياع العديد من تقاليدنا الفلاحية وخبراتنا
الزراعية وتراجع تقاليد أسرنا في صناعاتنا
التقليدية كما يجد اكتماله الأمثل في ظاهرة نزوع
الشباب نحو السلبية و وقوعه فريسة لتجاذبات
السلفية الجامدة واللبرالية المنفلتة وهروبه
المرضي من جغرافية الوطن وتاريخه مما ألحق أضرارا
بالغة بمقولة الوطن والأسرة والدين و التاريخ
وبمجمل المدونة الحضارية للبلاد في نسيجها السياسي
والاجتماعي والفكري والتربوي ووضع الدولة والمجتمع
مرة أخرى وبعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال أمام
تحدي هوية الدولة والبلاد ودفع الحكومة إلى
استنفار الآلة الفكرية والسياسية والإعلامية
لتثبيت ثوابت الخيارات المجتمعية الكبرى وإعلان
مبدأ" تونس أولا" كما تم إعلان سنة 2008 سنة
للحوار مع الشباب أفضت إلى التأكيد على ذات
المبدإ وهو ما يؤكد لنا مرة أخرى على أن مسألة
الهوية باتت أمرا مركزيا تحتاجه أية استراتيجية
للتجاوز بواقع البلاد من مطب الصدام بين المجتمع
والدولة إلى رحاب المصالحة والنهوض بأعباء التأصيل
الحضاري على قاعدة الانتماء العربي الإسلامي كأساس
لصياغة خياراتنا الكبرى.
ولما كانت الحكومة قد انتبهت إلى أهمية مراجعة
مسألة الهوية تأصيلا للانتماء وتصحيحا للخيارات
وحماية للإنسان قاعدة التنمية ومحركها الأساسي
يجدر بنا أن نشير إلى أن المعالجة تستوجب البدء
بالنظر في عمق مكونات المشروع الوطني المؤسس
للدولة الناشئة بعد الاستقلال مباشرة وعدم
الاكتفاء ببعض الإجراءات الجزئية التي تكون ضرورية
للتجاوز ولكن غير محققة للحل المنشود لأن ما تعيشه
مسألة الهوية من تشوهات ليس وليد تأثيرات نظام
العولمة الطارئة في السنوات الأخيرة كما أنه ليس
وليد تيارات التطرف والأصولية السلفية الوافدة أو
وليد الانفتاح على الآخر وإنما هو في تقديرنا
نتاج التصور المؤسس لمشروع الدولة الوطنية لحظة
الاستقلال يشهد على ذلك الجدل المثير الذي دار في
جلسات المجلس التأسيسي عند مناقشة مشروع وثيقة
دستور البلاد وخاصة ما يتعلق بعروبة الدولة حيث تم
استبعاد مقترح" دولة عربية" وإقرار مقترح دولة
"لغتها العربية " ولا يخفى ما في هذا الاختيار من
حرص على نزع الهوية العربية عن تونس والاكتفاء
بالعربية كلغة للدولة مثلما هي الانقليزية لغة لأي
دولة ليست لها علاقة بهوية بريطانيا مثلا,ولم يكن
ذلك الاختيار مجرد خلاف شكلي بين أعضاء المجلس
التأسيسي بل كان يعبر عن خلاف حقيقي بين تيارين
داخل صفوف الحركة الوطنية وصل حد القطيعة والصراع
قبل الاستقلال وقاد إلى الاقتتال بعده,تيار يرى
الهوية في فضاء العروبة التاريخية والثاني الذي
كسب الجولة يراها في الذاتية التونسية السابقة عن
العروبة والمتصالحة مع حضارة الغرب الاوروبي
الغالب, وقد انعكس هذا الرأي المنتصر على مجمل
البناء الوطني تعليما وثقافة واقتصادا وسياسات
داخلية وخارجية بل وانعكس خاصة على طبيعة النخب
والقيادات التي حكمت وأدارت الشأن الوطني وحققت
الصورة التي عليها البلاد اليوم,صورة وإن كانت
مستوفية لقدر عال من الاستقرار والنمو الاقتصادي
والتطور الخدمي والاندماج الإقليمي والدولي الذي
تعتمده كثير من الهيئات نموذجا يحتذى إلا أن ذلك
لا يخفي عن القراءة الاستراتيجية المتبصّرة مدى ما
تختزنه الخيارات الكبرى المؤسّسة وتجارب التنمية
التي أقيمت بناء عليها من ضعف وقصور يقلّص
باستمرار من آفاق المبادرة الوطنية المستقلة
ويعمّق من تبعيّة خيارات التنمية تجاه الأطراف
الاقتصادية ذات المصالح الكبيرة في البلاد كما
يعمّق ثغرات الهويّة والاغتراب بفعل تداعيات
الخيار على مجمل النّسيج الحضاري للشّعب دينا و
لغة وقيما وطموحات سياسية وثقافية ما تزال تختزنها
مدوّنة الأصالة ومضارب التاريخ الاجتماعي في
تونس,وتتعمّق المشكلة في المرحلة الحالية بفعل
الأدوار الاقتصادية الحاسمة التي افتكّتها مطلوبات
العولمة الخارجية و سياسات الخوصصة الداخلية على
حساب دولة القطاع العام الضامن التاريخي للاستقلال
و العدالة والسّاهر على أن تكون التنمية في خدمة
المجتمع بالأساس وليس في خدمة الأفراد و أصحاب
رؤوس الأموال.
إن تسارع نسق التحوّلات العالميّة تحت تأثير نظم
العولمة الرأسمالية وانعكاسات ذلك على نسيج البلاد
قد كشف عن مدى قصور جهاز المناعة الحضارية لمجمل
النّسيج الاجتماعي و الثقافي واللّغوي والفنّي
والاقتصادي حتّى, بالرّغم من برامج إعادة الهيكلة
والسهر الرئاسي على ضرورة نفاذ تلك البرامج التي
شملت مجمل قطاعات النشاط الاقتصادي والاجتماعي
والثقافي والتربوي والإعلامي, وليس العلة راجعة
إلى غياب الإرادة السياسية في صنع القرار وإنما
السبب يكمن في أن النخب الإدارية والهياكل المشرفة
تاريخيّا على تنفيذ سياسات الدولة لم يكن بمقدورها
التعامل مع تحديات الهوية التي فرضتها العولمة
ومستتبعاتها لأن تلك النخب تعيش أصلا مأزق هوية
واغتراب جعلها تتماهى في مشاريع الوافد العولمي
وتعجز عن تبين مخاطر ذلك الوافد على المستويين
القريب والبعيد وتكتفي بالغرق في التفاصيل الفنية
لعملية التأقلم و الاندماج معه هذا إن لم نقل إن
بعض تلك النخب في الحكم وخارجه قد وجدت في الوافد
العولمي علاجا للبلاد من بؤر التخلف ومعاقل فكر
التعصب و الانغلاق و وسيلة للعبور بالبلاد عبر
الفضاء المتوسطي إلى واحات الحداثة و
الديمقراطية والتقدم وهي في كل ذلك لا تفعل سوى
تعميق الهوة بين خيار التاريخ الاجتماعي للبلاد
وخيار الدولة الباحثة عن التوازن بين ضرورات
التنمية وضرورات الديمقراطية والهوية.
إن عقودا من التنمية على قاعدة الهوية القاصرة و
انفتاح حدود البلاد على فضاء العولمة في العقدين
الأخيرين بدأ يفرز نتائج سلبية وخطيرة على مجمل
البناء الوطني تقتضي معالجتها في سياق عملية
مراجعة تهدف أول ما تهدف إلى مزيد تأصيل برامج
التربية والتعليم والثقافة والأسرة لغة وقيما
ومضامين معرفية و فنية وأدبية وأخلاقية حتى نضمن
للأجيال القادمة الحق في أن تتعامل مع العالم من
موقع الفاعلية والاستقلالية وليس من موقع التبعية
والذوبان كما تتأكد في ذات السياق مسؤولية وسائل
الإعلام والاتصال ونسيج المجتمع المدني من منظمات
وجمعيات في النهوض بجهد نوعي يضع حدا للمنطق
التجاري والنفعي الذي يسيطر على أدائها العام
ويحررها من قيود الجمود وبرامج تأبيد الواقع,ولن
تستقيم تلك الأدوار بدون إرادة سياسية فاعلة
للأحزاب الوطنية تضع بها مسألة الهوية في جوهر
نضالها من أجل التنمية والديمقراطية لأنها -أي
الهوية – تبقى القاعدة الصلبة لأي بناء تنموي.
الواقعيّة القاتلة
"حين
غادرت قاعة أفريكا للسينما كنت على يقين يتحدّى
كلّ شكّ أنّ أحداث فيلم "السيدة" لم تنتهي بعد،
وأنّ خيال الكاتب والمخرج هو من وصل نهايته..
ولكنّني لم أكن أتصوّر بأنّ أكثر فصول الفيلم
مأساويّة قد ابتدأت لحظة نهاية العرض السينمائي،
وبأنّ بطله الشاذلي لم يمت، وإنّما أوهمنا بالموت
في خدعة سينمائية ليخرج من سجن الكاميرا ويواصل
عرضه المنفرد طيلة خمسة عشر سنة فاجأنا إثرها بموت
واقعيّ أشدّ قسوة وتراجيديّة
"
الشاذلي بوزيّان: شاب من
جملة آلاف الشباب البسطاء والفقراء الحالمين
بالمال والجاه والعيش الرغيد، رمى بهم التطوّر
اللامتكافئ و التفاوت الصارخ بين المدينة و الريف
-والذي وسم ولادة الدولة التونسية الحديثة- عند
تخوم المدينة، وعلى مشارف الحياة، حيث تنتحر
الأمنيات وتجهض المواهب..
و
قد كانت مورفولوجيا الفضاء بما هي تمثيل لهذا
التفاوت الضارب بجذوره في طبقات المجتمع قد رسمت
على خارطة المشهد الحضري للعاصمة التونسيّة نتوءات
من الغنى وهوّات سحيقة من الفقر.. برزت تجلّياتها
حاضرة بقوّة" في العديد من المستويات الاقتصاديّة
والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.. وهي تكاد
تشكّل لفرط اتساعها فاصلا بين نمطين للسكنى
وللسكّان، وأسلوبين في التفكير والإحساس
والتعبير.. يقف عند الطرف الأوّل شعب الله المحتار
في الملاّسين، وحيّ الزهور والزهروني، وسيدي حسين
السيجومي، والتضامن والانطلاقة والتحرير، وحي بو
ميّة وحومة الفراشيش، وحيّ رياح، وحيّ بوسلسلة، و
حيّ فرانسا، والجبل الأحمر، ودوّار هيشر،
والشعبيّة، وهي أحياء متاخمة للعاصمة تحيط بها كما
يحيط السوار بالمعصم.. أمّا في الطرف الثاني
فينتصب شعب الله المختار في لافايات، وحلق الواد
والمرسى والكرم وسيدي بوسعيد وقمرت وقرطاج،
والزهراء و رادس وحمّام الشطّ، وباردو و البحيرة
وسكّرة، ثمّ المنازه بتقليعاتها التسعة، والنصر
بصرعتيه الاثنتين ..
إنّ هذا التقسيم ليس حديّا
إلى درجة يصبح فيها الالتقاء دراماتيكيّا على
الطريقة الأمريكيّة حيث تحوّل مدن الأثرياء إلى
قلاع مغلقة على أهلها ممنوعة على المنبوذين
والمهمّشين الذين سحقتهم ماكينة القهر الاقتصادي
والقمع السياسي والازدراء الثقافي ..ولا التقاءا
رومانسيا تذوب فيه الفوارق والحدود الاجتماعية على
طريقة "التيتانيك" حين وحّد الحبّ والموت بين
سليلة الأرستقراطيّة البريطانيّة و وريث الفقراء
المعتّرين.. إنّ هذا التقسيم الاجتماعي وبرغم
الفجوة البيّنيّة التي مفصلها، قد يسمح ببعض
التشاكل عند الحدود الدنيا وعلى مستوى خطوط التماس
المفصليّة بين الطرفين أو الطبقتين، حيث يسمح
المحرار الاجتماعي المتقلّب بفعل تغيّرات الجوّ
السياسيّ والانحباسات الدوريّة للمناخ الاقتصادي،
بإمكانيتي الارتقاء و الانحدار الطبقيّين.. في حين
تبقى الكتلتين الاجتماعيتين الأوسع ممتنعتين عن
الاختراق محافظتين على الخطّ الفاصل بينها.. ولا
ضير في ذلك فالله قد خلق الناس طبقات وكتب عليهم
أقساما وأرزاقا لا يقدّمون فيها ولا يؤخّرون..!!
إنّ هذه المقدّمة الطويلة
قد لا تمثّل شيئا بالنسبة للسيّدة نجاة بوزيّان
والدة المرحوم الشاذلي بوزياّّن، وذلك لسببين :
فأمّا السبب الأول فلأنّها لن تنجح ولو نضحت حكمة
في تعزيتها في فلذة كبدها الذي قالت بأنّه "أخذ
بسمتي وفرحتي وقلبي وأملي وراح.." وثاني الأسباب
يعود إلى أنّ ما كتب وسيكتب ومن ضمنه ما أحاول
كتابته لن يجد طريقه إليها لتقرأه فيخفّف من
مصابها الجلل..
ولكنّ رغم هذا وذاك من
الأسباب فعذرنا وواجبنا الإنساني يحتّمان علينا أن
نتناول ما حدث للشاذلي بوزيّان بجدّية تتجاوز
مجرّد قراءة خبر موته بإحدى الصحف والمرور عليه
مرور اللئام ..فبعض المآسي تتجاوز طابعها الخاص
والذاتي لتمثّل تمظهرا للمأساة الاجتماعيّة العامة
أين تدور رحى الحرب الخفيّة بلا مسمّيات وبعيدا عن
أسبابها وعللها الرئيسيّة والمتمثّلة في غياب
العدالة الاجتماعيّة والديمقراطيّة وتساوي الفرص
بين أبناء الشعب الواحد، نتيجة استشراء حالة
المحاباة والوصوليّة والأكتاف والوراثة السياسيّة
والاقتصاديّة وحتّى الثقافيّة، ممّا جعل الدائرة
تضيق بمن فيها، والاسطوانة المشروخة تعيد إنتاج
نفس الأسماء والألقاب، فابن السياسي يصبح بالضرورة
سياسيّا ولو كان لا يفقه في النضال ألف بائه وكذا
ابن رجل الأعمال والوزير والغفير والمخبر والخبير
وابن المعلّم والمدير، وابن الشاعر والأديب
والروائي والمسرحي والسينمائي كلّهم نسخ معدّلة
ومستنسخة عن آبائهم الذين أرادوا أن يخلّدوا
أنفسهم مدى الحياة من خلال أبنائهم..
لقد انتهى زمن الاستثناءات
حين كان بإمكان سلالات السوقة والدهماء والسابلة
من الفقراء أن ترتقي أعلى السلّم السياسي أو
الاقتصادي أو الثقافي وحتّى الرياضي، وإن حدث ووقع
مثل هذا الشذوذ عن القاعدة فإنّ آلة الفرز
الجهنّميّة التي لا ترحم ستتكفّل بمعالجة هذا
الخلل .. ولعلّ ما عاشه الشاذلي بوزيّان وكلّ
عائلته والكثير من "أولاد حومته"من حالة إحباط لم
يستطيعوا فهمها وتعقّلها تعدّ نتاج عدم فهمهم
لتبدّل منطق الأشياء في البلاد التي خرجت من عهود
الهواية إلى جبريّة الاحتراف الذي صارت فيه
الموهبة صناعة تخضع لشروط قبليّة مثل الأصل
والموقع والموقف الاجتماعي ولم تعد هبة ربّانيّة
يمنّ بها على من يشاء..لا استثناء في ذلك وفي كلّ
المجالات والميادين فكم من رؤوس أينعت وتسامقت إلى
عنان سماء الشهرة، وحين أثمرت أو تكاد قطفت، ودهست
تحت الأقدام الثقيلة الراسخة، والمادّة جذورها في
أرض النسب والمصاهرة..
لقد كان الشاذلي استثناءا
مربكا للنظام المتحكّم السائد الذي لم يسعفه بأن
يشعّ ويتطاول في سماء السينما والتمثيل أكثر ممّا
يجب..فانتهى به المطاف من حيث ابتدأ واستحال دوره
المكثّف في سيناريو المخرج محمد الزرن إلى قدر
اجتماعي يستعيده كلّ يوم بين الأحياء الشعبيّة في
العاصمة..
لا شكّ أنّ جنازة شهيد
السينما التونسيّة الشاذلي بوزيّان قد ضمت نفس
الوجوه الذين حضروا ولادته السينمائية ، حين غصّت
بهم قاعات السينما التونسيّة لمشاهدة "ولد الحومة"
الذي رفع رؤوسهم عاليا حين أثبت أنّ التمثيل ليس
حكرا على أحفاد بوغدير والنهدي والفازع
وغيرهم...بل هو موهبة يهبها اللّه من يشاء..هذا
بالإضافة إلى إحساسهم بأنّ السينما التونسيّة قد
خرجت أخيرا عن الصورة النمطيّة السياحيّة المصدّرة
إلى المشاهد الأوروبي والمعتمدة على كليشهات
الحنين" nostalgie" والمتكئة أساسا على تحريك
الغرائز مؤكدة صورة الشرقي الشبق، ومنتصرة للمرأة
الشرقيّة المضطهدة والمحتقرة والتي لم يعد لها من
مكان سوى في أذهانهم..
كان المشهد يومها غريبا على
بعض محترفي الثقافة من نخب فرانكفونية اعتقدت
لسنوات أنّها وحدها المؤهلة لفهم عالم السينما
وتأثيث فضاءاته من خلال حضورها التنكّري المهيب
(حقيبة الجلد التقليديّة على الكتف، وذنب الشعر
المتدلّي على الظهر، واللحية البهيمية الساحرة،
مضاف إليها رطانة فرنسيّة باريسيّة عرجاء) .. كان
مصدر غرابتهم رؤية المئات من الشباب السمر مفتولي
السواعد ريفي اللهجات يتدافعون أمام قاعات السينما
لمشاهدة شريط "السيدة"و هم من خبر هذه الدور قفرا
إلاّ من طلعاتهم البهيّة .. كان التأفّف باد على
وجوههم البيضاء الأرجوانيّة.. ولعلّ الإحساس الذي
كان يخالجهم قارب الرغبة في البكاء على سينما
النخبة والأنتلجنسيا التي صارت نهبا للعوام.. لم
يفهموا مغزى هذا الحضور ولم ينتبهوا إلى دلالته
وأسبابه، ولا عرفوا سرّ ذلك الحضور الكبير الذي
صالح السينما بالناس ..أي بالشعب..ولا أضنّهم
سيفهمون ذلك أو يعرفوه حتّى زمن بعيد، فعوالمهم
غير عوالم الخلق واهتماماتهم وقضاياهم أضيق من أنّ
تسع لهموم أبناء الزهروني والسيدة والملاّسين
والجبل الأحمر، اللّهم إلاّ إذا شاءت نزوات
المموّل الأجنبي أو مقتضيات سينما النهب السريع
والصفقات البرقيّة أن تخرج فيلم على شاكلة "غدوة
نحرق" يحصد الأموال والجوائز ويعبّد الطريق الى
"كان" وأخواتها..
من مفارقات السينما في تونس
أن يخجل المخرج من بطله الذي حصد جائزة أحسن ممثّل
في الدورة وفي أحد المهرجانات السينمائيّة
الفرنسيّة..وأن تتبرأ الدورة من صاحب الدور الذي
لم يتمكّن من مجرّد الحضور في حفل الاختتام -الذي
كرّم فيه بالغياب- لاستلام جائزته، ربّما لأنّه لم
يوفّر من السبعمائة دينار التي استلمها أجر
مشاركته ثمن تذكرة الدخول!! تقول السيّدة نجاة
والدة الشاذلي: "مات وفي قلبه حسرة على ضياع حلمه
وعدم تحقيق الشهرة التي كان يرنو إليها رغم أنّ
بدايته كانت من الباب الكبير بعد أن أوكلت إليه
بطولة فيلم وعمره لم يتجاوز الرابعة عشرة سنة ووقف
جنبا إلى جنب مع الممثّل هشام رستم وتحصّل من خلال
هذا العمل السينمائي على تانيت أفضل ممثّل ولكنّه
لم يتسلّم الجائزة بنفسه وهو ما حزّ في نفسه وجعله
يعيش في دوامة من الصراع مع الذات ومع الآخر.."
لن نجهد تفكيرنا في تأويل
ما حدث، لأنّ الشاذلي وبكلّ بساطة كان بطلا
واقعيّا جدا، لم يكن يمثّل وإنّما كان يجسّد مأساة
أبناء طبقته وحيّه، ويعبّر عن انتمائه الاجتماعي
بكلّ وفاء لذا لم يكلّف فريق التصوير مشقّة
الماكياج ولا عناء البروفات التصويريّة ولا تكاليف
المشاهير ومطالبهم التي لا تنتهي ولا أجرة البديل
الذي يجسّد اللقطات الخطرة كالقفز والمطاردات
الساخنة على الدراجات وسط الأزقّة الضيّقة
الزلقة.. لقد كان ينتمي إلى العالم الواقعي
المرجعي بكلّ ما يعتمل فيه من أحلام وطموحات و
آلام وانكسارات وصراعات واحباطات..في حين كان
النصّ والمخرج والجمهور النخبوي ينتمون إلى عالم
المتخيّل والافتراضي..
لقد خطفت أضواء السينما
حياة الشاذلي وانتزعته من عالم العتمة والفقر
والغياب وحشرته للحظات مع النجوم والمحظوظين مع
المخرج محمّد الزرن والممثّل هشام رستم حيث عاش
معهم متعة التصوير ولذّة التقمّص والتمثيل وشاركهم
أكلهم وشرابهم ونومهم وجنونهم..حدث كلّ هذا وهو
طفل لم يتجاوز الرابعة عشر ربيعا .. عاش الشهرة
والانتشار ولهجت بإسمه البلاد وربّما استوقفته بعض
الجميلات لتحصل على توقيعه .. حلّق الشاذلي في
السماء نجما ساطعا أنار حياة عائلته وفاض نوره على
أبناء الضواحي المهمّشين.. ولكن وبمجرّد انجلاء
صخب السينما وانطفاء أضواء الركح، وجد المسكين
نفسه معلّقا بين سماء السينما التي رفعته إلى مصاف
البطولة وبين أرض الحياة الواقعيّة التي شدّته إلى
جحيم الأحياء الشعبيّة هناك في "تونس الأخرى":
تونس
ما وراء المداخل الجميلة والشوارع الرئيسيّة
المتبرّجة للغرباء المتجهمّة في وجوه أبناء
الحواري المحرومة..
تونس
الحافلات الصفراء المزدحمة المحمومة ) 3/
32/33.......) الفائضة بالأجساد البشريّة المفرومة
من الشقاء والتعب المشدودة إلى حمّى الإثارة
بالمجان حيث الوجه في الوجه، والصدر في الصدر،
والمنكب في النهد، واليد في 'الجيب'.. قد يكون
كاتب "اللجنة" صنع الله إبراهيم قصد هذا عندما رأى
في الازدحام في الباصات والحافلات العمومية بديلا
عربيّا لمشكلة الجنس..
تونس
الحياة اليوميّة والصراع العنيف الذي لا يهدأ من
أجل لقمة العيش وخبزة الصغار..
تونس المرمّاجيّة والبحّارة
وعاملات البيوت..
تونس البانديّة والزطّالة
والصبّابة والزبراطة والخطّافة والنهّابة
والحوّافة والبطّالة ..
تونس البراكاجات.. واللّي
فات مات.. والناس اللّي ضحّات وتنسات.. واتباعت
وتشرات.. وعدّت عمرها في الحبوسات..
تونس البلطي ونشيد
'المزمّرين' "عباد في التركينة لحم مقطّع
بالسكّينة..."
" الفقر والهمّ والمشاكل... حوت
في حوت ديما ياكل..."
تونس الشاذلي بوزيّان البطل
في سينما الواقع والذي لا يقلّ عنها بطولة في
سينما الخيال حيث كانت تجربته أكثر مأساويّة في
نسختها الحقيقيّة..فإن كانت مأساته السينمائيّة قد
استمرّت لزمنها الخارجي(وهو الزمن الذي يبقى عند
طرفي الفيلم أي البداية والنهاية) زمن السيناريو
والتصوير الذي لم يتجاوز دقائق أو ساعات فلا أضنّ
أنّ الشاذلي قد وجد مشقّة في تجسيد دور لطالما
كرّره كلّ يوم في حياته العاديّة، فإنّ مأساته
الواقعيّة والاجتماعية التي كتب نصّها الفقر
والعوز والخصاصة وغياب العدالة الاجتماعية، أي
الزمن الداخلي(الزمن المرتبط بالشخصيّة المحوريّة
في الفيلم وفي الحياة أي الشاذلي بوزيّان
الإنسان)قد خرج عن النصّ السينمائي ليمتدّ على
ثلاثين سنة هي العقود الثلاثة التي عاشها الشاذلي
في الحياة الدنيا..ولنا أن نقسّمها إلى ثلاثة
مراحل :
1)
البداية أو مرحلة الطفولة: التي امتدّت حتّى سنّ
الرابعة عشرة وقد كانت حياة بسيطة مثل حياة الآلاف
من أبناء الحارات الشعبيّة
"..
2)
نقطة التمفصل أو المنعرج: وهي المرحلة التي
شكّلتها مشاركة الشاذلي في فيلم "السيدة" والتي
غيّرت حياته وجعلتها تتّخذ اتجاهين متعاكسين على
المستوى الذهني، متداخلين على المستوى الاجتماعي
الواقعي..وهذا التناقض بين الحلم والواقع وبين
المنشود والموجود هو الذي سمّم حياة الشاذلي وكثّف
مأساته وجعله يعيش مأساة وجوديّة بأتمّ معنى
الكلمة.. ينقل الصحفي محمّد المكشّر عن أمّه قولها
"لم يقتنع بأنّه تقمّص مجرّد شخصيّة أدّاها في
فيلم وعليه العودة إلى واقعه.. ظلّ حالما أحيانا
شاردا أحيانا أخرى خاصة وأنّ المخرج فتح له أبواب
الشهرة على مصراعيها والتي أغلقت مباشرة إثر
انتهاء التصوير وعرض الفيلم"
3)
أمّا المرحلة الثالثة: فهي مرحلة ما بعد الفيلم،
عندما انطفأت من حوله الأضواء وغاب في عتمة
النسيان وهو ما ولّد في نفسه حالة من التمزّق
والصراع والخيبة انتهت بفاجعته المروّعة التي كانت
شبيهة بنهايته السينمائيّة تقول والدته "هناك كان
عشرات المارة متجمّعين..البعض في حيرة من أمره
والبعض مصدوم..فتيات ونساء يبكين.. كان ابني تحت
الحافلة مفارقا الحياة.. ورأسه مهشّم.. عادت بي
الذاكرة حينها إلى المشهد الأخير الذي أدّاه في
فيلم "السيدة" ويصوّر فيه مشهده تحت عجلات القطار.."
تكاد تكون تجربة الشاذلي بوزيّان شبيه ببطل نجيب
محفوظ في رواية "اللصّ والكلاب" سعيد مهران الذي
كانت حياته تجسيدا للصراع الدامي بينه وبين الكلاب
مجسّدين في أستاذه رؤوف علوان الذي خان مبادئه
وطبقته وأنكر ماضيه من أجل وسخ دار الدنيا..فكلا
البطلين سعيد والشاذلي كانا ضحيّة أدوار فرضت
عليهم فاقتنعوا بها وأحبّوها، الأوّل أحبّ السياسة
وعشق الثورة والحريّة وتغيير العالم، والثاني أحبّ
دور الممثّل والنجم الذي يجسّد مأساة
طبقته،..فانبريا يبحثان لحياتهما عن معنى داخل
حلبة الصراع الاجتماعي الذي لا يرحم.. الأوّل عانى
من الخيانة والسجن..والثاني عانى من التهميش
والاحتقار وضلّ يطارد فرصته الضائعة في زحمة
الرداءات..الأوّل انتهى به الطريق إلى الموت برصاص
الكلاب، أمّا بطلنا فقد طاردته نبوءة المخرج
لتجسّد موته تحت عجلات الحافلة رقم 33، بعد أن
كانت قد اختار له موتا سينمائيّا لا يقلّ تشويقا
تحت عجلات القطار..
لقد مات الشاذلي واقعيّا في
حادث سير و ووري الثرى بعيدا عن كاميراهات السينما
والدعاية، لم يكلّف أحد من جهابذة السينما
والثقافة نفسه مشقّة حضور جنازته، غاب المخرج و
الممثّلين الذين بنى معهم أحلامه وطموحاته.. مات
الشاذلي بعد أن فقد والده وأخته قبل سنوات فاكتملت
بذلك فصول المأساة والتراجيديا..وكأنّه بموته قد
أراد أن يجسّد نهاية أكثر تراجيديّة قد تنجح في
إعادته إلى الأضواء ولو من خلال مقال يتيم بأحد
الجرائد تحت عمود" قضايا المجتمع"..
*ملاحظة
:أخذت شهادة السيّدة نجاة بوزيّان عن مقال بجريدة
الأسبوعي للصحفي صابر المكشّر..
تحت عنوان:بعد "موته" في الفيلم تحت عجلات القطار
/مصرع بطل فيلم "السيدة" تحت عجلات الحافلة..
في
الدولة الاستبدادية
بقلم
:النفطي حولة – بتاريخ 24ماي2009- ناشط نقابي
وحقوقي
في الدولة الاستبدادية يكون
الاستبداد منهجا والدكتاتورية اسلوبات في الحكم .
في الدولة الاستبدادية لا رأي الا للسلطان
المستبد ولا كلمة تعلو على كلمته . في الدولة
الاستبدادية الأولوية المطلقة لطاعة الحاكم على
المحكوم . في الدولة الاستبدادية مصير البلاد
والعباد رهينة في يد الحاكم المستبد . في الدولة
الاستبدادية كل شىء مسخر لخدمة الأمير وحاشيته .
في الدولة الاستبدادية يكثر الخدم والحشم فالكل في
خدمة السلطة والسلطان ومن تقرب اليهم باحسان. في
الدولة الاستبدادية لا وجود لمؤسسات تمثيلية ولا
لهيئات انتخابية ماعدا تلك التي تسبح بحمد
السلطان ومن والاه والمقربون منهم على شاكلتهم
من مجالس مستشارين و جمعيات دينية ومدنية و وعاظ
ومرشدين الذين يدينون بالولاء والطاعة للحاكم
الأوحد. في الدولة الاستبدادية يستمد الحكم - بضم
الياء - من مشروعية السماء على الأرض من ظل الله
في الأرض من مشروعية الله المطلقة في السماء وعلى
الأرض . في الدولة الاستبدادية تسخر- بضم التاء -
كل الأجهزة وتوفر كل امكانيات الدولة لخدمة وتسهيل
جميع الخدمات والحاجيات للحاكم وأقربائه وكل من
يمت لهم بصلة من قريب أوبعيد . في الدولة
الاستبدادية تكون الدولة في خدمة الملك وتعزيز
سلطاته ونفوذه الذي لاحد لسواه . في الدولة
الاستبدادية يكون المواطنون رعايا وسوقة ودهماء .
في الدولة الاستبدادية يكون الشعب خارج اللعبة
السياسية ولا يسمح له الا بالموالاة والمحاباة
والتزكية بصفة كلية. في الدولة الاستبدادية يسود
التلاعب بالقوانين الدستورية والتشريعية من أجل
تلبية رغبة المسؤول ضد شؤون الرعية . في الدولة
الاستبدادية يتم الدوس على أبسط الحقوق بكل الطرق
والوسائل الغير شرعية . في الدولة الاستبدادية
تعالج كل القضايا والملفات باللجوء الى الأجهزة
الأمنية .في الدولة الاستبدادية تسيطر سياسة العصا
الغليظة والقبضة الحديدية للطغمة الفاشية . في
الدولة الاستبدادية كل احتجاج مدني وسلمي في
الطريق العام يعتبر اخلالا بالنظام وتلفق ضد
المعارضة المستقلة ألف قضية وقضية . في الدولة
الاستبدادية حرية التعبير هي حرية شكلية . في
الدولة الاستبدادية حرية التعبير هي في المديح
والتسبيح لصاحب الشأن الأول في البلاد والمسؤول عن
الرعية .. في الدولة الاستبدادية يحتكر الاعلام
لخدمة الحكم لا الرعية . في الدولة الاستبدادية
ينعت كل من تسول له نفسه بشق عصا الطاعة في وجه
الحاكم بالخارج عن المألوف والسائد ويعرض نفسه
للتهديد والوعد والوعيد وكأنه ارتكب جرما خطيرا في
حق الرعية
.
في الدولة الاستبدادية يسود الخوف وتنتزع الثقة من
الجميع والكل يراقب الكل وهاجس الرعب يسيطر على
الأغلبية . في الدولة الاستبدادية تنعت المعارضة
الحقيقية بالشرذمة الضالة التي تصطاد في الماء
العكر وتوصف بالمارقة والاستقواء بالدول الأجنبية
. في الدولة الاستبدادية لا وجود الا للأوامر
البوليسية . في الدولة الاستبدادية لا وجود لهياكل
ومؤسسات شرعية . في الدولة الاستبدادية القضاء
مؤسسة أمنية . في الدولة الاستبدادية لا وجود الا
للمحاكمات الصورية . في الدولة الاستبدادية يكون
السجن والسجان هما عنوانين لكل قضية . في الدولة
الاستبدادية يستشري الفساد المالي وينهب– بضم
الياء- المال العام وتعم المجتمع الرشوة
والمحسوبية . في الدولة الاستبدادية ينتشر الفقر
والبؤس والحرمان وتحتد الأزمة الاجتماعية . في
الدولة الاستبدادية يصبح التشغيل والانتداب وظيفة
استثمارية تدر على أصحاب النفوذ والمتنفذين في
السلطة الأموال الطائل و الهدايا النفيسة والكنوز
الثرية . في الدولة الاستبدادية يعم الجهل والأمية
. في الدولة الاستبدادية تكون الثقافة تهريجية
وتخديرية .في الدولة الاستبدادية تنمو الخرافة
والأساطير لتصبح حقيقة واقعية . في الدولة
الاستبدادية تساق الرعية لثقافة القطيع وكأنها بلا
هوية اجتماعية أو وطنية . في الدولة الاستبدادية
تنحط الأخلاق ويكثر النفاق وهذا ما تؤكده
الوقائع والنظرة الواقعية .في الدولة الاستبدادية
يسود الظلم الاجتماعي والقهر وتغتصب الحرية . في
الدولة الاستبدادية لا وجود للعدل والمساواة
والحرية . . في الدولبة الاستبدادية يعيش الفرد
عبدا مملوكا مسخرا لنظام العبودية نظام فرعون
ومن هو على شاكلته الذين يقولون لانريكم الا
مانرى ولا تسمعون الا مانسمع ولا تقرؤون الا ما
نكتب ولا تسيرون الا فيس طريقنا وفقا لرؤيتنا .
في الدولة الاستبدادية العبودية والطاعة العمياء
للملك والخليفة والسلطان والحاشية هي النقيض
الجدلي للحرية
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com