يقول
التاريخ ان الدول تقوى بشعوبها أولاً ثم بحكامها.
أما التاريخ العربي المعاصرفيقول لنا ان الدول
تقوى بحكامها بقدر ما تضعف بشعوبها، ذلك أن حكام
العرب همالعاملون الأوائل على
إحباط شعوبهم. فلا غرابة إن اجتاحت النخب العربية
مشاعر الرفضلأنظمتهم وأصحاب هذه
الأنظمة في آن معاً. لكن عندما يدقق الباحث في
أسرار هذهالإشكالية يكتشف بسرعة
أن مسؤولية النخب عن كارثة الإحباط المعمم، قد لا
تقل كثيراًعن مسؤولية الدولة
وحراسها. فقد يدخل بعضهم في عداد خانة الحراس
للدولة القائمةبوصفها الدولة الفاشلة
على أنه ينبغي التمييز في نوعيات هذا الفشل. فهو
ليس محدداًحسب التصنيف التقليدي،
سياسياً كان أو اقتصادياً، عسكرياً، ثقافياً..
الخ. إنهالفشل البنيوي الذي
يسبق كل هذه التصنيفات، وقد يكون سبباً استباقياً
لها، مغذياً،معطلاً لفعالياتها
الإيجابية المنتظرة.
الدولة العربية القائمة
انشأت مؤسسات لكلهذه الفعاليات، أعطتها
أسماءها المتعارف عليها، ملأت مكاتبها بأصحاب
الشهادات أوأشباههم. ليس ثمة دولة
/ مشيخة صحراوية إلا وهي متوجة بعناوين وزارات
العصر. تلكالتي تستوطن عماراتها
الحديثة الشاهقة. فالتنمية العمرانية تنحل هنا إلى
التنميةالحجرية أو الاسمنتية.
وأما رديفتها التنمية الإنسانية (المستدامة) حسب
توصيفهاالبلدي فقد أمسى
تداولها اللفظوي في الندوات والخطابات، بديلاً عن
أية متغيراتتربوية أو حقوقية
للإنسان العربي. وما يسمى بالمجتمع المدني أصبح
مجرد إيديولوجياحاجبة للكتل الأهلية
السابقة على تكوين أي مجتمع حقيقي بمعناه العلمي.
قد يكونمصطلح التخلف شاملاً كل
هذه الأعراض الإحباطية. لكنه يظل مجرد مصطلح تقني
وتجريدي. فلا بد من تفريد مكوناته
الواقعية، بحيث أن بروز أية ظاهرة سلبية على سطح
الحياةاليومية سوف تغيّر من
مفهوم التخلف، وتضطر المراقب إلى إعادة تعريفه على
ضوءإضافتها أو تحريفها لسيرورته
المألوفة بين الأفهام والأقلام. فإن تداول مصطلحالتخلف يخرجه عن صيغته
الأولى باعتباره توصيفاً للأوضاع العامة، وينقله
إلى صيغةحكم معياري، مشبع كذلك
بما يشبه الادانة الأخلاقية. كأنما المتخلفون
مدانون مقدماًبجريرة لا يعرفونها،
ولم يريدوها لذواتهم. ومع ذلك فالآخرون، المتقدمون
افتراضاً،يحملونهم مسؤوليتها.
يطالبونهم دائماً برفض واقعهم، بإطلاق قوى التغيير
من تحتجلودهم السميكة. هنا
تبرز أدوار النخب الصاعدة ما فوق الجسد المتعضي
لمجتمعاتهم. تقترح حلول التغيير؛ ترفع
الشعارات المتدرجة من مستوى المطالبة بالإصلاح إلىمستويات أشد غضباً
وحزماً، من أشكال التمرد العفوي والفوضى إلى حدود
الثورةالمنظمة. وأما الموضوع
الذي يقع عليه كل هذا الاحتجاج أو الغضب الجماعي
فهو السلطةالحاكمة. ما يعني أن
العامل الأول في كسر حلقة التخلف لا بد أن يكون
سياسياً. والتاريخ شاهد على أن جسر
العبور الوحيد بين التخلف والتقدم لا ينبني
تلقائياً أوعفوياً. لا بد من تدخّل
ثقافة العنف لإحداث القطيعة الضرورية بين ما هو
قائم، ومالم يقم بعد.
تجربة النهضة العربية
المعاصرة حافلة بشهادات الواقع الممزق عن هذهاللوحة التصنيفة لجدلية
التخلف والتقدم. وقد يحكم البعض أن قصة هذه النهضة
أوشكتعلى نهايتها. لم يتبق أمامها
سوى الاعتراف بإحدى النتيجتين الآتيتين: إما أن
هذهالنهضة لم تكن في أساسها لا
مالكةً لبذور إمكانياتها المطلوبة، ولا واعيةً
لمشروعهافكرياً أو استراتيجياً؛
وإما أنها قد ابتُليت بالموانع الأقوى منها دائماً
طيلةمسيرتها المتخبطة، لدرجة أن
البلاء قد اخترقها حتى الصميم من بنيتها التاريخيةوالإنسانوية، إلى حد
أنها فقدت هويتها حتى في عين ذاتها، فلم تعد ترى
عن نفسها إلاشتات صورٍ لها، مبعثرة
أمامها في مرايا أحلامها المهشَّمة.
في فلسفة التاريخيجري بعض أساتذتها على
تأويل ما يعنيه حطام النهضة. فليس هذا الحطام
ترميزاً لموتالنهضة نهائياً، فقد
يظل حطاماً حياً بشكل ما، باعثاً على إنتاج نسخ
أخرى عن نهضتهالأصلية المتوارية وراء
هزائم مشروعها السياسي الخائب. إنها نُسَخٌ لنهضة
أخرى، قدتوصف بالزائفة المزورة،
بالطفيلية فيما لا يمت لها بصلة بنيوية أو فكرية
مع حقائقالنهضة الأصلية وأسرار
شخصيتها المفهومية كما هي بعين روّادها ومريديها.
لن تكونإذن سوى هذا الشيء
المستكره، الملقب بشبه النهضة، بالظاهرة النهضوية
الفاسدة أوالزائفة. لكن فلسفة التاريخ
تعلمنا كذلك أن حطام النهضة الأصلية، رغم الفشلوالانهزام لخيارات
تاريخانية خاطئة أو مغدورة، فإنه يظل حطاماً حياً
بمعنى ما. إنهيخترع النهضويات
البديلة الزائفة. هذا صحيح.
لكن الأصح أيضاً هو أن
مسارح التاريختثبت أن عربدة الظواهر
التاريخانية الزائفة، موكول إليها، هي عينها،
أمْرُ افتضاحخَوائها من طاقة
الاستمرار الزمانية، ومن قدرات الاقتناع والإقناع
بألاعيبهاالسياسوية العابرة، لدى
ممثليها وأتباعها معاً.
نقول هذا ونحن نتذكر هذهالأفكار، كيما نطل منها
على جدواها فيما يفعله وينتجه تحقيب تاريخاني عربي
إسمياً،دُعي اعتباطاً بعصر
السلام مع (الشريك الاسرائيلي) خلال عقدين تقريباً
من اللعببأحجار الدومينو
التفاوضي، المترافق مع صنوه من إنجاز سلام حكومي
معلن (مصروالأردن)، وآخر مبطّن
ومُغلّف بأكاذيب الإعلام الرسمي، دبلوماسي
اقتصادي، بل يكاديصير تحالفاً أمنياً
واستراتيجياً، بين معظم رؤوس النظام العربي
الحاكم، وثوابتالغزو الأمريكي
الصهيوني، وتطلعاته لابتلاع حاضر ومستقبل قارة
العرب والاسلامبحضارتها وثرواتها.
عقدان من نهاية القرن
العشرين وافتتاح القرن الواحدوالعشرين، شكلا مسرحاً
زمانياً نموذجياً لأهم ثنائية فلسفية ما بين حقائق
التاريخ،و(حكايا) التاريخانية.
إنها متغيرات دولية بل كونية هائلة، وفي هوامشها
تغلغلتمتغيرات عربية وإسلامية
عظمى هي أيضاً. ولعلها كان لها أبعد الأثر في
شبكيةالمنعطفات الدولية من حولها،
وفي أبعد أو أقرب دوائر إشعاعها. هذه الصيغة منالتحليلات لن يُقِرَّ
بها منظّرو الغرب بسهولة. هم يدركونها أعمق
الإدراك. لكنهم لنيبوحوا بها، حتى في
خلايا التفكير المغلقة على كبارهم؛ إلا أن مراقباً
عربياًعادياً لا يمكنه إلا
التصديق على المقارنة الذكية التي تتداولها
منتديات بيروت، بينثمانية عشر عاماً من
إنجاز المقاومة اللبنانية، وموازيها من التفاوض
الفلسطينيالاسرائيلي فالمنظور
الاستراتيجي لا يتوقف عند حدود إنجازات هذه
المقارنة. بالطبعلا يحتاج المرء إلى
تعداد الفوارق الهائلة بين قطبها: المقاومة
اللبنانية، المحررةوالطاردة لاحتلال
الاسرائيلي من خُمْسِ مساحة لبنان، ومن ثم الهازمة
للغزو العسكريالمرتد على الجنوب
(تموز 2006). ومقابلها يُقرُّ أركان التسوية
بحصيلة الفشل العقيمالذي يكاد ينجز تهويد
فلسطين، إن لم يكن تهويداً استيطانياً كله، إلا
أنه يصيرإتنياً وسلطوياً شاملاً.
إذن، بعض مؤرخي الغرب
المنصفين يرددون، بحسب لغاتوتعابير خشبية خاصة
بمزايا الأسلوب التعبيري الأوربي، أنه إذا كانت
اقتصادات الصينوزميلاتها من دول الشرق
الصاعدة قد وضعت حداً لأحادية الغرب الرأسمالية،
فإن هزائمالإمبراطورية
الأمريكية، سياسياً وعسكرياً، قد تتلامح واقعياً و
ترميزياً من خلالإنجازات المقاومة
العربية، مع انهيار آخر مشاريع الغرب، المسمى
بالشرق الأوسطالجديد.
لعلَّ النهضة العربية
الثانية المعاصرة تعاود انبعاثها، ما فوق حطامتجارب الأنظمة الحاكمة
باسم شعاراتها. إنها النهضة العائدة إلى أحضان
شعوبها بقدرما تتساقط أقنعة
النهضة/التنمية الأخرى الزائفة المهادنة للعدو
الخارجي، والمتحالفةمجدداً مع مكونات
التخلف، وتحت معجم اللغات الخشبية.
إنها نهضة التنمويات
المستوردةبرعاية البنك الدولي
وتوأمه الصندوق الدولي، وتقارير (مفكري) الأمم
المتحدةمُغلّفةً بشعارات ضخِّ
الاستثمارات،التي تتم ترجمتها فقط إلى استثمار
التخلفالأهلوي، ومحاولة عزل
كل استثمار نهضويأصيل لظاهرة المقاومة،
وخاصة تعقيمانتصاراتها في مجالها
الحيوي القومي الأوسع. في حين أن (التاريخ) بالخط
العريض، هووحده من راح يُحسن
استثمار النتائج البنيوية العميقة على مستوى
متغيرات توازن القوىالحضارية، في محاورها
الدولية الأوسع، ما بين الشرق و الغرب.
جدلية النهضةالتاريخية مع توأمها
المضاد، النهضة الأخرى المزوّرة، الموصوفة حتى من
قبل حراسهاالأيديولوجيين،
بالفاسدة المفسدة، والمتداولَة أيديولوجياً تحت
مصطلح التاريخانية،هذه الجدلية لا تقتصر
فعالياتها على قطاعات جيوسياسية محددة، ولعل
أبرزها ولا شك،مسارح المحارق الأهلوية
والأمريكية في العالمين العربي والإسلامي: لقد
أمست هيالجدلية الكوكبية
الفاعلة من خلال ثقافة النهايات التي ترددها أندية
الفكر الغربيعينه، قبل أن يستوعبها
مثقفو الشرق أنفسهم. فالأزمة المالية العالمية
تفضح قصتها،بأسبابها المعلنة
والغامضة، ونتائجها غير المعلومة بعد وتشكل
التركيبَ الأعلىلمغامرات التاريخانية،
كما اخترعها وعايش أساطيرَها المشروعُ الثقافي
الغربي. إنهاالأزمة المالية أو
الاقتصادية، بل البنيوية الشاملة التي لم تكن
لتنفجر أهوالها قبلحقائقها ودلالاتها، لو
لم تكن قد نجمت مقدماتها الحدثية، ليس من التحول
الاقتصاديالشرقي فقط، بل ربما
ينبغي التدليل عليها كذلك، من خلال تلك الحكمة
القديمة أنالشمس لن تسطع إلاّ من
الشرق، وإن اختطفها ضباب الغرب وأغرقها في بحر
ظلماته من ليلإلى آخرحتى ميعاد جديد.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com