ليس صادماً هذا العنوان،
على الأقل لمن لم يغفل عن حقيقة كونية عاقلة
واضحة، منذ بدء الخليقة وإلى قيام الساعة…
وما ينبني على هذه الحقيقة،
هو تماماً مثل هذه الحقيقة، لا شذوذ عن نواميسها،
فإن كان القمر صاحب حالات وحمّال أوجه، وهو من
لوازم الليل ومتعلقاته، هذا الفانوس السحري العجيب
الذي طالما شغف الناس في بعض حالاته، فإن الشمس
التي هي من لوازم النهار وأبجدياته لا حالات تلحق
بها لا ولادة ولا غيابا في سطوعها، نعم قد تقول
الناس أنها في حالات من شدة الوهج، فهناك خيوطها
الذهبية عند الشروق، حتى إذا ما استوت في رابعة
النهار قامت على رؤوس العباد هاجرة وحرة، فإذا
اكتفت من ذينك أرسلت من لدنها خيوط الأصيل
البرتقالية الضاربة إلى الصفار من الحمرة، لكنها
قطعا وأبداً لا تأتي بحالة الغياب التي تساق إليها
الأقمار سوقا عندما تكتمل دورة الأفول، ولا تأتي
بحالات الأرباع إلى الأنصاف ولا كذلك بمغادرة
الأنصاف التي شغفت قلوب العرب في بدورها، إلى
الأرباع فالمحاق.
وحكايات النهار ليست كتلكم
التي هي الحكايات في الليل، فيا لهذا الليل من
حالات ومن أسرار، بعض حكاياته تتسق مع حكايات قمره
ودورانه، ومنها ما قال عنها صاحبنا وهو يشكو
حالها، "كلام الليل بسمن أو بزبد قد دهن، فإذا قام
عليه النهار سال أو (ساح).."، ولعمري بعضها مشغول
بما لا يسيح بل يصلبّث عوده على باطل إن أوثقت
عراه بليل معتم، لا يلبث أن ينفجر نهاراً بعد
النجوى وإفضاء بعضهم إلى بعض، عذابات وآلام
وجراحات راعفة تصيب مساكين هذه الدنيا ومظلوميها
وهم كثر في زماننا هذا…
والعرب التي بالغت في مدح
الوجه الصبوح وقارنته بقمر الأربعة عشر وبدره
التمام، تغفل أحياناً أن تصغي إلى غيرها من الأمم
التي أيقنت تشبيه المرأة بالقمر هو موضع ذم لا
مديح، كهؤلاء القوم الجرمان الألمان الذين فطنوا
إلى ميكانيكية الغياب وعنصر المخادعة في الأفول،
فلمحوا التشبيه من ناحية زوال الحال وخداع المآل،
وما أخذتهم شدة الوهج الصبوح للبدر بحال غفلة، ولا
كفرت على عقولهم فأصبحوا مسلوبي الفؤاد وتابعي
الوداد أبدا، وليتهم حفظوا وداد أشياء أهم وأخطر….
أهم حكايات الليل المشؤومة
في هذا اليوم حكاية اسمها "بلفور" في تشرين
الثاني، حكاية ليلية لا حقيقة فيها سوى كذبها
وخداعها وتدبيرها الآثم، حكاية نفثت فيها عقد
الجريمة وعقد العدوان، فاغتصبت وشرّدت، وما زالت
أنيابها عاملة ناشبة ، طالعة نازلة في جسد المظلوم
الأقدم والأشهر في التاريخ، الوطن الفلسطيني،
والشعب الفلسطيني، المسيح المصلوب منذ ألفين إلا
قليلا، والضمير المعطوب عند مدبري حكايات الليل
غير السعيدة وغير البريئة، والساكتين عليها إلى
حين، هذه الحكاية هي أم الحكايات التالية التي
تفرّعت عن شجرة الزقوم هذه، وهي التي لا جذر لها
في الأرض، ولا فرع لها في السماء، وإنما هي محض
بهتان وطحلب يضرب فينكمش، أو يترك فينتعش، هذه
حكاية فلسطين وشعب فلسطين ونضال فلسطين، ومعها
عنوان حقيقي غير مزيف، لنضال حقيقي، وليس لشواهد
قبور مدن كئيبة هجرت أرواحها الشجاعة، أو تلكم
التي انكبت على قشور ما تركته حكايا الليل الخائبة
في مدن الملح الكثيرة….
الحكاية المصاحبة لحكاية
الليل هذه، هي حكاية النهار، حكاية الشموس التي لا
تولد ناقصة، ولا تغيب أبدا، حكاية الحق وقوته،
وحكاية سيف هذا الحق ونضاله من أجل العدالة، هذه
الحكاية تخص الأحرار في العالم أجمع، هذه الحكاية
لا تقبل أن تكون تابعة لظروف ولا مسحوبة على
رغبات، هذه الحكاية لا تؤخذ مجتزأة على "صحن حمص"
ولا على "صينية كنافة" لتسجيلها في أرقام دولية في
منافسة مع العدو الصهيوني صاحب الإفك وأداة حكاية
الظلام، يمكنها أن تأخذ هذه الجزئية واحدة من عشرة
آلاف مهمة كفاحية ونضالية في الجدار الثقافي
المانع الرادع، لكنها لا تقبل أن يكون هذا الجدار
قد تقزّم بحيث أصبح بطول فئة "النضال المطبخي"،
الأيدي الفلسطينية المناضلة التي قامت وأعادت
أسماء المدن والشوارع العربية على لافتات الكذب
وحكايات الليل التي وضعها هذا العدو، هي أيدي سجلت
أفضل ألف مرة من حكاية النضالات المطبخية هذه،
والأيدي المرابطة في صحن المسجد الأقصى وكنيسة
القيامة كما التي رابطت في ساحة المهد، هي أيدي
تدرك أن الفعل النضالي الميداني لا يمكن أن ينتظر
مراحل التنظيرأو بهتان الحالات القمرية التي تأتي
منذ عقد ونصف على لسان بعض ممن تنكر لحالات الشموس
الفلسطينية لينازل الليل بلغته….
النضال المطبخي ونضال
الشموع في المسيرات والدعاء والقنوط والشجب
والاستنكار، هو نضال قمري يغريه الوجه الصبوح
للبدر، لكنه في حكم المنتهي إلى محاق إن بقي يلعب
في ملعب حكايات الليل وقوانينها، والبندقية
الصادقة والكلمة المقاتلة والسواعد المرابطة هي
النضال الشمسي الذي لا يعرف المحاق، نعم يمر في
حالات الصبوح وحالات الفتور، لكنه يعود كل يوم من
جديد وعلى موعد، فقط النضال من هذا الملعب وإن
فترت أحيانا حرارة لهيبه، هو النضال الوحيد الذي
يحمي ويصمد ويكسر العدو الصهيوني وكذبه في كل
حالاته الليلية بدءاً من تشرين بلفور إلى تشرين
نتنياهو و لبيرمان حارس المواخير التي هي قلب
حكاياتهم الليلية…
وتبقى فلسطين أم الحكايات
النهارية ومعها شمسها التي لا محاق فيها وغدها
العائد قطعا وحتما هو قريب….
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com