كلما ألقى مسئول خطبة فينا
حدثنا عن الظروف الدقيقة التى يمر بها الوطن،وتحديات المرحلة
المقبلة، والخطوات الحاسمة التى يتعين اتخاذها.
منذ وعيناعلى الدنيا ونحن نسمع
هذا الكلام، حتى باتت أمثال تلك المصطلحات من
ثوابتالخطاب السياسى، التى فقدت
معناها بمضى المدة، حيث بدا أن تلك الظروفالدقيقة لا نهاية لها،
وظلت تحديات المرحلة المقبلة تعبيرا فضفاضا يتسعلأى شىء، أما الخطوات
الحاسمة فلم نجد لها أثرا فى حياتنا.
كأنماكتب علينا أن نعيش فى
ظل الطوارئ طول الوقت، بحيث نظل فى حالة استنفاروترقب دائمة، فنتوجس من
الآتى، ونمد أبصارنا القلقة إلى المستقبل. ولاأعرف إن كان ذلك مقصودا
أم لا، لأن الإلحاح على استخدام هذه الإشارات إذاأخذ على محمل الجد، فمن
شأنه أن يصرف انتباه الناس عن هموم الحاضروأحزانه. لكن الله سلم،
لأن كثرة استخدام تلك المصطلحات أفقدتها رنينهاالمفترض، بحيث تساوت
عبارة المرحلة الحاسمة المقبلة مثلا مع عبارة كل
سنةوأنت طيب، التى ابتذلت ولم تعد
تدل على شىء فى المعاملات العادية.
ترددتتلك العبارات كثيرا فى
كلمات وإشارات قيادات الحزب الحاكم أثناء المؤتمرالذى عقد هذا الأسبوع.
وكان الرئيس مبارك أكثر تحديدا حين تحدث عن «السنةالحاسمة» المقبلة، وهى
إشارة تفتح الباب لاحتمالات متعددة، تدور كلها حولسيناريوهات إحداث تغيير
جذرى فى سياسات مصر الداخلية أو الخارجية،
ولكن منيقرأ بقية الكلام يكتشف
أن العالم العربى بكل قضاياه محذوف من الأجندة وأنأهم ما يشغل المخطط
السياسى فى السنة الجديدة هو التجديد النصفى
لأعضاءمجلس الشورى، ثم
انتخابات مجلس الشعب. ويفترض أن الاثنين يمهدان
لسنةحاسمة تالية (2011) يفترض أن
تجرى فيها انتخابات رئاسة الجمهورية. إلى هذهالدرجة انكفأت مصر
وانعزلت عن محيطها الذى تدعى أنها «رائدة» له!
حينيتحقق المرء من ذلك
خصوصا إذا كان مواطنا مصريا يعرف أبجديات السياسةوممارساتها، فأغلب الظن
أنه سوف يمد رجليه ويشرع فى تثاؤب طويل، هذا إذالم يغالبه النعاس على
الفور، ومن حقه أن يسأل بعد أن يستيقظ: إذا كانالحزب الوطنى هو الفائز
فى الحالتين (انتخابات مجلسى الشورى والشعب).
وإذاكانت نتائج الانتخابات
الرئاسية ستظل تدور فى فلك العائلة. ولن تتجاوزحدود الأب والابن،
فلماذا كل هذا الضجيج الحاصل، وبأى معيار يمكن أن
توصفالسنة بأنها حاسمة فى سيرة
وسجل بلد بحجم مصر؟
أفهم أن يستنفر الناشطونويشتد حماسهم إذا ما
تعددت الخيارات أمامهم، ووجدوا أن الانتخابات يمكن
أنتغير من معالم الخريطة
السياسية، فيخرج فريق سياسى من الملعب وتأتى أصواتالناس بفريق آخر، أو
تتخلل الانتخابات الرئاسية مفاجآت من أى نوع. لكن
حينلا يتجاوز الأمر حدود إعادة
ترتيب أوراق نفس الفريق، وحين تكون النتائجالنهائية معلومة سلفا،
فإن مصطلح «الحسم» يصبح له مدلول آخر، ينصرف إلىالانتهاء من إخراج
الفيلم القديم واعادة توزيع موسيقاه، استعدادا
لعرضهعلى الجمهور.
يتحدث المطلعون عن خبرات
تنظيمية تم نقلها منالأحزاب السياسية فى
بعض الديمقراطيات الغربية. وعن بعض قيادات فى
الحزبسافرت إلى إنجلترا والولايات
المتحدة للتعرف على كيفية إدارة الشئونالحزبية والحملات
الانتخابية، ومن الواضح أن تركيز تلك القيادات كان
علىالشكل والإخراج، ولم يعن أحد
بالوظيفة والمضمون، وكانت النتيجة كما رأيت،كلاما كثيرا يدغدغ
مشاعر الناس ويعبث بأحلامهم، وضجيجا يملأ الفضاء
ويثبتحضوره فى وسائل الإعلام،
ولهاثا وركضا طوال ثلاثة أيام، لا ينقلنا خطوةواحدة إلى الأمام، وبعد
ذلك ينفض السامر لفاصل يستمر عدة أشهر، نعود بعدهإلى حديث آخر عن الظروف
الدقيقة والتحديات الجسيمة والحسم الواجب.. الخ،
أما
لهذا المسلسل الردىء من آخر تفيق به مصر من
سُباتها وتخرج به منعزلتها؟!
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com