إذا كان الرئيس
الفلسطينيمحمود عباس لا يرمي
من إعلان رغبته أمس الأول بعدم ترشيح نفسه مرة
ثانيةللرئاسة مجرد
المناورة لإعادة تجميع رصيد سياسي داخلي وعربي
ودولي، فقدتفتح خطوته أكبر
ثغرة في الجدار المأزقي الذي بات يواجه المشروع
الوطنيالفلسطيني برمته.
لكن هذا الوضع
يتطلب اولا تصميم محمود عباس على عدم الترشح
ومواجهةاغراءات الضغوط
الغربية والعربية الهائلة التي ستدفعه الى
"العودة"... عبرالانتخابات او بدون
انتخابات الى موقع الرئاسة بسبب الارباك الكبير
الذيسيشكله في المرحلة
الراهنة تخليه عن الاستمرار بقواعد لعبة باتت
مكلفة جداللشعب الفلسطيني.
الرئيس
الفلسطيني، يعرف هو قبل غيره، انه مات سياسياً
مرتين حتى الآن. مرةعندما حمت
ادارة الرئيس جورج دبليو بوش قرار الحكومة
الاسرائيليةبالاستمرار في رفض
نتائج الانتخابات التشريعية عام 1996 مما خلق وضعا
ادىالى اكبر انشقاق
جيوسياسي في الحركة الوطنية الفلسطينية بينه وبين
حركة "حماس"...
ولاحقا عندما واصلت الحكومة الاسرائيلية رفض تجميد
الاستيطان فيالضفة الغربية
والقدس الشرقية في عهد الرئيس باراك اوباما، مما
افقدالمفاوضات معها اي
اساس جدي من الموقع الفلسطيني.
لكن ما هو أخطر
من الموت السياسي للرئيس الفلسطيني مرتين، هو
الموتالسياسي الذي بات
يتهدد بنيويا المشروع الوطني الفلسطيني كما ارتسم
وتطورمنذ السبعينات مرورا
باتفاق اوسلو واقامة سلطة وطنية على ارض الضفةوالقطاع
تمهيدا لقيام الدولة المستقلة.
في الحقيقة لا
فارق بين موت "ابو مازن" السياسي وبين موت المشروع
الوطني،حتى لو حاول طويلا
ان يفصل (او ان يتجاهل الترابط) بين الانسداد
البنيويللمشروع والناتج
اساسا عن تفاقم السرطان الاستيطاني الاسرائيلي في
الضفةوالقدس الشرقية،
وبين المتاعب المتعلقة بموقعه الرئاسي لاسيما بعد
انفجارالخلاف المؤسساتي
والجغرافي مع "حماس".
المسألة الجوهرية
التي يثيرها اعلان الرئيس عباس عن عدم رغبته
بالترشح هوان محمود عباس اذا
اراد ان يستعيد التصرف من موقعه كمسؤول في الحركةالوطنية
الفلسطينية، فهو يجب ان يتصرف كأنه يرمي هذا
القرار في وجهالولايات المتحدة
واوروبا.
واذا كان من مأزق
تستشعره القوى الدولية هذه حيال الفراغ الذي يولده
عدمترشيح "ابو مازن"
فليتصرف هذا الاخير ولو مرة واحدة بشكل حاسم على
انالفراغ هو مشكلة هذه
القوى وليس مشكلته ايا تكن الحاحية الضغوط داخل
"فتح"
والفريق المحسوب عليه في المناكفة مع "حماس"، بل
ايا تكن مسؤولية "حماس"
الاكيدة في الطريق
المسدود والذي تواجهه المصالحة الفلسطينية –
الفلسطينية.
• • •
دعونا لا نغرق في
التحليل:
اهم شيء ربما
الآن بعد اعلان محمود عباس رغبته بعدم الترشح
إمكانية تحوله الى اكبر خدمة لصالح الوضع
الفلسطيني في اللحظة الراهنة.
لماذا؟
اولالان الفراغ
الذي يمكن ان يتولد عن استمراره في عدم الترشح
سيجبر القوىالدولية على مواجهة
حقيقة مسؤولية اسرائيل عن وصول مشروع السلامالاسرائيلي –
الفلسطيني الى... الانهيار.
كما أن المعالجة
المطلوبة في واشنطن والعواصم الاوروبية باتت
تستلزم خطوات من الضغط على اسرائيل لتغيير كل
سلوكياتها.
ثانيالان الفراغ
اذا استمر هو اول حافز لاعادة اطلاق دينامية
سياسية داخلية بينالقوى
الفلسطينية بالمستوى الذي تستأهله خطورة المأزق
الوطني نفسه. من هوالبديل؟ ما
هو مصير "السلطة الوطنية"؟ من هي القيادة الجديدة؟
وفي اي سياقداخل "فتح" وخارجها؟
ثالثا... على
المستوى الشعبي، اظهرت التجارب الفلسطينية منذ
العام 1948انه بعد كل مرحلة
انسداد نوعي في برنامج النضال الفلسطيني، تحدث
تفاعلاتداخلية وفي الشتات
تؤدي الى اوضاع قادرة على خلق اشكال نضالية جديدة.
يعرف "ابو مازن"
اكثر من غيره ان مرحلة فلسطينية مع تفاقم السرطان
الاستيطاني قد شارفت على الموت او انها ماتت بدون
اعلان.
فالتفاعلات
العميقة البادئة تشير الى ان ارتدادات الانسداد
الوطنيوالسياسي تتجاوز
خارطة الضفة والقطاع، وبدأت ولو بشكل غير واضح حتى
الآن،وانما عميق، تدخل
اصداؤها في دائرة عرب 1948 اي في اجواء عرب
اسرائيل، كماان الشتات الفلسطيني
لاسيما في مواقعه الحساسة كلبنان والاردن يغلي
ويتلقىبـ ومن هذه الاوضاع
الجديدة. هذه التفاعلات من الصعب الآن رسمها لانها
لمتتبلور ولكن تعكس
ردود فعل عدد من النخب الفلسطينية لاسيما بين رام
اللهوداخل اسرائيل
والقدس الشرقية شعورا ذا طابع عملي بان كل فلسطين
على جهتيالخط الاخضر، اي
الضفة والقطاع وعرب الكيان الاسرائيلي باتت...
ساحةواحدة...
ماذا يمكن ان
ينتج عن هذا الموقف الجديد؟ واية صيغ سياسية يمكن
ان تظهرقريبا؟ كيف ستتمظهر
عودة "الساحة الواحدة"؟ هل هي ستتعايش مع مؤسسات
مابعد اوسلو ام ستعلن
عمليا انهيار صيغة المشروع الوطني كما ارتسم بعد
1967تدريجيا، اي القبول
الفلسطيني باقامة دولة مستقلة على عشرين في المئة
منارض فلسطين
التاريخية، وقبول العرب معهم بجوهر هذه التسوية؟
لعل الرئيس "ابو
مازن" وهو مولود سياسيا في حقبة مشروع "الدولة
المستقلة"
على 20 في المئة من فلسطين يسأل نفسه الآن اذا كان
موت هذا المشروع سيحملمعه تاريخيا
موتا لكل شعار "القرار الوطني الفلسطيني
المستقل"... مع مايعنيه ذلك من
عودة الى صيغ يتداخل فيها العنصر الفلسطيني وغير
الفلسطيني،العربي او الاسلامي
او؟
• • •
لا يبدو المراقب
متأكدا منمدى قدرة "ابو مازن"
على الثبات على موقفه بعدم الترشح للرئاسة...
فالرجلاصبح منذ فترة طويلة
أعزل (وليس معزولا) وبالتالي اسير لعبة دولية– اقليمية
مباشرة.
لكن محمود عباس
هو ابن شرعي للحركة الوطنية الفلسطينية... ومن هذا
الموقعفان انسحابه الآن هو
قرار حيوي فلسطيني لصالح نقل النضال الوطني
المأزوم – بل
المسدود – الى مرحلة جديدة من المواجهة من اجل
البقاء.
اكتبهذا التعليق
متأثرا بنسبة ما - ومستفيدا - من نقاشات قلسطينية
- فلسطينيةشهدتها في اكثر من
مناسبة ومكان داخل وخارج العالم العربي في الاشهرالاخيرة تنم
عن عودة "نكهة وجودية" لهذه النقاشات...
هل يستشرف الرئيس
عباس اذا اصر على عدم الترشح، ولم يضعف فيتراجع
كما فعلمرارا في خطوات
معينة سابقة قد لا تكون باهمية الاستحقاق الحالي،
فيدخلالتاريخ كمسؤول وطني
عوضا عن البقاء في "السلطة" بقوة... "جثة" سياسيةتتحرك بحقن
مفتعل؟
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com