..أعلنت
الحكومة الأردنية مؤخراً عن تأسيس الشركة الوطنية
للأمن الغذائي ، المملوكة للحكومة والقوات
المسلحة، لتقوم باستيراد وبيع المواد الغذائية.
والحكومة هنا ممثلة
بشركة تملكها هي شركة الصوامع والحبوب، أما القوات
المسلحة فالتفاصيل التي وردت عن الشركة تشير بوضوح
إلى إمكانية توظيف أي من ممتلكات القوات المسلحة
وكوادرها للقيام بالمهام المناطة بالشركة. منها ما
ورد عن تنسيق بين الشريكين لفتح أسواق جديدة
للمؤسستين الاستهلاكيتين، المدنية والعسكرية، في
المحافظات لتغطية أنحاء المملكة كافة بما فيها
القرى والبوادي، وتسيير حافلات متنقلة تقوم بالبيع
في الأماكن التي يتعذر فتح أسواق فيها.
والمؤسسة الاستهلاكية
العسكرية هي الأقدم تاريخاً، وتعود لفترة الانتداب
البريطاني وكانت تخدم جيشها ومن خدم في صفوفها من
المحليين بتزويدهم بمنتجات معيشية مما اعتاد عليه
الغربيون ولم يكن متوافراً محلياً. واستبقيت تلك
الأسواق بعد تعريب الجيش وأصبحت تبيع سلعها بأسعار
مدعومة بالنسبة للمواد الأساسية أو بسعر الكلفة أو
بهامش ربحي بسيط للمواد الكمالية، كنوع من الرعاية
التأمينية لمنتسبي الجيش وأسرهم حصرياً، تضمن لتلك
الأسر أمنها المعيشي في حين يتفرغ رب الأسرة أو
أبناؤها الذكور لشأن أهم وهو حماية الوطن. ولتوسع
جيوب الفقر، استحدثت المؤسسة المدنية كي لا يتم
زعم التمييز بين المواطنين ودون أن تمس أهداف
المؤسسة العسكرية.
أما حافلات البيع المتنقلة،
فواضح أن حافلات الجيش هي التي ستستخدم في الأغلب،
كونها منتشرة في مناطق حدودية نائية وتتحرك على
مختلف طرق المملكة، ومجهزة بالتالي بحيث تتحمل
صعوبات الطرق كما أنها مزودة بكوادر ميكانيكية
جاهزة أربع وعشرين ساعة تأتمر بأوامر عسكرية
صارمة. وهذه البنية اللوجستية المكلفة هي أساساً
لضرورات المهام العسكرية للجيش الذي يحمي كامل
حدود المملكة.
وقد جرى في فترات سابقة من
تاريخ المملكة، وما زال جارياً حتى الآن، توظيف
إمكانات الجيش تلك لتغطية احتياجات أخرى للمواطنين
في المناطق النائية أهمها الخدمات الصحية
والتعليمية، التي أنشأتها القوات المسلحة أساساً
لخدمة منتسبيها وأسرهم، ولكنها امتدت لخدمة
الأهالي من غير منتسبيها في مناطق لا جدوى من
مضاعفة العبء على الدولة بإنشاء مدارس ومستشفيات
حكومية إلى جانب تلك التابعة للجيش، كون أعداد
المستفيدين تبقى ضمن ما يمكن خدمته عبر منشأة
واحدة تكون إما عسكرية أو مدنية. وهذا بالطبع غير
فتح دكانة.
ويضاف للتعليم والخدمات
الصحية تكليف آليات الجيش بفتح الطرق النائية التي
تسد بسبب الثلوج أو العواصف، ومروحياتها لإنقاذ
مجموعات محاصرة بسبب أي من العوامل الطبيعية تلك
أو أي حالة طارئة كإسعاف وإجلاء المصابين في حوادث
على طرق نائية.. أو حتى تولي الجيش، بأقسامه
الهندسية المتخصصة، تنفيذ بعض المشاريع الوطنية من
مثل مد الطرق وإقامة بعض منشآت الاتصالات.
وكل هذا يبقى مقبولاً كونه
يخدم المؤسسة العسكرية ذاتها ومنتسبيها، ويحافظ
على مكونات أمن وطني تردف الأمن العسكري المحض
الذي هو مهمة الجيش الحصرية.
وهي أنشطة تبقي الجيش الذي
لا يخوض حروباً لسنوات منشغلاً بإيجابية في شأن
وطني بناء كالذي يوكل أحياناً لمتدربي خدمة العلم
، فيما هو يوفر على الدولة بعض الكلفة الإضافية
باعتبار أن ازدواجية الإنفاق غير مبررة في دولة
محدودة الموارد تعتمد على المساعدات لتغطية
النفقات الجارية في موازناتها كما على المساعدات
العسكرية العينية والنقدية لتجهيز جيوشها.. دون
الخوض في رأينا في بعض تلك المساعدات ومبررات
طلبها أو قبولها كما بمجمل وسائل إنفاقها.. كون
هذا ليس موضوع مقالتنا هذه.
موضوع مقالتنا هذه هو ما
نستشعره من خطورة إقحام القوات المسلحة في صفقات
وأنشطة تجارية بحتة، وأثره على أمن الوطن الأهم من
توافر لحوم خرفان على موائد المواطنين بكميات
تتناسب مع درجة ثرائهم .. ومثلها الكثير مما
تستورده وتبيعه المؤسستان حالياً، إذ استثنينا
البضائع متدنية النوعية بأكثر من تدني فارق السعر
بينها وبين بضائع بديلة في السوق التجاري.
وموضوع المقالة ليس قطرياً
بالضرورة، فهو معني بالبعد العلمي الاستراتيجي، في
ظل مجموعة من الظواهر العامة الشائعة، ومنها
الفساد والإفساد اللذين أصبحا ظاهرتين دوليتين..
فكيف بعالم ثالث يوبّخ
بين قرض وأخر ومعونة وأخرى على ملفي الفساد وحقوق
الإنسان فيه؟؟!!
وفي هذا سأتوقف عند نص
التصريح الرسمي بالخبر، وبعض ما قالته الصحافة
المحلية المرضي رسمياً عن سقفها. ومنه أن الحكومة
التي باعت أصول الثروات المحلية، والسهم الذهبي
الذي كان يتيح لهت ضبط مسار الشركات الكبرى، عادت
لتدخل ثانية كتاجر يهدف للربحية، وليس لتأمين
حاجات الطبقة الفقيرة دون ربح.
بل إن إعلان تأسيس تلك
الشركة يؤشر على دخول الحكومة في منافسة أو شراكة
مرابحة مع القطاع الخاص، كونها تعرض أن تستورد
بضائعها عبره إن أراد ذلك. وهي تعلن أنها ستبيع
بأسعار معقولة تقل عن أسعارالسوق المحلي ، أي أنها
لن توقف احتكار السوق ولن تصلح تشوهاته، وإلا
لاعتمدت الكلفة الإجمالية من سعر شراء ونقل لتسعير
بضاعتها إن لم يكن لتحديد سقف بضائع السوق الحيوية.
بل إن الخبر الرسمي يقول إن
الشريكين، الحكومة والقوات المسلحة، اتفقا على
تشكيل لجنة لتنسيق أسعار المواد في أسواقهما
لضمان عدم وجود منافسة بينهما وإذا أضفنا هذا إلى
ما سبق من قيام القطاع الخاص بتحديد السعر المحلي
، فإننا نكون نتحدث عن كارتيل احتكاري جديد في
مواجهة المستهلك.
يضاف لهذا ما يقال منذ
سنوات عن تسهيل الحكومة لمهمة المحتكرين بقوانين
تحميهم، أو تقوم بهذا عبر تعليمات تصدرها، أو
إجراءات وصفقات تمر من تحت الطاولة.. وصلت حد قول
رئيس حكومة سابق في مجلس النواب عن احتكار شركات
الرئيس اللاحق الذي حل المجلس ليمرر مائتين وعشرين
قانوناً مؤقتاً من هذا النوع لا يزال أغلبها ساري
المفعول : اللي بيعرف بيعرف، واللي ما بيعرف
بيقول كف عدس .. بمعنى أن من لا يعرف الحقائق هو
من يهوّن الأمر.
وإذا كانت الحكومة تطمع في
انتحال صفة الشفافية والنزاهة بربط نفسها بمؤسسة
الجيش ومكانته، وفي فترة أعادت الجيش كمعقل أمل
وملاذ أخير للتصدي لعدو خارجي استشرس وتنمّر بشكل
غير مسبوق.. فذلك خطأ استراتيجي فادح لا يستوعب
أولويات الأمن الوطني.
وفي التاريخ دروس لمن
يعتبر، منها معركة أحد. حينها لم تكن هنالك مخصصات
للجيش في حالة لم تخرج بعد من منظومة الغزو، وكانت
حصة المقاتلين من الغنائم هي البديل عن رواتبهم.
وهنا تجلت عبقرية خالد بن الوليد العسكرية في
توظيف الغنيمة واستشراف الضعف البشري إن لاحت له،
وهو ما أوقع الهزيمة بجيش المسلمين.
ابتداء وكقاعدة، إذا كان
اختلاط السياسة بالتجارة باب خراب للدول، كما يقول
ابن خلدون، فالأولى أن يبعد الجيش تماماً عن وضع
بطاقة سعر على أي شيء يقدمه للوطن والمواطن.
فمهمة الجيش واحدة مقدسة لا
تسعّر ناهيك عن أن يضاف لها هامش ربح.. وإن تفرع
عنها خدمات تعليمية أو علاجية أو إنقاذ أو تأمين
قوت المحتاجين، فهو مشروط بحدود واضحة بحيث يظل
امتداداً لدور الفادي والحامي من كل خطر أو مذلة.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com