في
سنة 1986، قرأنا وكتبنا عن جيل الحرب في سنة أولى
مدرسة.. ثم كتبنا عن مواليد الحصار.. سنة أولى
مدرسة في 1996، والآن في 2009 نكتب عن مواليد
الإحتلال في الصف الاول الإبتدائي. تدرج مرعب من
حرب إلى حصار مؤلم وصولاً إلى إحتلال حد العظم.
فلو أردنا أن نعرف ما جرى في العراق خلال ثلاثة
أجيال منذ 1980، علينا أن نقرا ماذا درس التلاميذ
الصغار في يومهم الاول من حياتهم الدراسية.. في
1986، ثم 1996، والآن في 2009. أو لنقرأ من زاوية
أخرى، فالذي وُلــِد مع بداية الحرب العراقية
الإيرانية في 1980، عاش مراهقته تحت حصار حرمه من
كل شيء جميل وحرمه من بهجة الحياة الجامعية، هو
نفسه الآن وقد صار والداً.. يرافق أبنه في يوم
دراسته الأولى.
خوف
وترقب..ثم حرمان..ثم يأس أو شعور بالإحباط.. تلك
هي دورة حياتنا منذ 1980 وحتى الان.. خوف عشناه
طوال فترة الحرب العراقية الإيرانية في أن نتسقبل
نعوش إخواننا أو أصدقائنا مع كل يوم يمر ومع كل
بيان يصدر عن القيادة العامة للقوات المسلحة، ثم
حرمان أعتصرنا إلى درجة كان الصراخ معلنا ونسمعه
من أنين المرضى في مستشفيات فقدت ألوان شراشفها
وصار الناس يدخلون إليها ويخرجون من باب الطب
العدلي بعد أن تحولت غرف وأقسام مستشفيات العراق
أيام الحصار المؤلم إلى أماكن لحشرجة الروح وبكاء
الامهات والزوجات والأبناء، ثم الآن.. شعور
بالإحباط ونحن نرى أن صبرنا الموجع أيام الحصار
كان دون فائدة، كنا نتصور أن الصبر مفتاح الفرج،
غير أننا أكتفشنا أن الصبر مفتاح الإحتلال، إحباط
ونحن نرى مَن كان يتنعم خارج العراق بنعيم
(معارضته) وولائه المخابراتي لدول كانت مصنفة
عدوة وهو يزايد على الصبر العراقي (أيا كان صاحب
التصنيف أو معيار التصنيف.. فالذي كان يعادي
النظام إنما كان يحارب الشعب العراقي المسكين، ولم
يتأثر مجرمو البعث والنظام بأية إجراء، فلم يطلق
أبنائهم طلقة واحدة في الحرب العراقية الإيرانية،
ولم يأكلوا هم أو أولادهم علف الحيوانات في الحصار
بل صاروا أصحاب بزنس وعقارات في الجادرية والعرصات
) فالدولة العدوة كانت عدوة للشعب العراقي وليست
عدوة للنظام العراقي. شعور محبط يجتاحني كلما
أعتصر الألم معدتي المريضة بسبب علف الحيوانات
والماء الملوث الذي شربناه في خنادق في بساتين
طينية رطبة في شتاء 1991، شعور محبط ان كل ذلك
الثبات والصبر لم تثمر في أن نرى أو نعيش في بلد
حر آمن ، نعيش محترمين ، لنا أصحاب نميل عليهم لو
مال الزمان علينا، لنا أهل يسمعوا صرخاتنا لو وصل
الألم شغاف القلب، وكنا نظن أن العراق هو المبتدأ
وإليه المنتهى ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها
نخرجكم تارة أخرى)، ولم نكن ندري، أن سماءاً غير
سماء العراق ستكون غطاؤنا، وربما أرضا او تربة غير
تربة العراق ستكون منامنا الآخير.
ماذا
يفعل ذلك الأب الذي نشأ على الخوف والترقب، ثم عاش
حرمانا وهو يضع كتب مكتبته في حقيبة ليبيعها يوم
الجمعة في سوق المتنبي في بغداد لكي يشتري حذاءاً
أو يديم واتر بمب مبردته العتيقة، ثم يري دبابات
محتلة وهي تلغي صبره أيام الحصار، ماذا نتوقع من
هذا الأب أن يقول لأبنه وهو يودعه في باب المدرسة؟
أي نصيحة سيقولها لولده، أي صورة سينقلها لذلك
الصغير الذي يقف بعيون دامعة وهو يودع أباه عند
باب المدرسة؟
لا
أريد جوابا لهذه التساؤلات، لكني أخشى أننا في سنة
2016 سنكتب عن سنة أولى مدرسة لطفل يخطو خطوته
الاولى إلى مدرسة تحمل إسم (مدرسة جمهورية العراق
الوسطى).
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com