لست صاحب فكرة العنوان،
لأنني سمعته من أحدالسياسيين المخضرمين في
مصر، أثناء تعقيبه على إعلان نشر على صفحة كاملةفي إحدى الصحف القومية،
ناشد رئيس الجمهورية أن يتدخل لإنصاف أحدالمواطنين من تعسف جهاز
الإدارة وظلمه له، تكرر الإعلان مرتين،
لكنه لميكن وحيدا، لأن الصحف
الصباحية أصبحت تنشر إعلانات من هذا القبيل
لمواطنينفشلوا في حل مشكلاتهم
مع الإدارة، فراحوا ينشرون مشكلاتهم عبر وسائلالإعلام راجين أن يتدخل
رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو الوزراءالمختصون لرد حقوقهم
التي فشلوا في تحصيلها من خلال القنوات العادية.
حينذاك قال محدثي انه إزاء
استفحال الظاهرة لربما اقتضى الأمر إنشاء هيئةخاصة باسم «وكالة غوث
المصريين»، تتولى تسليك الأمور العالقة في أجهزةالدولة، التي يعجز
المواطن العادي عن إنجازها.
الفكرة ليست مبتدعة تماما،
لأنها منفذة على أرض الواقع بصورة مختلفة،فالذين يتولون
«التخليص» في الجمارك والمطارات، والذي يتوزعون
على أبوابالمصالح الحكومية من
المرور إلى الضرائب وأقسام الشرطة مرورا بوزاراتالخدمات وأجهزة الإدارة
المحلية.
هؤلاء جميعا «وسطاء»
يستخدمون خبراتهموعلاقاتهم لتمرير
المعاملات المختلفة وإغاثة عامة المصريين من أصحابالحاجات. وهي ظاهرة
يتسع نطاقها يوما بعد يوم، بحيث استقر لدى الرأي
العامأن صفة المواطن ليست كافية
لإنجاز مصالح الناس، وأن كل واحد لابد له من
«واسطة» تساعده على
تحصيل حقوقه.
لماذا حدث ذلك؟..
هناك أسباب متعددة
منهاتعقيد الإجراءات في
المصالح الحكومية، الأمر الذي يحير صاحب المصلحةوينهكه، ويشعره في
أحيان كثيرة بأنه في حاجة إلى «صديق» يعينه على
إنهاءمعاملته،
منها أيضا أن الموظف المصري
مثقل بالهموم التي عادة ما تفوقطاقته. وهو يذهب إلى
عمله مكتئبا وغير مستعد لتقديم واجبات وظيفته. إذإضافة إلى ضعف أجره
فلابد أن تكون أعباء الحياة قد قصمت ظهره، خصوصا
إذاكان متزوجا ولديه أبناء وبنات
يطالبونه كل يوم بمصاريف الدروس الخصوصية.
فضلا عن أنه يهان في
المواصلات في الذهاب والإياب. وتلك ظروف تجعله
متبرماوضائق الصدر باستمرار،
وبحاجة الى من يحمل عنه ويخدمه لا أن يقوم هو
بخدمةغيره.
لذلك أزعم أن مجتمع
الموظفين في مصر في حالة إضراب عن العمل. صامتوغير معلن، وأنهم ما
عادوا يعملون إلا عند الضرورة وتحت ضغط لا
يستطيعونمقاومته.
لا أستطيع أن أتجاهل في هذا
السياق دور التحولات السلبية التيطرأت على منظومة القيم
في المجتمع، وبمقتضاها اختلت قيمة الحق والواجب،بعدما أدرك عامة الناس
أنهم مسحوقون وبلا حقوق، ومن ثم فإنهم لم يجدوادافعا لأن يؤدوا ما
عليهم من واجبات.
ولأن الحكومة هي الطرف
المعني بهذهالرسالة بالدرجة
الأولى، فقد انعكس ذلك على أداء موظفيها. وحدهم
الأكابرمن رجال السلطة يأخذون
حقوقهم كاملة غير منقوصة، لسبب جوهري هو أنهممواطنون من الدرجة
الأولى، ومقاماتهم تشكل عنصرا ضاغطا لا يستطيع
الموظفالعادي أن يتفلت من
الاستجابة له.
الأمر الذي يعني أن جهاز
الإدارة منالناحية العملية لم يعد
في خدمة المجتمع بقدر ما أصبح في خدمة السلطة،وبعد التعديلات التي
أدخلت على هيكل النظام الوظيفي في مصر، وبمقتضاهاأصبح مصير مسؤولي أجهزة
الدولة معلقا على رضا السلطات العليا، فقد سادالاعتقاد بأن استرضاء
الكبار أهم وأنفع من استجلاب رضا الناس. وهي كلهااعتبارات تضفي وجاهة
على فكرة مأسسة قضاء مصالح الضعفاء بإنشاء وكالة
لغوثالمصريين العاديين، بعدما
أصبحت أجهزة الدولة مشغولة بالمصريين الممتازين.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com