أمس استمع الفلسطيني إلى
خطابين، الأول ألقاه على مسامعهمحمود عباس من مدينة
رام الله المحتلة ومن مقاطعة الشهيد ياسر عرفات،
والثاني ألقاهخالد مشعل من مدينة
دمشق وعلى مقربة من الجولان العربي المحتل، بعض
الذين يستهويهماستخدام أدوات الجدال
المزدوجة الحدود، مالوا إلى مفردة الجغرافيا
السياسية في أولهذه الأدوات، وفي حين
لم يقولوا لنا ما هو تأثير حدود هذه الأداة في
حالة خطابعباس، وهل أثرت هذه
الجغرافيا السياسية التي واقعها الاحتلال والتنسيق
الأمنى،وتنفيذ الأجندات
الصهيونية- الإمبريالية على هذا الخطاب، تنطحوا
للغمز من قناةالخطاب الثاني لمشعل
على هذا الأساس!
الجغرافيا السياسية في خطاب
مشعل، هي جغرافيا المقاومةوالممانعة، هو صحيح
أنها تتم عبر خطوط تماس أخرى مع العدو الصهيوني،
عبر قيادةالمقاومة اللبنانية
والفلسطينية في لبنان وفلسطين، ولكنها في
الجغرافيا السوريةوحتى الساعة تشهد ثلاثة
عوامل لا يمكن إنكارها على الإطلاق ولا التحايل
حولها،الأول منها أن هذه
الجغرافيا لم توقع حتى الآن معاهدة منفردة،
والثاني أنها حتىالآن تدعم خيارات
الشعوب العربية المقاومة بما فيها العراق، والثالث
أنها حتى الآنتعمل على أساس تبني
الخيارات الاستراتيجية المتعددة للوطن السوري
وللأمة العربية،في معركتها التي تقول
لأنها الأساس، فأي مثلبة في هذه الجغرافياالسياسية؟
أظن أن الذين استحبوا هذه
المفردة في التعريض بقصةالجغرافيا السياسية، هي
استهلاك الإشارة إلى وضع التصالب الإقليمي والدولي
فيالسياسات، سواء الاستراتيجية
أو التكتيكية، حيث القيادة السورية وخياراتها
المنبثقةوالمرتبطة معاً
بحساباتها في هذا الموضع، لسان حالهم يريد أن يقول
ما أحجموا عنه،وهو كيف تنادون
بالمقاومة والجولان السوري لا زال محتلاً ولا
مقاومة فيه؟ إنها ذاتالفكرة المكرورة التي
يكفي المرور بفعل العمل القائم حالياً في مواجهة
فعل الاستلابالقائم عند الآخرين،
على الأقل طالما بقيت صورة دمشق في مركز قرار
الممانعة والصمودوالدعم لفعل المقاومة
القومي، فإن حربها مع العدو ستكون جزءً قادماً لا
مفرَّ منهلا شك تدركه دمشق، وهي
طالما بقيت تجهّز له الحسابات فإنها تكون مقبلة
على التلاقيفي مراحل قادمة بنفس
الجدية التي تؤسس فيها للمرحلة الحالية عبر دعمها
لهذالخيار.
لكن الجغرافيا السياسية في
خطاب عباس، هي شيء مختلف تماماً، فهي لم تلحظ فلسطين
الواقعة تحت كل أنواع سيوف التهديدات المفصلية
العنيفة،وباستثناء التباكي –
اليوم- على وضع غزة المحاصرة، وإهمال ذكر الضفة
المستباحة تحتالتنسيق المشترك في
سياسة صاحب الخطاب، وعدم تكليف الخاطر المرور على
وضع الفلسطينيفي أرض الجذور حيث
الوطن الأم، والدور الوطني الذي يلعبون في معركة
القدس التي تغيبعنها السلطة منذ عدة
سنوات، ومعاناتهم ومواقفهم البطولية في هذا الشأن،
وآخرشواهدها استقالة الأخ حاتم عبد
القادر من حكومة سلطة رام الله، مشفوعة بالأسبابالواضحة التي تقول بأن
لا دور للسلطة هناك، وعلى الأقل فحوى يعارض تماماً
ما قالهخطاب عباس عن ادعاء
الأدوار فيها، هي جغرافيا سياسية لم تسافر حتى
داخل المقاطعةذاتها، مقاطعة الشهيد
عرفات !، وفقط تعمل الصور في مضاد المعاناة
الفلسطينيةوأشواقها للخلاص، وفي
ما هو معاكس لأمانيها بالحصول على الأجوبة
الشافية، هي تتبعللأسف عاملها في تحديد
جزء آخر من واقع هذه الجغرافيا السياسية ،حيث
يتقدم سلاحالعدو فيها للعمل في
طبيعة الخطاب، إنها جزئية ما يريح العدو ولا
يستتبع منه لاغضباً ولا قلقاً.
إنها أيضا ليست فقط في باب
حصر الخيارات الاستراتيجيةفلسطينياً في لبن
السلام المسكوب صهيونياً، والمسلوب الإرادة
أمريكياً – أوروبياً،باستثناء أدوار التجميل
وامتصاص الغضب من هذا الإفراط في عملية سكب اللبن
الذي لميتبق منه شيء، بل هي في
باب ضرب الخيارات الاستراتيجية الأخرى للشعب
الفلسطيني ومنعدة أوجه بطريقة
منهجية، إنها عملية ليس فقط نكران وتنكّر لتاريخ
وأسطورة الكفاحالفلسطيني المعاصر، بل
هي عملية تقزيم له مع محاولة التنكّر له، جارية
على قدم وساقتتبع منهج إدانة
المقاومة نفسها، وتكثير السكاكين فوق رقابها،
بالفعل المباشر،والشواهد أكثر من أن
تحصى، إنها منهج متكامل الأجزاء والنتوءات، وليست
قصة تقريرالقاضي غولدستون إلا
واحدة من المحطات التي تظهر فيها الصور الفاقعة
لهذا المنهجالذي لا يختلف عن منهج
حكومة فيشي، وكل الحكومات التي قامت على أساس
التعاون معالمحتل ضد مصالح الشعوب
المستعمرة، إنها ذات الصورة.
اليوم يقول الخطاب الأول
نفسه تماماً، لا شيء جديد فيه علىالإطلاق، منهج الهروب
للأمام، والذهاب بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة
إلى أحضانالعدو، والقطيعة في ذات
الوقت مع الجوهر الوطني الشامل، والإصرار على
النبوءةالفردية التي لا تملك
في عالم الواقع أية درجة من درجات مقوماتها
المنطقية، فضلاًعن الاستخفاف بالناس
وحركة التاريخ معاً، هي بلا شك انعكاس لواقع
الشخصية المهتزةفي الفعل الاستبدادي
الطاغوتي فعلاً، الأمر الذي يدعنا لا نتوقع معه
بصيص أمل فيهذا النفق المظلم
والبارد معاً، والذي يجعلنا في ذات الوقت نرى في
التغيير الشاملضرورة وطنية ومنطقية لا
بد منها.
في خطاب الثاني بعض التجديد
الذي يستحق الوقوف عنده، يكمنأول صور التجديد
الواضحة في التفريق بين حركة التحرير الوطني
الفلسطيني «فتح»، وبيننفر باسمها استقوى
عليها أولاً، ثم اشتغل قرصاناً على القرار الوطني،
وارتبطتحالفياً مع بؤرة
الفساد السياسي والأخلاقي في السلطة الفلسطينية،
وصولاً إلى مدالسطوة لاحقاً على
المركب الأم في منظمة التحرير الفلسطينية، وهو
تجديد يحسب لمشعلويحترم ويقدّر أيضا،
وهو من هذه الزاوية حجر البناء على التجديد الثاني
الذي ظهر منخلال الدعوة ليس إلى
«تقاسم شكلاني» في مواقع التمثيل، بل إلى شراكة
وطنية شاملة،تعتمد على المأسسة
الحقيقية والتعبير التمثيلي الحقيقي، والمشاركة في
البرنامجوالتنفيذ معاً.
إذا كان لا بد من تعقيب بسيط، فنهمس في أذن محمود
عباس، لاأحد
بما فيهم حضرتكم يصدّق أن قراراً مهما كان نوعه
يتخذ اليوم هناك في رام الله
دونكم، ولم نكن نتوقع من خطابكم قياساً على ما
عوّدتم عليه الناس غير ما قلتم نصاً
وطريقةً، أما في أذن خالد مشعل فنهمس، أصبت وأجدت،
وعلمت فالزم، وألزم به من
حولك،ربما لا زال مبكراً أن نقول لك يا خالد
فلسطين جدد خالد الترك والعرب معاً،
لكننا قطعاً سعيدون بك أخاً مجاهداً على طريق
فلسطين، كل فلسطين.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com