طوال الأسبوع الماضي حفلت
الصحف المصرية بالمقالاتالتي أشادت بزميلنا
الدكتور محمد السيد سعيد مبرزة نضاله كشخص نبيل،
ومثقفمن طراز رفيع، ووطني شريف
انحاز دائما إلى هموم وطنه وأمته، والرجل يستحقذلك كله لا ريب، لكن
السؤال الذي شغلني وأنا أتابع تلك الكتابات هو:
لماذايكتشف الشرفاء في بلادنا
وترتفع أسهمهم بعد وفاتهم؟
ذلك حدث أيضا مع الراحلين
محمود عوض وصلاح الدين حافظ والدكتور أحمدعبدالله رزه، والدكتور
عبدالوهاب المسيري ومحمد سيد أحمد، ومجدي مهناومحمود المراغي وعادل
حسين وعبدالله إمام.
وجميعهم مثقفون وطنيون ما
إنمات الواحد منهم حتى انبرت
صحفنا مشيدة بهم ومسلطة الأضواء على مكانتهمالرفيعة ومواقعهم
الشريفة وعطائهم الكبير، والفراغ الذي خلفوه في
حياتناالثقافية بعد رحيلهم.
لست أشك في أن أمثالهم
كثيرون في المحيط الثقافي وفي مختلف مجالاتالعمل العام، لكنني
ذكرت تلك الأسماء ليس فقط لأنني أعرفها جيدا بحكمزمالة المهنة أو
الصداقة الشخصية،
ولكن أيضا لأن النماذج التي
ذكرتها حظيتباهتمام مشهود من جانب
وسائل الإعلام، إضافة إلى أن أغلبهم انتسبوا إلىمؤسسات صحافية فتحت
صفحاتها بعد وفاتهم لتقريظهم والإشادة بمناقبهموفضائلهم.
في الوقت ذاته فإن تلك
النماذج توافرت لها قواسم مشتركة تؤيدظاهرة الاكتشاف المتأخر
للشرفاء في البلد، التي استلفتت نظري، ووجدت أنهاجديرة بالملاحظة
والإثبات.
لقد اشترك هؤلاء وأمثالهم
في كونهم يتقاسمون حقا النزاهة والاستقامةالمهنية والاستقلال في
الرأي والانحياز إلى القيم الوطنية والشريفة.
لكنهمتقاسموا شيئا آخر، هو
أنهم دفعوا غاليا ثمن مواقفهم ونزاهتهم. فمنهم مناعتقل وأهين في السجون.
ومنهم من عانى من المرض وعجز عن أن يدبر نفقاتعلاجه، ومنهم من عاش
فقيرا ومات فقيرا، وعانى أبناؤه من الفاقة بعد
مماته. الأمر الذي يعني أن حظوظهم بعد
الرحيل كانت أفضل كثيرا من حظوظهم عندماكانوا على قيد الحياة.
إذا قارنت حظوظ أولئك
الشرفاء قبل الرحيل بحظوظ أقرانهم من الأحياءالمنافقين والمهرجين
والمصفقين وماسحي أحذية السلطة وبلاطها، فستدرك
مدىشعور الأولين بالحسرة والأسى
ليس لحالهم فقط، ولكن لحال البلد أيضا.
ولكأن تتصور هذا الشعور
حين تجد أن الشرفاء يعانون وينكل بهم في أرزاقهموأحلامهم، في حين يكافأ
المنافقون والأفاقون بالعطايا والمزايا والمناصب
.
وحين تجد أن الناس يكبرون في المقام كلما صغروا في
مراتب الاستقامةوالشرف. ويزدادون ثراء
كلما صاروا أكثر انكسارا وذلا، ويقتربون منالصدارات كلما ابتعدوا
عن ضمائرهم وتخلوا عن قيمهم ومبادئهم.
في أكثر من مقام ومناسبة
قلت إننا في زمن صارت الاستقامة فيه، مجردالاستقامة، نقيصة يعاتب
عليها المرء ويجد من يسخر منه بسببها ويتهمهبالخيبة وقصر النظر.
أما المواقف الشريفة خصوصا
إذا تعلقت بالكرامةالمهنية أو الوطنية،
فقد أصبحت باهظة التكلفة. وعلى من يريد أن يكون
شريفاأن يكون مستعدا لدفع ثمن
مواقفه، من رزقه أو تطلعاته أو من حريته وربمامستقبل أسرته أيضا.
إن التكريم الذي لقيه
الدكتور محمد السيد سعيد بعد وفاته، لم يكن لينالعشر معشاره لو أنه
استمر على قيد الحياة. وهو من دخل السجن وعذب حينا
منالدهر، وتضاعفت عذاباته حينما
حل به المرض، إلى أن عولج على نفقة الحكومةالفرنسية في نهاية
المطاف.
والشرفاء من أمثاله، الذين
ذكرت بعضهم مروابنفس التجربة، ودفعوا
فاتورة مواقفهم النبيلة بصورة أو بأخرى.
صحيح أنتكريمهم بعد الوفاة خير
من إنكارهم وتهميشهم طوال الوقت، لكني لا أخفي شكافي دوافع بعض الذين
سارعوا إلى ذلك التكريم، ممن لم يكتبوا ما كتبوهتقديرا لنبل الرجل
ومكانته، وإنما ابتهاجا برحيله لأن مجرد وجوده
يسببإحراجا لهم ويفضح قبح مواقفهم.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com