اعتدت أن اكتب كل بضعة أيام في مفكرتي الصغيرة
كلمة سماء نفسي مرة استلهم فأكتب سماء
نفسي صافية ومرات أقول سماء نفسي ضبابية
أو أقول بلا عنوان.
ولكن صحوت هذا اليوم من قيلولتي وكتبت دون مقدمات
سماء نفسي بلا ألوان تداعيت إلى الباب .تثاقلت في
المسير إلى المقهى المعتاد.
انه مقهى صغير ،على شرفته تتعالى شجرة أكلت من
الدهر وشربت . وأنا اجلس بظلها أتفرج على الناس.
سرت بطيئا لا أدري لماذا .مناظر الطريق مختلفة
لعلها تضاءلت تهامست عني وبي ، ولعل نفسي رسمت
صورة ّ لسماء بلا ألوان ولا أبعاد على الطريق.
يا نفس، أنا متعب، أسعفيني حدثيني أمطريني بحنين
الرجوع من الغربة عن بلدي.
قالت وكم تغربت ؟ قلت ثلاث سنوات .
الم تذكري محاسن بنت الجيران التي كنت ألقاها كل
صباح بطريقنا إلى المدرسة.
سنوات خمس مرت بزغاريد مبهمة ، ولا أرى منها إلا
منديلها الذي يستر وجهها .
وقفت مرة كما تذكرين عند موقف الحافلات. وحاولت
إصلاح منديلها الذي تبرز من خلاله رموش عينيها
فقط. وفعلا رأيت ملامح وجهها وسحرت بها .
سنين خمس. ولا أزال أسال أمي عنها. وقالت يا
ولدي اسمها محاسن وبيتها قريب في الحارة الثانية،
وأمها تزورنا دائما ، يا ولدي اجتهد وأكمل دراستك
و سأخطبها لك.
ابشر يا ولدي، ثم أردفت البنات يحلمن بالعريس
ولا يفكرن بالتكاليف.
وأنت رجل يجب أن تكافح لتستطيع دفع تكاليف الحياة
قبل أن تفكر في أي فتاة .
هذه الكلمات الصائبة جعلتني اطوي نفسي وأثابر
وأثابــر.
ولكن المشوار اليومي هو المشوار الصباحي لكل منا
إلى المدرسة ، واللقاء إما في الطريق أو عند موقف
الحافلات.ومنديل وجهها الذي تصلحه كلما نظرت إليها
لأرى ملامح وجهها الساحرة . ما أصعب لغة المنديل
أهو عادة إصلاح الهندام أم ؟ عن كل العمد والقصد.
صورتها ومشيتها ومنديلها ورنة حذائها المتوازنة
كأنها تمشي على الأرض ملكا .
ملكت عليّ كل تفكيري، وملكتك ِأنت يا نفس أليس
كذلك ؟ قالت وروحك أيضا.
وها أنا الآن، أين أنا؟ أين أقف ؟ أنما أنت لا
تلومي كثيرا وإلا قذفتك بفنجان القهوة.
قالت لم تطلبه بعد . أنسيت ذلك أم ضيعتك الهواجس
.فقلت اسكتي اسكتي آه.
ناديت على النادل واسمه عمار الذي عرفته من سنين
طويلة وأناديه مرات ومرات ابو عامر فيضحك ثم
يهرول بإحضار فنجان القهوة. وفي هذا المساء احضر
الفنجان وسحب من خلف أذنه سيجارة. وقال لي شرفت
البلد أين كنت يا أخونا.
سنين عديدة لم أرك هل قاطعتنا؟ . خذ السيجارة ونفس
عن نفسك يا شيخ.
لم أشعل سيجارة في حياتي لكنه سارع وأشعلها ووضعها
إلى جانب الفنجان.
كيف تعلقت بها ؟ ولماذا لم تسأل عن أخلاقها. هل
كلمتها فعرفت من حديثها بعض ما يعجبك أو ما لا
يعجبك . هل زاملتها في الوظيفة ؟ هل هل هل ؟؟؟؟.
اسكتي يا خبيثة . أن حب الصبا يفرض نفسه على القلب
شاء القلب أم أبــى .
أمي على معرفة بأمها سأسألها بعدما تعود حيث ذهبت
لرعاية أختي الصغرى بعدما ولدت منذ أيام . أفهمت
ما ذا أعني؟ .
كان الدخان يعانق بخار القهوة ويدخل في حنايا
تفكيري ،حيث جعلني أنصت إلى هواجسي المتلاحقة .
أنتَ الآن على استعداد لكل التكاليف . وسوف تبحث
الأمر عند عودة أمك يا يتيم الهوى .
قرصتني نفسي من أذني وقالت لا تسبح في مناجم
النساء . إنتبه لنفسك .
أف ف فف. قالت لا تقل اف ٍولا تتلمظ . في شفاهك
شئ لا يفهم ، أليس كذلك.
ألم تقل لي دائما أن الفتاة تحتاج لخمسة رجال حين
تتزوج.
تترك أباها فليكن أبا ّبعطفه واحتوائه . تترك
أخاها فليكن أخاّ بنديته وغيرته عليها .
تترك صديقاتها فليكن شفافا معها بالسر والعلن
مثلهن. وتريد زوجا يحكم البيت برجولة عاقلة لا فظة
. وتريدك أيها الملتاع عشيقا لأنها لو شعرت منك
غير ذلك لتاهت في حياتها وتوهتك في حارات الخلاف
المتواصل .
صبري هذا الصديق كان يسبقني بسنتين دراسيتين في
الثانوية البعيدة،ولكن مدرستي كانت اقرب . أسير
إليها بعد نزولي من الحافلة مدة خمس دقائق
ومحاسن تتابع سيرها بنفس الطريق .
هل عرفت مدرستها ؟ لا لم أحاول . اكتفيت بصداقة
أمي لأمها واعتبرت ذلك مفتاح الطريق.
أين صيري الآن ؟؟
يا نفس لماذا تلحين بأسئلة سخيفة .
الناس أجناس والشيطان يسكن في الطرقات.
لا لا فالشيطان يسكن في النفوس المريضة . وليس له
بيت يسكنه مثلنا نحن البشر .
لا تزال طيب القلب أليس كذلك ؟
نعم ولكنك أنت المصابة بالشك الدائم .
وعدت إلى فنجاني وقد احترق من السيجارة نصفها ،
أخذت نفسا منها لأول مرة . أصابني سعال شديد
متكرر، دوار بسيط . عيناي دارتا في فلك جديد واسع
الزوايا منحنياته متعرجة . لم أعد أقوى على
التفكير.
شربت الرشفة الأخيرة طويلة جدا من فنجاني الذي
عاتبني وأنبني . لماذا لماذا ؟
عدت إلى البيت متثاقلا على غير عادتي .
لملمت وقتي ،حصرته مخزونا بين الآهات الحارة
الحارقة وبين رذاذ الأمل كلاهما يغزوان رأسي .
معركة دائمة بين الصفاء والضباب.
عدت وسماء نفسي بكل الألوان وغيومها ثقيلة مليئة
بالرعود . آه لو توقف رعودها وتتركني .
هربت منها إلى السرير رأسي تحت الوسادة ، جسدي
لا يطيق الدثار .
هرعت لأمي في اليوم التالي اذهبي اذهبي فقالت
هناك كلام في خطبتها من أسرة مجاورة .
صعقت وقلت أي أسرة ؟ أسرة صديقك صبري .
يا للخسارة ، يا للمصيبة .
ولم ي ولدي ؟ أرجوك كلميهم جميعا افعلي
المستحيل .
قالت والحسرة من فمها تتدفق . أهل الفتاة أي
فتاة يريدون تزويج بناتهم في السن المناسبة .
هل تريدها أن تصبح عانسا بانتظارك .
تهاوت أضلاعي وضاقت أنفــاسي . خرجت من البيت إلى
اللا معلوم .
ولكني رأيتها عائدة لبيتها . تقابلنا وجها لوجه .
أزاحت منديلها.أسفرت عن كامل وجهها وابتسمت
برفق، ثم أدارت رأسها عني ثم أعادت النظر
وابتسمت وتهادت متمايلة .(ولأل مرة تفعل ذلك
معي) لما افترقنا أعدت النظر وهي ذاهبة ولدهشتي
أعادت الالتفات إلي وتمايلت بشكل ساحر .
لم يبق بيني وبين الجنون سوى خطوات .
عدت مرة أخرى للبيت وقلت يا أمــاه إن الأمر اختلف
هذه المرة اذهبي لأمها كلميها بالهاتف .
ألمسألة ملحة وولدك ضائع ضائع يا أمـاه.
رن الهاتف فقلت من؟ قالت أنا أم محاسن هل
الوالدة موجودة ؟
أعطيت السماعة لوالدتي .التي أشارت إلي بعينيها
اهدأ اهدأ .
طال الحديث وأنا نصف منصت نصف حيران .
ابتسمت الوالدة وقالت أن أم محاسن أخبرتها بأن
الاتفاق مع أسرة صبري لم يتم لأن محاسن رفضته بشدة
.
يا سعد أيامي ! لماذا رفضته ؟ لماذا ؟ لماذا .
وقالت صاحبة القلب الذي يحيط بوجودي وحنانها يملأ
دنياي بما لا يمكن وصفه .
يا ولدي سأذهب عصر هذا اليوم مع خالتك وأستفهم
الأمر.
قلت لا لا . اخطبـيها فورا ولو طلبوا مال قارون .
وابتسمت وراحت للمطبخ وأحضرت لي فنجان قهوة وقالت
اشرب يا مدمن القهوة اصبر ولا تسبح في مدن الخيال
.
بخار هذا الفنجان ليس له تفسير ولا يحوى قاموس حبي
وصفا له.
عزفت في رشفه كأنه أغنيات الطيور وصوت رشف القهوة
في شفتي أخذني إلى البعيد غير المنظور.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com