فقدان البوصلة لتحديد
الاتجاه للخروج من هذه المتاهة اليمنية، صار قاسما
مشتركا لدى الجميع في السلطة والمعارضة، في الحراك
وفي التمرد، في المستقلين وفي الانتهازيين، في
اليسار وفي اليمين، في الشمال وفي الجنوب، بل
الأغرب هو أنه حتى اللاعبون الأقوياء على الساحة
فاقدون هم أيضا للبوصلة التي سيتحركون في ضوئها
نحو أهدافهم الدفينة في اليمن، استراتجية كانت أو
عشوائية.
حتى أدعياء الحكمة رغم
بجاحتهم غابوا هذه المرة عن ساحة التنجيم والحذلقة
التي اعتادوا إدعائها، فالجميع غدا أكثر رغبة في
تقمص مسوح الرهبان وقمصان الواعظين في اللحظة التي
لم يعد هناك مكان للوعظ فيه وإدعاء الحكمة ما لم
يقترن القول بالفعل، فقد شبع الناس خطبا ووعظا لا
يسمن ولا يغني من جوع.
مشهد ضبابي لا شك أسهم الجميع في تأجيج دخانه
وتكثيف حرائقه وفي مقدمتهم المعارضة وأحزابها التي
لم تعد تملك شرعية للوجود كحال «ضرتها» في السلطة
الفاقدة منذ زمن لآخر ما ظلت تدعيه من شرعية صورية
تمارس من خلالها لصوصية برداء القانون والدستور
والديمقراطية والوحدة.
إماميو 1962 هم إماميو 2009
وجمهوريو 62 لم يعد لهم وجود وشرفاء 62 أيضا لم
يعودوا غير ذكرى عطرة نلتقيهم في كتب التاريخ
المنسي والمدفون مع بزة الثوري المغدور علي عبد
المغني الذي قدم نفسه قربانا لدولة ربما حلم بها
ذات ليلة في المنام أو ربما قرأ عنها في جمهورية
أفلاطون أو يوتوبيا توماس مور.
الجميع اليوم يحصدون ثمار
التهريج الذي عجز عن إبداعه ثنائيا الكوميديا
الكرتوني توم وجيري، حتى إننا لم نعد نمتلك القدرة
على التميز بين الحقيقة والخيال في المشهد الماثل
أمامنا على امتداد عمر الثورة.
وطن يمضى نحو مصير مجهول
خطه محترفون في اللصوصية لكنهم بلداء وأغبياء
بدرجة غباء السناجب التي تخزن قوتها فتفقد بعدها
مكان خزنه، هي قصة لصوص الثورة عندنا يبنون الفلل
ويشيدون العمارات والأبراج ويركبون السيارات
الفارهة، ويغفلون أن الشعوب مهما نامت فإنها حتما
ستستيقظ وستخاطب كل واحد من أين لك هذا؟
ثوراتنا نحن اليمنيين كثيرة
وأعيادنا متعددة لكننا لا نعى ولا ندرك ماذا تعنى
هذه الأعياد والمناسبات غير خطاب متلفز وعرض
عسكري، وما بعدها صرف المكافأت والمستحقات وإجازات
مفتوحة ينصرف بعدها الأشاوس نحو تسوير و»شبح
البقع» والأراضي.
باختصار شديد، إنها المتاهة
التي ضعنا فيها سيرا منذ عقود بحثا عن دولة
الوظيفة لا دولة الجباية، دولة النظام والقانون لا
دولة المحدعش وثيران الهجر، دولة المواطنة
المتساوية لا دولة السادة والعبيد والقبيلي
والخادم، دولة الشعب لا دولة القبيلة، دولة
المؤسسات لا دولة الفوضى، دولة الكفاءة لا دولة
البزي وصحاب البلاد، دولة المواطن فحسب لا دولة
صاحب مطلع وصاحب منزل!!
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com