مع
التأكيد على احتفاظ النظام بملفات للفاسدين فقد
بات فتحها ومحاكمة مرتكبيها أمرا ملحا ومطلبا
شعبيا ووطنيا، وإذا لم يغادر الحديث الرسمي عن
الفساد مربع التهديد والوعيد إلى الفعل فإنه إثبات
آخر يضاف إلى قائمة الاعتراف بأن الفساد أيضا مجرد
ورقة يلوح بها النظام في وجه خصومه لابتزاز
مواقفهم السياسية.
منذ أشهر وبالتحديد قبل اتفاق فبراير هدد النظام
بفتح ملفات الفاسدين لكنه لم يفعل، والأسبوع
الماضي قالت افتتاحية صحيفة الثورة بعنوان أوباش
الفساد!: «لقد حان الوقت لمواجهة هؤلاء الفاسدين
بإحالة ملفاتهم إلى القضاء لتأخذ العدالة مجراها
وليكونوا عبرة لمن اعتبر، فيستريح الوطن من
تطاولاتهم ومزايداتهم وادعاءاتهم الباطلة المثيرة
للأعصاب». وجاء ذلك التهديد مبطنا فلم تسم الصحيفة
أشخاصاً بل تحدثت عن ممارسات قالت إن فاسدين كانوا
سببا فيها، وما لم تتبع هذا التهديد بخطوات عملية
ونسمع في الأيام القادمة عن محاكمات بالجملة فإن
السحر سينقلب على الساحر وسيكون هذا الاعتراف
بمثابة إدانة على النظام ذاته.
وحسنا فعلت «الثورة» الصحيفة بتاريخ 19 من الشهر
الجاري حين ذكرت من ضمن ملفات الفساد ما هو متصل
بتلك «الأموال التي بلغت أكثر من 80 مليون دولار
حصل عليها البعض دون وجه حق من إحدى الشركات
الألمانية التي قامت بترسيم الحدود بين اليمن
والسعودية»، وهذا الكلام يفتح ملف الحدود بين
اليمن والسعودية ويعيده إلى السطح من جديد وهو
المحاط بالغموض ويدور حوله الكثير من اللغط، كما
أنه في الوقت ذاته يؤكد صحة التكهنات التي تدور
حوله وتتعلق بصفقات من العيار الثقيل تحققت في
زوايا هذا الملف المظلم، ولذا فمن حق الشعب أن
يعرف ما الذي حصل بالضبط، وإذا كان شخص واحد كما
أوردت الصحيفة الرسمية قد حصل على 80 مليون دولار
فكم عدد الأشخاص الذين شاركوا في إنجاز اتفاقية
الحدود وعلى كم حصل كل منهم؟! كما أن الحديث عن
عمولات كبيرة ذهبت إلى جيوب المسئولين عن إنجاز
هذا الملف مجرد اتهام أم أنها حقيقة؟!
لقد أكل الفساد الأخضر واليابس ومع ذلك لم نسمع عن
محاكمة فاسد، بل إن إنشاء الهيئة الوطنية العليا
لمكافحة الفساد عام 2007 لم يحقق أي إنجاز يذكر في
الحد من الفساد وإحالة ملفاته إلى القضاء، وهذا ما
دفع د. سعد الدين بن طالب عضو الهيئة إلى تقديم
استقالته احتجاجا على تهميش دور الهيئة. .
والأدهى من ذلك أن يتم استخدام هيئة مكافحة الفساد
كسوط لجلد خصوم النظام وهو ما حذر منه الدكتور بن
طالب قبل تقديم استقالته معتبرا أن الأخطر من فشل
الهيئة هو أن تتحول أداة للقمع -حسب تعبيره في
حوار لـ»الأهالي»، ويبدو أن هذا التحول انعكس
مؤخرا على أداء الهيئة حين دخلت على ملف الإعفاء
الضريبي لشركتي الاتصالات سبأفون وإم تي إن خاصة
وأن الإعفاءات الضريبية تحمل توجيهات عليا ومرت
عبر الهيئة العامة للاستثمار، وعلى الرغم من أن
قضايا الفساد المذكورة أرشيفية ومرت عليها سنوات
إلا أن التلويح بها في هذا التوقيت ينم عن توظيف
سياسي لمثل هذه القضايا حد تعبير مراقبين سياسيين،
وإلا لماذا لم تحال هذه الملفات من قبل إلى القضاء
ويحاكم مرتكبيها؟
ويظل تجميد ملفات الفساد وعدم تفعيلها بل
واستخدامها للضغط وابتزاز المواقف السياسية دلالة
على احتفاظ النظام بملفات أخرى لأشخاص لا يزالون
يمحضونه الولاء ويمارسون السلطة، ومن المعروف أن
تقارير الجهاز المركزي للرقابة المحاسبة الذي يتبع
مباشرة مكتب رئاسة الجمهورية لا تفعل ويتم
الاحتفاظ بها لوقت الشدة.
وبناء على معلومات مؤكدة فالنظام يفتش حاليا في
الأرشيف الرسمي عن ملفات خاصة بالتجار الذين
شاركوا في اللقاء التشاوري وللأسف فصحوة الضمير
جاءت متأخرة وتطبيقها أمر يكاد يكون مستحيلاً كون
الحلول التي تعودت عليها السلطة ترقيعية وأي عملية
إصلاح حقيقية تعني بالضرورة إجراء عملية قيصرية
للنظام نفسه.
تتلخص السياسة الرسمية تجاه الفساد بمنح المسئولين
فرص النهب وممارسة الفساد ومن ثم أرشفتها للضغط
عليهم بمحتوياتها بهدف إرغامهم على الاصطفاف في
المربع المطلوب منهم وتهديدهم بفتحها وإحالتها
للقضاء كلما بدا لأحدهم موقف مغاير غير مرغوب فيه،
والنظام مطالب في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها
الوطن أكثر من أي وقت مضى بإثبات مصداقيته على
الأقل أمام مواطنيه بعيدا عن الحسابات الإقليمية
والدولية باتخاذ خطوات عملية من خلال محاكمة ولو
فاسد واحد على الأقل، وعلى حلفاء النظام أخذ
الحيطة والحذر فأرشفة ملفاتهم جار على قدم وساق،
وفي العمل السياسي لا توجد صداقة دائمة.
كما أن اتهام المعارضين بالفساد وبأن مواقفهم ردة
فعل على فقدانهم مصالحهم بعد أن لفظتهم السلطة
وخرجوا ملطخين بالفساد يعد رجما بالغيب وثغرة في
خاصرة الدولة اليمنية المباح مالها لكل ناهب
ونافذ.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com