قبل أسابيع قليلة عندما
حدثت الزلازل في العيصقرب المدينة المنورة
خرج إلينا بعض الخطباء محذرين الناس من أن هذا غضب
من اللهبسبب المعاصي مما أثار
حفيظة أهالي العيص من هذه الإساءة التي وجهت إليهم
من قبلبعض الخطباء القابعين
في بروجهم العاجية يقصفون الناس بحممهم النارية كل
جمعةويتهمون الناس بالمعاصي
والفجور مما دعا عددا من الكتاب لشن حملة صحفية
عليهم كنتأظنها رادعة لهؤلاء عن
الإساءة إلى الناس والتعدي عليهم والتعدي على الله
بتفسيرهملظواهر طبيعية على إنها
عقاب من الله الرحيم لهؤلاء الأبرياء من نساء
وأطفال وكأنالله لا يستطيع عقاب
المفسدين إلا عن طريق ابتلاء البسطاء من الناس.
لم أكنلأستغرب هذا الخطاب
الديني من جهة تكفيرية أو سلفية متشددة لكن ما
أصابني بخيبةالأمل صدوره من شخصية
كنت أظنها من المعتدلين العقلاء في مقالة نشرت في
عدة شبكاتالإخبارية تتحدث عن أن
أنفلونزا الخنازير هي عقاب من الله للبشر لأكلهم
للحومالخنازير ولا أدري ما علاقة
المرض بأكل لحم الخنزير؟!! بل وأسوأ من هذا بل
تكهنسماحته بأن هذا المرض هو من
علامات ظهور المهدي المنتظر! وأخذ يستشهد ويتأول
عددامن الأحاديث والروايات ليثبت
صحة أقواله. إنني أتساءل هل مرض جنون البقر الذي
ابتليبه الناس قبل أعوام وخسر
الكثير من الناس أموالهم وأرزاقهم هو عقاب من آلهة
الهندوسللعالم لأكلهم لحوم
الأبقار.
من يحق له أن يفسر هذا
الظواهر والكوارثالطبيعية بأنها عقاب أو
ابتلاء من الله وبأي منطق أو دليل !! وهل سكان
اندونيسياوسكان جنوب آسيا التي
تكثر فيها الزلازل والبراكين من أهل الفساد
والخطايا؟!!. أليسوا بهذا المنطق يسيئون إلى
الأبرياء الذين أصيبوا بالأوبئة والأمراضوالابتلاءات كما يسيئون
إلى أنبياء الله الذين ابتلاهم الله بفقدان البصر
كنبي اللهيعقوب أو بالبرص
والجذري كنبي الله أيوب!!. أليسوا بهذا المنطق
يسيئون إلى اللهسبحانه وتعالى ويشوهون
صورته أمام الناس ويناقضون صفاته الحسنى وهو
الرحمن الرحيمويصورونه كما صوره
اليهود حين سموه (يهوا) أي إله الحرب والجنود الذي
يبارك لهم قتلالأغيار (أي غير
اليهود) وذبح رجالهم وبقر بطون نسائهم وقتل
أطفالهم وأسقطوا علىالله صفاتهم وغرائزهم
الدنيوية البربرية السيئة.
حريق القديح 1998م
ماتزال حية فينا هذه
الفاجعة التي هزت الخليج العربي وليس القطيف فحسب
حينما تقاطرالأشقاء من كل الخليج
العربي وامتلأت القديح بالسيارات العمانية
والبحرينيةوالكويتية للمساعدة
وتأدية واجب العزاء في الضحايا الأبرياء ومواساة
أهالينا فيالقديح ومع عظم هذه
الفاجعة وبشاعتها خرج إلينا عدد كبير للأسف من هذه
الأصواتالناشزة ليقولوا بأن
هذا عقاب من الله لهؤلاء النسوة الذين يلبسون كذا
وكذا ويلبسونالعباءات المخالفة
للشرع ويفعلون كذا وكذا في الأعراس وتباروا في وصف
المعاصيوالفجور التي بزعمهم
ترتكبه النسوة في الأعراس مما أساء لمشاعر أهالي
هذه القريةالمتدينة الطيبة وإنا
لله وإنا إليه راجعون.
استغلال الفواجع لتمرير
الخطاب الدينيبالتخويف
هؤلاء لم يتورعوا عن
استغلال مشاعر الناس لتمرير خطابهمالذي بدأ يفقد بريقه مع
تصاعد الوعي لدى العامة خصوصا أن خطابهم يعتمد
اعتمادا كلياعلى التخويف
بالميتافيزيقيات للسيطرة على قطيعهم، ذلك الخطاب
المليء بالتناقضاتوازدواجية المعايير
فعندما تحل كارثة على شعب غير مسلم تجد خطابهم
ممتلئا بالشماتةوالفرح بأن هذا نصر من
الله على هؤلاء وعقاب إلهي بينما حين تقع المصيبة
في أنفسهمتجدهم يفسرونه على أنه
ابتلاء واختبار لإيمانهم ليبدل سيئاتهم حسنات. فلا
تجد عندهمأي معيار ولن تجد عندهم
ذلك فهذا من علم الله وحده ولا يحق لأحد أن يتجرأ
ويفسر أيقضاء لله تفسيرا يخدم
مصالحه واتجاهاته الفكرية.
دعوة إلىالمراجعة
أدعو هؤلاء الخطباء
ليراجعوا أنفسهم وليراجعوا خطابهمبما يناسب هذا العصر
فالجمهور الآن ليس كجمهورهم في القرن الماضي انه
جمهور مراجعةونقد ذاتي، إنه جمهور
واع في زمن الانترنت والعلوم الحديثة فيجب عليهم
احترام عقلهذا الجمهور. إنهم
يقرأون ويسمعون ويشاهدون وليسوا من سكان الكهوف
المظلمة والله منوراء القصد.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com