ما زلنا نذكر بهجة الأعياد والاحتفال بها يوم كان
البال هادياً والناس ينعمون بالعيش في ديارهم
والشمل ملتئم، وكيف كانت الاستعدادات تجري
لاستقبال العيد، والأغاني والدبكات المرافقة
للعيد، البهجة تتواكب مع الظروف الطبيعيّة، للناس
الهانئين الوادعين في أوطانهم، حيث يرتاد الناس
الأسواق للتسوّق وشراء الملابس والأغراض والسكاكر
والفواكه، وتشمّ رائحة الكعك والمعمول التي تفوح
من البيوت في الليالي التي تسبق العيد، في الظروف
الطبيعيّة تنشط الأمهات والأخوات في إحداث لمسة
تحديث وترتيب للبيوت، والتخلّص ممّا هو خلق وتدهن
البيوت وتمسح الحيطان، وتشطف الشوارع وأدراج
الأبنية، وتزدحم صالونات الحلاقة، في الظروف
الطبيعيّة ترتفع التكبيرات من المساجد ويبكر
الرجال لصلاة العيد في الساحات الواسعة، وينطلق
الأطفال بثيابهم الجديدة برفقة الكبار إلى الملاهي
والأراجيح يقضون سحابة يومهم، وتعلو أصوات الباعة
بأنغام مختلفة، ويسعى الكبار والصغار إلى غشيان
الأقارب والأصدقاء ويحرصون على صلة الرحم ولو
كلّفهم ذلك شدّ الرحال لمسافات بعيدة، في الظروف
الطبيعة تكتسي المدينة والقرية والبادية بمعالم
العيد.
أمّا اليوم فلسان حالنا كما قال المتنبّي:
عيد بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ بما مضى أم لأمرٍ فيه تجديدُ
والقلوب المثقلة بمشاعر الحزن والألم تعكّر صفو العيد، وتنعكس على
تصرفات الكبار وتفكيرهم، ويتأثر بها الأطفال
والصغار، فهم دائمو التعلّق بالتلفاز ولا يفارق
الوجوم وجوههم، لا يفرحون كما يفرح الأطفال ولا
ينسون الهول والمأساة، ولعلّ من هو تحت المعاناة
أهون وأريح بالاً ممن يكون بعيداً منها، الوجوه
متعبة مرهقة ترتسم عليها كلّ ما يتعرّض له
الفلسطينيّ من عناء وضيم وإرهاق، لقد ظنّ الكثيرون
أنّ مشاهدة المناظر المرهقة صباح مساء وعلى مرّ
الأيام والشهور والسنين ستجعل المشاهد يعتاد هذه
المناظر المأساويّة ويألفها وكأنّها تمثيليّة أو
مسرحيّة وليست حقيقيّة، وبإمكانه أن يتناول عشاءه
وكأنّه يشاهد فلماً لا شيئاً حقيقيّاً، ولكنّها
تتراكم وتشحن المرء وتنكأ الجروح، يمرّ رمضان و
يأتي العيد ومئات آلاف المؤمنين الفلسطينيين
عيونهم على الأقصى ليكسبوا ثواب الصلاة فيه، لكن
حواجز المحتلين العسكرية وجدران التوسع الاحتلالي
تحول دون وصولهم للمسجد الأسير، فدخول القدس لمن
هم خارجها في شهر رمضان فقط لمن هم فوق الخمسين من
الذكور والخامسة والاربعين من الاناث، وفي الأشهر
الأخرى المنع على الجميع ، هذه هي قوانين المحتل
التي يطبقها بقوة السلاح ، يأتي العيد و المقدسيون
قد سلموا وجوههم للعراء ، المدينة تقتضم كفطيرة
العيد منزل ورا منزل و شارع ورا شارع ، و التنكيل
على الحواجز مستمر ، فكم هي قاسية عندما ترى منزل
عمرك الذي جنيته بكل تعب الدنيا يهدم و هو من عدة
طبقات أمامك ، فهم واهمون الذين ظنّوا أنّهم
بقسوتهم وعسفهم وطغيانهم سيروّضون الإنسان
الفلسطينيّ، ويطبّعونه ويجعلونه يذعن ويستكين
ويرضى بالأمر الواقع، ونسوا أو جهلوا بأنّهم
يؤجّجون الحفيظة ويثيرون الحماسة والحميّة لأجيال
قادمة، إنّهم أحالوا ألعاب الأطفال إلى مسدسات
وبنادق ودمى عسكريّة، لقد أوهموا شعبهم وأصدقاءهم
بأنّهم أوشكوا على الوصول إلى نهاية المطاف،
وأنّهم عمّا قريب سينعمون بالأمن والطمأنينة،
ولكنّ الإنسان الفلسطينيّ لا ينسى بل تحتفظ ذاكرته
بكلّ التفاصيل الدقيقة، وترتسم في مخيّلته شجرة
الزيتون والنخلة والدالية والبيت، إنّ هذا الإنسان
لا يُلام إن بدت على وجهه الكآبة، وهم يقلعون
الزيتون والنخيل و عرائش العنب ويهدمون البيوت،
فما بالكم بهؤلاء الأطفال الذين يرون منازلهم التي
أحالتها المتفجرات والجرّافات إلى أكوام من تراب
وكرومهم التي غدت هشيماً بلقعا، وكيف وهم يكرهون
على الخروج من منازلهم في البرد القارس تاركين
ملابسهم وكتبهم ودفاترهم.
إذن العيد بالنسبة للفلسطينيّ مختلف، ففي الداخل الحصار والقهر والقتل
المفاجئ وأصحاب البيوت المهدّمة والبيوت المهدّدة،
وقلّة ذات اليد والفقر المدقع، وحظر التجوّل
والسعي الحثيث لزيارة السجين والمحتجز والموقوف
والمحكوم، بذل المساعي لزيارة القبور، الكآبة التي
ترتسم على الوجوه، والوجوم الذي يصبغ السحن،
والصور المعلّقة على الجدران، والرسائل في
الألبومات والملابس المعلّقة على المسامير وقد
علاها الغبار، ومحاولات الاتصال بالأقارب بالهاتف
والحديث بتحفّظ والأسعار الباهظة، وازدحام الشبكات
وانقطاع المكالمات وتشويش الخطوط وعدم التمكّن من
إجراء المخابرات في برهة العيد.
أما خارج الوطن فظلم ذوي القربى أشدّ وطأة على النفس، فالشقيق لا يمكنه
المشاركة في جنازة شقيقه والرجل الهرم يموت دون أن
يتمكن ابنه أو بنته من الوصول إليه، والسجون تعجّ
بالمظلومين، والجواز يسحب من صاحبه، وتأشيرة
الدولة لا تحترم، والقيام بأداء المناسك مستحيل،
والجواز لا يجدّد، والشرطيّ يلحس ختمه، ولا يتمكن
المرء من الرجوع إلى بيته أو مشاركة أهله العيد
إذا ما أسعفه الحظّ في الحصول على فرصة عمل في بلد
ناء، والفلسطينيّ دمه مباح كدم الغزال خارج الأشهر
الحرم، وهو مستثنى من كلّ الأنظمة والقوانين
والتسهيلات المعمول بها، ويستكثر عليه الهواء الذي
يستنشقه، ويعامله الأشقّاء كغرائب الإبل .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com