|
نفحات
قدسية لمشاهد من نور
قسورة
الساعدي
من حياة الإمام (عليه
السَّلام):
إذا ضــــــامك
الـــدهر يوماً وجارا فلذ بـــــحمى
أمـــــنع الخـلق جارا
عــــــــليّ
العــــــــلى وصفو النبي وغيث
الــــورى وغـوث الحيارى
ما أكثر العظماء الذين
طوى التاريخ ذكرهم، بالرغم مما كان
لهم من عظمة، وما بقي لأحد منهم ما
بقي للقادة الروحيين من ولاء في
الحياة كالإمام علي بن أبي طالب (عليه
السَّلام)، التلميذ الأول للرسول
القائد. فقد كان دوره
(عليه
السَّلام) في السنين الخمس الأخيرة من
حياته (عليه السَّلام) من 35 إلى 40
يمثل الروح الإنسانية، ويجسد واقع
الإسلام في تطبيق مبادئ العدالة التي
بشر بها الرسول الأعظم، وكفاه (عليه
السَّلام) أنه ودَّع هذه الدنيا، ولم
يتخذ من الخلافة مغنماً ولا متجراً.
حينما نجد من في عصره استملكوا خططاً
في الأمصار ورقاباً وأموالاً، يقول في
هذا الصدد جبران خليل جبران وهو عربي
مسيحي: (مات الإمام علي بن أبي طالب
شهيد عظمته، مات والصلاة بين شفتيه،
مات وفي قلبه الشوق إلى ربه، ولم يعرف
العرب حقيقة مقامه ومقداره، مات قبل
أن يبلغ العالم رسالته).
لقد فصلت
ترجمة الإمام (عليه السَّلام): في
كتاب لمحات عن أهل البيت فطالب
التفصيل يرجع إليه، والآن نود أن نشير
إلى لمحة من تاريخ مرقده الشريف.
النجف
الأشرف:

هي المدينة المقدسة
الأولى في العراق تبعد عن كربلاء 75
كم، وبها مرقد الإمام
(عليه
السَّلام) وكانت الخلافة العباسية
تعتني بها في بدء سلطتها، كما يروي
ابن شهر آشوب في (المناقب): أن
المنصور العباسي قال للإمام الصادق
(عليه
السَّلام): قد استدعاك أبو مسلم
لإظهار تربة عليّ فتوقفت، تعلم أم لا؟
فقال الإمام (عليه السَّلام): إن في
كتاب عليّ أنه يظهر في أيام عبد الله
أبي جعفر الهاشمي، ففرح المنصور بذلك،
ثم إنه (عليه السَّلام) أظهر التربة
فأخبر المنصور وهو في الرصافة فقال:
(هو الصادق فليزر المؤمن بعد هذا إن
شاء الله)، وفي هذه الفترة أعني فترة
انتقال الحكم من الأمويين إلى
العباسيين، كان بالإمكان التوافد
لزيارة الإمام (عليه السَّلام)، ورويت
أحاديث كثيرة في فضل زيارته عن الأئمة
خاصة الإمام الصادق (عليه السَّلام)
منها قوله:
(من زار أمير المؤمنين (عليه
السَّلام) عارفاً بحقه غير متجبر ولا
متكبر، كتب الله له أجر مئة ألف شهيد،
وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما
تأخر، وبعث من الآمنين، وهون عليه
الحساب) وقال (عليه السَّلام): (من
زار جدي عارفاً بحقه، كتب الله له بكل
خطوة حجة مقبولة، وعمرة مبرورة).
والنجف
اليوم هي الحوزة العلمية للشيعة
الإمامية قاطبة في العالم منذ عهد
بعيد، وكان لهجرة الشيخ الطوسي في سنة
449 هـ إلى النجف أثر كبير في تهافت
طلاب العلم إليها.
من تاريخ
المزار:

قال الحسين بن الحجاج
المتوفى سنة 391 هـ:
يـــــا صاحب القبة
البيضا على النجف من زار قبرك
واستــشفى لديك شــفي
في سنة 170 عمّر
المرقد هارون الرشيد كما جاء في (فرحة
الغري) ص103، قال ابن الطحال أن
الرشيد بنى على قبر عليّ بنياناً بآجر
أبيض أصغر من الضريح من كل جانب
بذراع، ولما كشفنا الضريح الشريف،
ووجدناه مبنياً عليه تربة وجص، أمر
الرشيد أن يبنى عليه قبة، فبنيت من
طين أحمر وطرح على رأسها جرة خضراء
وهي في الخزانة اليوم.
وفي القرن
الثالث جدَّد البناء محمد بن زيد
الداعي المتوفى سنة 287 هـ، وفي القرن
الرابع جدد البناء عمر بن يحيى القائم
المتوفى سنة 350 هـ، وفي سنة
338
هـ، جدد البناء
عضد الدولة البويهي المتوفى سنة
372هـ، وفي سنة 760 هـ جددها السلطان
أويس بن حسن الجلائري، وفي سنة 1047
هـ جددها الشاه صفي الصفوي، وفي سنة
1155 هـ، سافر نادر شاه إلى العتبات
وأمر بتعمير مرقد الإمام، كما وأمر
بأن تطلى القبة بالذهب.
وأرخ ذلك
السيد نصرالله الحائري، الشاعر
الكربلائي المتوفى سنة 1156 هـ بقوله:
لهــــــــا الآي
تـــتلى وتحي العلوم فيشفي غلـــــيل
القــلوب الحيارى
هــــــي الــــــنار
الــــــكريم التـــي عليها
الهــــــدى قـــد تبدى جهارا
تــــــبدى
سنــــــاها عيـــــاناً وقــل
أنــــــست مـن جانب الطوري نارا
وفي سنة 1204 هـ، جرى
تجديد شباك ضريح الإمام (عليه
السَّلام) من الفضة أرسله محمد خان بن
حسن خان القاجاري مؤسس الدولة
القاجارية. وفي سنة 1217 هـ، كانت
العناية بالغة بتشييد سور محيط بالبلد
لغرض صدّ هجمات الوهابيين، ولا تزال
آثار هذا السور باقية حتى اليوم سنة
1385 وفي سنة 1220 هاجم آل سعود
النجدي الوهابي، وأغاروا على النجف
وكربلاء ونهبوا الأموال وسبوا النساء.
وفي سنة
1361 هـ جددت طائفة البهرة
الإسماعيلية ضريح الإمام (عليه
السَّلام) بالفضة، ولا يزال موجوداً
اليوم، وفي سنة 1373 هـ، الثامن من
شعبان تمّ افتتاح الباب الذهبي الذي
أُهدي من قبل التاجر الإيراني الحاج
محمد تقي اتفاق بمسعى السيد محمد
كلانتر، وأرخه الشاعر محمد علي
اليعقوبي بقوله:
بــــــنى مــــا
الــدهر عفى كل باب فـــــهذا
البـــــــاب باقٍ ليس يعفى
ولا
يــــــبــــــــقى مـــع التاريخ إلا
عليّ الـــــدر والــــذهب المــصفى
وفي سنة 1391 هـ، قام
التاجر العراقي محمد رشاد ميرزا
بتذهيب قبة أمير المؤمنين (عليه
السَّلام) وقد بلغ عدد الصفائح 8787
قطعة.
وكانت
النجف ولا تزال تؤمها زرافات الوفود
والزوّار والرحالة وقد وصفها الرحالة
قديماً كابن جبير المتوفى سنة 580 هـ،
والهروي في (الإشارات في معرفة
الزيارات)، وابن بطوطة، ومما قاله ابن
بطوطة في وصفها قوله: (وفي وسط القبة
مصطبة مربعة مكسوة بالذهب عليها صفائح
الذهب الملطوشة محكمة العمل مسمرة
بمسامير الفضة قد غلبت على الخشب،
بحيث لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون
القامة، وفوقها ثلاثة من القبور أحدها
قبر آدم والثاني قبر نوح، والثالث قبر
عليّ. وبين القبور حسوة ذهب وفضة فيها
ماء الورد والمسك وإفراغ طيب يغمس
الزائر يده من ذلك ويدهن به وجهه
تبركاً.
ووصفها عبد
الوهاب عزام في رحلته عام 1349 هـ
قائلاً: (دخلنا إلى المشهد العظيم
فأطفنا به في عشية من خلال الموقف
ورهبة الذكرى، ولم تمنعني روعة المقام
من النظر إلى القبة الهائلة الأبصار
في الحلل والبلور والذهب.
ضواحي
النجف:
1 - وادي
السَّلام: وهي مقبرة عامة تقع في شمال
المدينة تنقل إليها أموات الشيعة من
مختلف الأنحاء، وفيها مراقد كثير من
العلماء وفيها مرقد ينسب للنبي هود،
وصالح، قال في مراقد المعارف:
(مرقدهما
في الغربي بوادي السلام، خلف سور
المدينة في الشمال الشرقي في حرم واحد
عليه قبة متوسطة... وكان على هذا
المرقد صخرة حمراء قديمة طولها ذراع
يد وأصابع، وعرضها شبر، كتب بالخط
الكوفي تصرح بأن هذا المرقد هو مرقد
هود وصالح.
.... أول
من وضع على قبريهما صندوقاً من الخشب
هو العالم الرباني السيد محمد مهدي
بحر العلوم ونذرت الملا حفيرة حرم
الملا يوسف بن الملا سليمان المتوفى
سنة 1270 هـ، نقيب وخازن مرقد علي بن
أبي طالب (عليه السَّلام)،
إذا رزقهما الله تعالى ولداً تبني على
قبريهما قبة...
وبنيت
عليهما قبة من آجر صغيرة.
وفي سنة
1333 هـ لما حاصر الإنكليز مدينة
النجف أربعين يوماً - وهو الحصار
الكبير - هدموا مرقدي هود وصالح
عليهما السَّلام بل وكثير من البقاع
المشرفة عبثوا بها، وعندما ارتفع حصار
النجف خرجنا إلى قبريهما عليهما
السَّلام، فوجدناهما ربوة من آجر
والصخرة المذكورة مفقودة ولما جاءت سر
وكالة الهنود إلى النجف زائرة رممت
قبري هود وصالح ومسجد الحنانة وقبر
كميل بن زياد النخعي في الثوية.
2 -
الحنانة... في رواية أن رأس الإمام
الحسين (عليه السَّلام) وضع في المكان
المعروف اليوم بالحنانة بعد واقعة
الطف، والعودة بأهله إلى الكوفة، وقد
أنشئ في المكان مسجد جدد بناؤه
حديثاً. وهذا على ما هو المشهور. وقد
فصلت في المعجم بأنها جبانة لا حنانة
فليراجع.
وجاء في
المراقد (كان في الثوية قديماً قبل
الإسلام بناء يسمى القائم مروا عليه
بنعش بطل الإسلام المسلم الأول علي بن
أبي طالب أمير المؤمنين (عليه
السَّلام)، فانحنى ومال جزعاً فسمي
(القائم المنحني) وورد أيضاً أنه يسمى
(القائم
المائل) وقد عرفت هذه البقيعة بعد
(بالحنانة) وفيها مسجد يعرف بمسجد
الحنانة ويقرأ فيه الدعاء المأثور،
وفي هذا الموضع أنزلوا السبايا كرائم
الوحي آل بيت رسول الله (صلّى الله
عليه وآله)، عيالات الحسين (عليه
السَّلام) بعد شهادته في كربلاء 10
محرم الحرام سنة 61 هـ لكي يأخذ ابن
زياد الأثيم، الحيطة لنفسه من
الكوفيين ويستعد خوف النهوض عليه
عاجلاً حتى يطوفوا بعيال الحسين (عليه
السَّلام) سبايا، وروي أن حملة الرؤوس
أبقوا رأس الحسين (عليه السَّلام)
ورؤوس أهل بيته وأصحابه البررة في
الثوية فحنت الأرض جزعاً بأن سمع
عليها صوت وحنين وحنت السبايا أيضاً
جزعاً ومأساة، مما صنع بالرؤوس، ومن
هنا سميت هذه البقعة بالحنانة، ثم
حملت الرؤوس على أطراف الرماح أمام
السبايا إلى الكوفة طيف بها سكك
الكوفة وشوارعها.
3 - كميل
بن زياد النخعي: صاحب أمير المؤمنين
(عليه السَّلام) الذي علمه الدعاء
المعروف بدعاء كميل قتله الحجاج سنة
82 هـ.
وفي
المراقد (2/219): مرقده في الثوية
عليه قبة بيضاء صغيرة على تل عالٍ من
الأرض في الصحراء على نحو ميل واحد عن
سور مدينة النجف الأشرف، واليوم مرقده
معروف بين الكوفة والنجف، ويحيط به
مسجد كبير جدده السيد محمد كلانتر
وكان كميل قد شهد مع علي صفين، وكان
شريفاً مطاعاً في قومه، وكان ثقة قليل
الحديث قتله الحجاج، وقال المدائني هو
من عبّاد أهل الكوفة، وكان من صحابة
علي أمير المؤمنين وشيعته، وقد ولاه
علي (عليه السَّلام) على مدينة هيت
وما والاها.
قال المفيد
في الإرشاد: إنه روى جرير عن المغيرة
قال: لما ولي الحجاج لعنه الله طلب
كميل بن زياد فهرب منه، فحرم قومه
عطاءهم، فلما رأى ذلك كميل، قال: أنا
شيخ كبير وقد نفذ عمري ولا ينبغي أن
أحرم قومي عطاءهم، فخرج فدفع بيده إلى
الحجاج، فلما رآه، قال له: لقد كنت
أحب أن أجد عليك سبيلاً، فقال له
كميل: لا تصرف على أنيابك - إلى قوله
- ولقد أخبرني أمير المؤمنين أنك
قاتلي، قال: الحجة إذن عليك، فقال
كميل: ذاك إذا كان القضاء إليك، قال:
بلى،
اضربوا عنقه.
مسجد الكوفة

كانت الكوفة صحراء
واختار الصحابيان سلمان الفارسي
وحذيفة اليماني، موقعها سنة
17
للجيش الإسلامي
أيام خلافة عمر بن الخطاب لذلك سميت
(كوفة الجند)، أي مجمع الجيش وبنيت
سنة 22 بالآجر في عهد ولاية المغيرة
بن شعبة على سبعة محلات لكل قبيلة،
واتخذها الإمام علي (عليه السَّلام)
سنة 36 هـ بعد معركة الجمل عاصمة
للخلافة الإسلامية واتجهت إليها
الأنظار من العالم الإسلامي، وأصبحت
مدينة علمية وتجارية في عهده (عليه
السَّلام)، حتى قامت الخلافة العباسية
سنة 132 هـ فاتخذوا الهاشمية لهم، ثم
بغداد، فذبلت نظارة الكوفة حتى سنة
580 هـ حيث استولى عليها الخراب كما
يقول الرحالة ابن جبير بعد أن كانت
كلمة (الكوفة) تعني مناطق شاسعة.
وهو من
أشهر المساجد (وكان أول من أسس في
مدينة الكوفة مسجدها الجامع ودار
الإمارة) وذلك عام 17 هـ، وهو مربع
الشكل تقريباً 110 سم.

ويتسع لأربعين ألف
مصلٍّ من المسلمين، يتوسط صحنه بقعة
منخفضة ينزل إليها بسلم وتسمى
(السفينة)، والمشهور بين العامة وهي
شهرة باطلة، إنها الموقع الذي صنعت
فيه سفينة نوح، أو رست فيه مع أن
السفينة هي أرض المسجد الأولى، وقد طم
جميع مساحة المسجد ما عدا هذا الموضع
لمعرفة العمق السابق.
قال الشيخ
حرز الدين في المراقد (2 - 308) ما
نصه:
(صارت أرض
المسجد تنز ماء عند تحكم مجرى الفرات
على مقربة منه، فطم السيد مهدي بحر
العلوم، المحاريب بالتراب الجديد
الطاهر وبنى على أُسسه القديمة محاريب
كما هي الآن، وكما طم الغرف
والأُسطوانات القديمة المزدانة
بالأعمدة الرخامية التي منها شاخص
الزوال المنصوب، في مقام النبي (صلّى
الله عليه وآله) الأعلى في وسط المسجد
وكان مدخل مقام النبي (صلّى الله عليه
وآله) القديم الأسفل في محوطة بيت نوح
(عليه السَّلام) المعروف اليوم
بالسفينة).
وفي فضل
المسجد رويت أحاديث كثيرة:
عن الإمام
الباقر (عليه السَّلام):
(صلاة في
مسجد الكوفة، الفريضة تعدل حجة مقبولة
والتطوع فيه تعدل عمرة مقبولة).
وعن أبي
جعفر (عليه السَّلام): (مسجد كوفان
روضة من رياض الجنة، صلّى فيه ألف نبي
وسبعون).
وقال
الإمام علي (عليه السَّلام): النافلة
في هذا المسجد تعدل عمرة مع النبي
(صلّى
الله عليه وآله)، والفريضة تعدل حجة
مع النبي (صلّى الله عليه وآله)، وقد
صلّى فيه ألف نبي ووصي.
وعن رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) لما أُسري
به إلى السماء قال له جبرائيل:
أتدري أين
أنت يا محمد؟ أنت الساعة مقابل مسجد
كوفان، قال: فاستأذن لي أُصلي فيه
ركعتين، فنزل فصلّى فيه، وإن مقدمه
كروضة من رياض الجنة وإن وسطه وميمنته
وميسرته كروضة من رياض الجنة وإن وسطه
كروضة من رياض الجنة، وإن مؤخره كروضة
من رياض الجنة، والصلاة فيه فريضة
تعدل بألف صلاة والنافلة فيه بخمسمائة
صلاة.
وإليك لمحة
عن المزارات والأعمال فيها:
1 - مقام
أمير المؤمنين (عليه السَّلام):
يحيط
بالمسجد عدد كبير من الغرف أوسعها ما
في القبلة وفيه المحراب الذي كان يصلي
فيه الإمام (عليه السَّلام) وفيها
استشهد (عليه السَّلام) ومن هنا سمي
بالمقام لأنه (عليه السَّلام) كان
يقيم صلاته فيه، وكان بجنب المحراب
باب يمر إلى قصر الإمارة التي لا تزال
إطلاله ماثلة اليوم وينتهي إلى بيت
الإمام (عليه السَّلام) وهو قريب من
دار الإمارة على بعد 85 متراً ولا
يزال البيت موجوداً وعليه قبة خضراء
وهذا المحراب يتعاهده المؤمنون
بالتبرك، وقد قام سلطان البهرة أخيراً
1974م بنصب شباك من الفضة والذهب عليه.
2 - من
أعمال المسجد:
صلاة
ركعتين في وسط المسجد المعروف بمقام
الرسول (صلّى الله عليه وآله) لقضاء
الحاجة تقرأ في الركعة الأولى: (قل هو
الله) وفي الثانية: (قل يا أيها
الكافرون) وبعد الصَّلاة: (تسبيحة
الزهراء عليها السَّلام)، وتقول:
(اللَّهُمَّ
أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ
السَّلاَمُ وَإِليْكَ يَعُودُ
السَّلامُ وَدارُكَ دَارُ السَّلامِ
حَيّنا رَبَّنا مِنْكَ بالسَّلام،
اللَّهُمَّ إِني صَلّيْتُ هَذِهِ
الصَّلاةُ إِبْتِغَاءَ رَحْمَتِكَ
وَرضْوَانِكَ وَمَغْفِرَتِكَ
وَتَعْظيْماً لِمَسْجِدِكَ، اللَّهُمْ
فَصَلِّ عَلى مُحَمْدٍ وَآلِ مُحَمّد،
وَارْفَعْها فِي عِليّين وَتَقَبّلها
مِنّي يا أَرْحَمَ الرّاحِمِيْنَ).
3 - مرقد
مسلم بن عقيل:
مسلم بن
عقيل أول الشهداء، أرسله الحسين (عليه
السَّلام) سفيراً له إلى الكوفة،
للتأكد من حقيقة الوضع الذي صورته
رسائل الكوفة إليه، وأخذ البيعة له
فقتل وهاني بن عروة في يوم عرفة،
وإليك لمحة عن حياته (عليه السَّلام):

كتب أهل الكوفة إلى
الإمام الحسين يستدعونه لمقدمهم وكان
فيما كتبوا:
(أما بعد
فقد أخضر الجناب وأينعت الثمار، فإذا
قدمت فأقبل على جند لك مجنَّدة).
وقد أرسل
الحسين (عليه السَّلام) ابن عمه
مسلماً سفيراً وأرسل كتاباً نصه:
(بسم الله
الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى
الملأ المؤمنين أما بعد فإن هانياً
وسعيداً قدما علي بكتبكم، وآخر من قدم
علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي قصصتم
وذكرتم ومقالة جلكم، أنه ليس علينا
إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على
الحق والهدى، وإني باعث إليكم أخي
وابن عمي، وثقتي من أهل بيتي مسلم بن
عقيل المفضل من أهل بيتي، وأمرته أن
يكتب إلي بما لكم وأمركم ورأيكم، فإن
كتب إليّ أنه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي
الفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم
أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله...).
ولما وصل
مسلم الكوفة نزل في دار المختار بن
أبي عبيدة الثقفي وتوافدت الشيعة عليه
وقرأ مسلم عليهم كتاب الحسين فبايعوه،
حتى بلغوا مائة وخمسة وعشرين ألف رجل
فكتب مسلم إلى الحسين (عليه السَّلام):
(أما بعد
فإن الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني
من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجل
الإقبال حين يأتيك كتابي فإن الناس
كلهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي
ولا هوى والسَّلام).
ومن جانب
آخر دخل ابن زياد متلبساً بلباس علوي
حتى ظن الناس أنه الإمام الحسين،
وحينما دخل قصر الإمارة عرفوه ومن
أعلى القصر هدّد الناس بجيوش الشام،
وبث أنواع الدعايات حتى تفرق الناس
وفتش عن أصحاب مسلم، وكان ينتقل مسلم
من دار لدار حتى استقر في دار هاني بن
عروة، وابن زياد طلب هاني وضربه
بالسوط حتى هشم أنفه وسجنه ولم يكن مع
ابن زياد من شرطته سوى خمسين رجلاً
كما في الكامل لابن الأثير 3/271،
ومروح الذهب 3 - 67.
ولكن
دعاياتهم القوية أثرت في أهل الكوفة،
وتفرقوا عنه ولم يبقَ إلا ثلاثين
رجلاً ولما صار المغرب دخل مسلم
المسجد للصلاة فما أن أكملها وإذا هم
قد تفرقوا وخرج مسلم، وهو الغريب عن
البلد لا يعرف مصيره ولا مسيره وانتهى
إلى دار امرأة تسمى (طوعة) كانت تنتظر
رجوع ولدها (بلال) فسلّم مسلم عليها
وطلب الماء فسقته وجلس، فقالت: يا عبد
الله ألم تشرب الماء قال: بلى، قالت:
فاذهب إلى أهلك.
قالت له
طوعة ثلاثاً، فلم يبرح من مكانه.
قالت طوعة:
يا سبحان الله إني لا أُحل لك الجلوس
على باب داري.
قال مسلم:
ليس لي في هذا المصر منزل، ولا عشيرة
فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي أُكافئك
بعد اليوم، قالت: ما ذاك؟ قال: مسلم
أنا مسلم بن عقيل، دعاني هؤلاء القوم
وغروني.
قالت طوعة:
ادخل فأدخلته بيتاً في دارها وعرضت
عليه العشاء فلم يأكل، ولما جاء ابنها
رآها تكثر من الدخول في ذلك البيت
سألها ولم تخبره ولما ألح عليها أخذت
عليه الأيمان وأخبرته ولكنه لما أصبح،
ذهب إلى محمد بن الأشعث فأخبره ومضيا
إلى ابن زياد وأخبراه، فأرسل ابن زياد
خمسين رجلاً للقبض عليه، ولما سمع
مسلم حوافر الخيل خرج من الدار
وقاتلهم قتالاً شديداً فأمدّهم ابن
زياد برجال آخرين.
وكان مسلم
يحارب - كما يحكي عمرو بن زياد - مثل
الأسد وكان يأخذ الرجل ويرمي به فوق
البيت وهو يقول:
أقســــــمت أن لا
أقــــــتل إلاّ حــرا وإن رأيت
المــــــوت شــــيئاً نكرا
كـــــل امــــــرئ
يـــوماً ملاقٍ شرا أو يخــــــلـط
البـــــارد ســخناً مرا
وقتل منهم خلقاً
كثيراً وهم كانوا يصوبون إليه النبال
ورضخ الحجارة والحطب بالنار من البيوت
حتى اثخن بالجراح وعجز عن القتال
فأسند ظهره إلى حائط فتقدم محمد بن
الأشعث قائلاً:
(لك الأمان
يا فتى لا تقتل نفسك إنك لا تكذب ولا
تخدع، ولا تغر إن القوم بنو عمك
وليسوا بقاتليك)، ولكنه لم يلتفت إلى
وعودهم التي يعلم كذبها حتى حفروا
حفيرة في طريقه وغطوها بالحصير
والتراب فوقع فيها.
مرقد
الشريف:

مجاور لجدار مسجد
الكوفة من جهة الشرق، وكانت تعلو
الشباك الذي يحيط القبر قبّة عالية
مغطاة بالكاشي من الخارج وقد جدد بناء
الحرم أخيراً، حيث شرع في التجديد،
والتوسع عام 1965م، إذ وسع الرواق
المحيط بالضريح كما تم توسيع جوانبه
الأخرى.
وقد تم
زخرفة الجدران الداخلية للحرم والقبة
بالمرايا.
وقامت
الأوقاف بتوسيع الصحن الممتد بين ضريح
مسلم بن عقيل وقبر هاني بن عروة،
وبناء أروقة فيه، وذلك عام 1960 م
فتكون للمرقدين سوراً.

جاء في رحلة ثيبور أنه
علم من الكتابة التي كانت منقوشة على
البناء المشيد فوق قبري مسلم بن عقيل،
وهاني بن عروة أن محمد بن محمود
الرازي وأبا المحاسن ابن أحمد
الشيرازي هما اللذان شيداه سنة 681 هـ.
وذكر أن
السيدة عادلة خاتون بنت أحمد باشا ابن
الحاج حسن باشا وزوجة الوالي سلمان
باشا شيدت جدران مسجد الكوفة من ناحية
الشمال الغربي على نفقتها الخاصة.
جاء في
(المراقد 2/309): (أرانا رئيس السدنة
الشيخ طعمة الكوفي أنقاض شباك آخر
لقبره (عليه السَّلام) يعود تاريخ
صنعه إلى سنة 1055 هـ، وكانت المرأة
الجليلة أُم آغا خان قد تبرعت به كما
جاء على أحد جوانب الشباك)، انتهى
ملخصاً.
وجدد الحرم
النواب حافظ محمد عبد الحي خان في
ربيع الأول 1232 هـ وجاء تاريخ فراغها
في أبيات شعر آخرها:
(هي باب
حطة فادخلوها سجداً). 1232هـ.
وقد أمر
السيد الحكيم، بصنع شباك للعباس،
ومسلم والقاسم بن موسى بن جعفر ومقام
الإمام أمير المؤمنين في مسجد الكوفة.
وقد أرخ
ذلك السيد محمد جمال الهاشمي:
زر مــــــسلماً إن
كـنت حقاً مسلماً فالـــــــدين
والإيــــمان فيه تجسما
جــــــاء الحـــــكيم
بـــه إليك مقدماً فــــــيه
بـــــــياناً للـعواطف محكما
وفي عام 1384 هـ قام
الحاج محمد رشاد مرزه بتجديد بناء
المرقد والصحن.
وفي سنة
1387 هـ قام الحاج محمد حسين رفيعي
البهبهاني الكويتي، بتذهيب القبة بأمر
السيد الحكيم أيضاً، وقد أرخه السيد
موسى بحر العلوم في قصيدة منها:
أمــــر الحـــكيم بها
ومحكمة القضا بخـــــلاف مـــا يقضي
به لم تحكم
وجــــــرى (محــــمد
الرفيع) لغاية تــــــنحط عـــــنها
سـاميات الأنجم
مـــــن شـمس أنوار
الولاية أرخوا (كـــــالبدر أشـرق نور
قبة مسلم)
1391
هـ
4
-
المختار الثقفي:
خص الأميني (2 - 343) المختار بترجمة
فريدة، ومما جاء فيها: (إن المختار في
الطليعة من رجالات الدين والهدى
والإخلاص، وأن نهضته الكريمة لم تكن
إلا لإقامة العدل باستئصال الملحدين
واجتياح الظلم الأموي، وأنه يتهم،
بالمذهب الكيساني وأن كل ما نبذوه به
من قذائف وطامات لا مقبل لها من مستوى
الحق والصدق، ولذلك ترحم عليه الأئمة
الهداة سادتنا السجاد، والباقر،
والصادق (عليهم السَّلام)، وبالغ في
الثناء عليه الإمام الباقر
(عليه
السَّلام)، ولم يزل مشكوراً عند أهل
البيت الطاهر هو وأعماله...)،
وذكر إحدى وعشرين مصدراً أُلف في خصوص
أخبار المختار أولها: أخذ الثأر للوط
بن يحيى الأزدي/157 هـ وآخرها سبيك
النظار للشيخ محمد علي الأوردوبادي
وقال له قصيدة مطلعها:
يهــــــنئك يـــا
بــطل الهدى والثأر ما قد حـــــويت
بــــــمدرك الأوتار
لـــــك عــــــند آل
مـحمد كم من يد مشكـــــــورة
جـــــلت عن الإكبار
ثورة المختار:
سجن
المختار في قصر الإمارة بأمر ابن زياد
هو وجماعة منهم، ميثم التمار وجاء
بريد الشام من يزيد بن معاوية وفيه
العفو عن المختار لشفاعة هناك من بعض
أصهاره، فأُفرج عنه وأمر بطلب ميثم،
وكان يقول له ميثم في السجن: (إنك
ستفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين (عليه
السَّلام) فتقتل هذا الذي يريد أن
يقتلك).
قال أبو
تمام في ديوانه ص114.
والهـــــاشميون
استــــقلت عيرهم مـــــن
كــــــربلاء بـــأوثق الأوتار
فشـــــــفاهم
المـختار منه ولم يكن في ديــــــنه
المخـــــتار بــالمختار
حــــتى إذا انكشفت
سرائره اغتدوا منـــــــه بـــراء
الســمع والأبصار
وأضاف الشيخ الأميني
قائلاً:
(وقد بلغ
من إكبار السلف له أن شيخنا الشهيد
الأول ذكر في مزاره زيارة تخص به يزار
بها، وفيها الشهادة الصريحة لصلاحه
ونصحه في الولاية، وإخلاصه في طاعته
إليه ومحبة الإمام زين العابدين، ورضا
رسول الله وأمير المؤمنين
(عليه
السَّلام)، وإنه بذل نفسه في رضا
الأئمة، ونصرة العترة الطاهرة، والأخذ
بثأرهم والزيارة هذه توجد في كتاب
(مراد المريد) وهو ترجمه مزار الشهيد
للشيخ علي بن الحسين الحائري، وصححها
الشيخ نظام الدين الساوجي مؤلف (نظام
الأقوال)، ويظهر منها أن قبر المختار
في ذلك العصر المتقدم كان من جملة
المزارات المشهورة عند الشيعة، وكانت
عليه قبة معروفة كما في رحلة ابن
بطوطة 1/138).
وفي
المراقد 2 - 7 (قبر الآخذ بالثأر
المختار في الزاوية التي تشكل من قصر
الإمارة ومسجد الكوفة خارجاً وكان
قبره في السابق معفياً عثر العالم
الرباني السيد محمد مهدي بحر العلوم
الطباطبائي النجفي عند تتبعه عن آثار
المسجد ومحاريبه عليه.
ووجدوا على
دكة قبره صخرة منوهة باسمه ولقبه،
وكان مدخل قبره في أوائل عصرنا من
حجرة في زاوية المسجد الشرقية
الجنوبية وفي أواخر عصرنا تصدى
لإظهاره وتشييده الوجيه الحاج محسن بن
الحاج عبود شلاش الخفاجي النجفي
ودلالة من بعض المؤرخين المنقبين من
علماء النجف الأشرف، فأنشأ له حرماً
واسعاً وألحقه برواق وحرم مسلم بن
عقيل (عليه السَّلام) جنوباً وجعل
لقبره شباكاً جديداً وسد باب الدهليز).
هاني بن
عروة:

كان هاني شيخ مراد
وزعيمها، تركب معه أربعة آلاف دارع
وثمانية آلاف راجل، فإذا تلاها
أحلافها من كندة وغيرها، ركب في
ثلاثين ألف دارع (مروج الذهب 3
- 69).
وفي
الطبري: أن هانياً قال: إن مسلماً نزل
عليّ، وأنا لا أخرجه من داري، قال ابن
زياد - ألم يكن عندك لي يد في فعل أبي
زياد بأبيك وحفظه من معاوية، قال
هاني: ولتكن عندي يد أخرى بأن تحفظ من
نزل بي وأنا زعيم لك أن أخرجه من
المصر فضربه ابن زياد بسوطه وهشم
أنفه، وأمر به إلى السجن، قال له ابن
زياد: إنما تعلم أن أبي قتل هذه
الشيعة غير أبيك وأحسن صحبتك وكتب إلى
أمير الكوفة يوصيه بك أفكان جزائي أن
خبأت في بيتك رجلاً ليقتلني (يعني
بذلك مسلم).
قال هاني:
ما فعلت فأخرج ابن زياد عبده معقل،
فبهت هاني وقال لابن زياد إليك عندي
بلاء حسناً، وأنا أحب مكافأته به، قال
ابن زياد: وما هو؟
قال هاني:
تشخص إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك
سالمين بأموالهم، فإنه قد جاء من هو
أحق منك، ومن صاحبك.
قال ابن
زياد: ادنوه مني فأدنوه فضرب بيده
بقضيب على وجهه ورأسه، وضرب هاني بيده
على قائم سيف شرطي من تلك الشرطة
فجاذبه الرجل ومنعه السيف، وقيل إن
هانياً حمل عليه بالسيف وجرحه جرحاً
منكراً فتكاثر عليه الرجال وأوثقوه
كتافاً (مروج الذهب 3 - 67).
وبلغ الخبر
آل مذحج، وهجموا على ابن مرجانة
وصاحوا: قتل صاحبنا (يعني هانياً)
فخافهم ابن
زياد وأمر بحبسه في بيت إلى جانب
مجلسه وأخرج إليه شريح بن الحارث
القاضي، فصعد سطح القصر ونادى: (يا
أيها الناس انصرفوا فما بلغكم من قتل
صاحبكم باطل وهو حي وأنا أشهد أنه
مكرم عند الأمير لا يريد به سوءاً
وسيلحق بكم في غاية العز والاحترام
ومشمولاً بالإحسان والإكرام)
فتفرق
الناس.
وفي تاريخ
9/ذي الحجة/60 هـ وفي نفس اليوم الذي
قتل مسلم أخرج هاني بن عروة المرادي
من السجن وضربت عنقه في سوق الغنم،
وأمر ابن زياد أن يجر جسده مع جسد
مسلم بن عقيل في أسواق الكوفة وفي ذلك
يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
فـإن كنت لا تدرين ما
الموت فانظري إلى هاني في الســـــوق
وابــــن عقيل
إلـــــى بــــطل
قــــد هـشم السيف أنفه وآخــــــر
يــــــهوي مـــــن طمار قتيل
وقد بعث ابن زياد
برأسي مسلم وهاني إلى يزيد بن معاوية
في الشام ثم أن مذحجاً استوهبوا الجثة
ودفنوهما عند قصر الإمارة عند حريم
المسجد.
وفي
المراقد (2/359): (مرقده خلف مسجد
الكوفة الأعظم محاذياً لزاوية المسجد
الشرقية الشمالية عامر مشيد له حرم
وأروقة يزوره كل من يزور مرقد أول
الشهداء مسلم بن عقيل فوق حرمه قبة
شاهقة البناء مزينة بالقاشي الأزرق).
مرقد ميثم التمار مولى
بني أسد الكوفي:




كان من أصحاب الإمام
أمير المؤمنين (عليه السَّلام) قتله
ابن زياد في 20/ذي الحجة/60 هـ يبعد
قبره عن مسجد الكوفة مسافة 30 متراً
على طريق الكوفة، والنجف جدد بناؤه
حديثاً حيث أُقيم على القبر صندوق
وشباك.
تعلوه قبة
عالية مكسوة من الخارج بالكاشي
المنقوش ويحيط به رواق واسع وفي واجهة
الضريح طارمة كبيرة من الإسمنت المسلح
ويقع وسط صحن كبير. وميثم حبسه ابن
زياد بعد شهادة مسلم وهاني مع المختار
الثقفي بأيام ثم جاء بريد الشام من
يزيد وفيه العفو عن المختار لشفاعة
بعض أصهاره، وأمر بصلب ميثم فصلبه ابن
زياد على الخشبة عند باب عمرو بن حريث
وأخذ يحدث الناس بفضائل علي، فقيل
لابن زياد، قد فضحكم هذا العبد، قال
ألجموه، فكان أول من أُلجم في الإسلام
فلما كان اليوم الثالث من صلبه طعن
بالحربة فكبر ومات.
وكان علي
(عليه السَّلام): قال ذات يوم لميثم:
إنك تؤخذ فتصلب وتطعن بحربة، فإذا جاء
اليوم الثالث ابتدر منخراك وفوك دماً
فتخضب لحيتك، وتصلب على باب عمرو بن
حريث عاشر عشرة، وأنت أقصرهم خشبة
وأقربهم من المطهرة.
وعندما
أرسل عليه ابن زياد ليقتله كان يتردد
إلى دكان له في سوق يبيع التمر فيه،
وكان ميثم إذا لقي عمرو بن حريث يقول
له:
إني مجاورك
فأحسن جواري لأن داره كانت عند قصر
الإمارة، فيقول له عمرو: أتريد أن
تشتري دار ابن مسعود أو دار إبراهيم
الحكيم، وهو لا يعلم ما يريده؟
وفي
المراقد (2 - 340): (مرقده بالكوفة
غربي مسجد الكوفة... واليوم مرقده
عامر مشيد عليه قبة بيضاء متوسطة
الحجم والارتفاع، في وسطه حرم).
وفي
الهامش: (وقد جدد بناءه المحسن الوجيه
الحاج محمد رشاد مرزة النجفي)، عام
1968م
- 1388 هـ، وقد أشاد له حرماً عليه
قبة عالية البناء، مكسوة بالكاشي
الأزرق، حول مرقده أروقة للزائرين،
كما أشاد أمام مرقده ساحة واسعة،
تناسب وبناء الحرم من الارتفاع وقد
كتب في واجهتها أبيات أربعة بخط بارز
للسيد محمد الحسيني الحلي منها:
مــــــن يـــزرع
الخير سيجني غداً خــــــيراً
ويبـــــقى بـــــعده مقتدى
ولــــــم يــــــنله
غـــير من قد غدا منــــــتهجاً
نــــــهج رشــاد الهدى
صـــــان قــــــديم
المــــجد تاريخه (وميــــــثم
التــــــمار قــــــد جددا)
1384
هـ
مسجد السهلة:

وهو مسجد قديم يقع
قريباً من الكوفة من الجهة الشمالية
الغربية، ويبعد نحو 2 كم عن مسجد
الكوفة، وأُجريت عليه كثير من
التعديلات وأشاد به الأئمة
(عليهم
السَّلام).
قال الباقر
(عليه السَّلام): (مسجد سهيل الذي لم
يبعث الله نبياً إلا وقد صلّى فيه،
ومنه يظهر عدل الله، وفيها يكون قائمة
والقوام من بعده وهي منازل النبيين
والأوصياء والصالحين).
وعن الصادق
(عليه السَّلام): (أنه قال ما من
مكروب يأتي مسجد السهلة فيصلّي فيه
ركعتين بين العشائين ويدعو الله إلا
فرج الله كربه).
قال السجاد
(عليه السَّلام): (من صلّى في مسجد
السهلة ركعتين، زاد الله في عمره
سنتين).
قال الصادق
(عليه السَّلام): (إذا دخلت الكوفة،
فأتِ مسجد السهلة فصلِّ فيه واسأل
الله حاجتك لدينك ودنياك فإن مسجد
السهلة بيت إدريس النبي الذي كان يخيط
فيه ويصلي فيه، ومن دعا الله بما أحب
قضى له حوائجه ورفعه يوم القيامة
مكاناً علياً إلى درجة إدريس وأُجير
من مكروه الدنيا، ومكائد أعدائه).
وأيضاً قال
(عليه السَّلام): (ما من مكروب يأتي
مسجد السهلة، فيصلي فيه ركعتين بين
العشائين ويدعو الله إلا فرج الله
كربه).
وقال
الصادق (عليه السَّلام) أيضاً: (نحن
نسميه مسجد البري.. فإنه لم يأته
مكروب إلا فرج الله كربته، أو قال قضى
حاجته).
ومن أعمال
هذا المسجد يؤتى بها ليلة الأربعاء
بعد صلاة المغرب لقضاء الحاجة ركعتان
يقرأ بعدها هذا الدعاء:
(أنت الله
لا إله إلا أنت مبدئ الخلق ومعيدهم،
وأنت الله لا إله إلا أنت خالق الخلق
ورازقهم، وأنت الله لا إله إلا أنت
القابض الباسط، وأنت الله لا إله إلا
أنت مدبر الأمور، وباعث من في القبور،
أنت وارث الأرض ومن عليها، أسألك
باسمك المخزون المكنون الحي القيوم،
وأنت الله لا إله إلا أنت عالم السر
وأخفى، أسألك باسمك الذي إذا دعيت به
أجبت وإذا سئلت به أعطيت، وأسألك بحقك
على محمد وأهل بيته، وبحقهم الذي
أوجبته على نفسك أن تصلي على محمد
وأهل بيته، وأن تقضي لي حاجتي الساعة
الساعة يا سامع الدعاء، يا سيداه، يا
مولاه، يا غياثاه، أسألك بكل اسم سميت
به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب
عندك أن تصلّي على محمد وآل محمد، وأن
تعجّل فرجنا الساعة يا مقلب القلوب
والأبصار يا سميع الدعاء).
مسجد صعصعة
بن صوحان:

من المساجد القديمة في
جوار مسجد السهلة، مسجدان لزيد،
وصعصعة بن صوحان، صاحبي أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب (عليه السَّلام). وقد
أُجريت عليهما عدة إصلاحات بعد أن
انطمست آثارهما. وينبغي الصَّلاة
فيهما والدعاء وخاصة ما كان يدعو به
صعصعة في صلاة الليل فإنهما من أجلاء
الصحابة.
(أما)
صعصعة فقد كانت له مع معاوية مواقف
جريئة نفاه المغيرة بن شعبة بأمر
معاوية من الكوفة. ففي (الإصابة 3/200)
نفى
المغيرة بأمر معاوية صعصعة من الكوفة
إلى الجزيرة أو إلى البحرين أو إلى
جزيرة ابن كافان ومات بها.
وفي
الاستيعاب كان صعصعة بن صوحان مسلماً،
على عهد رسول الله، ولم يلقه لصغره
وكان فاضلاً ديناً لسناً خطيباً
بليغاً يعد من أصحاب علي. وفي الكشي:
لما قدم معاوية الكوفة دخل عليه رجال
من أصحاب علي وكان الحسن بن علي (عليه
السَّلام) قد أخذ الأمان لرجال منهم
مسمين بأسمائهم، وأسماء آبائهم منهم
صعصعة بن صوحان فلما دخل عليه صعصعة
قال معاوية: أما والله إني كنت لأبغض
أن تدخل في أماني.
فقال
صعصعة: وأنا والله أبغض أن أُسميك
بهذا الاسم، ثم سلم عليه.
قال
معاوية: إن كنت صادقاً فاصعد المنبر
والعن علياً فصعد المنبر وحمد الله
وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس
أتيتكم من عند رجل قدم شره وأخّر خيره
وإنه أمرني أن ألعن علياً، فالعنوه
لعنة الله) فضج أهل المسجد بآمين.
قال
معاوية: لا والله ما عنيت غيري ارجع
حتى تسميه باسمه فرجع فصعد المنبر، ثم
قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين
أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب
فالعنوه فضجوا بآمين. فقال معاوية: لا
والله ما عنى غيري، أخرجوه لا يساكنني
في بلد، فأخرجوه.
وكان صعصعة
(ره): شديداً على الحق ومقارعة الظلم
والظالمين ومن أخباره مع الإمام لما
مرض فعاده أمير المؤمنين (عليه
السَّلام) وقال له:
(لا تتخذن
زيارتنا إياك فخراً على قومك).
فأجابه: لا
يا أمير المؤمنين ولكن ذخراً وأجراً،
فقال له أمير المؤمنين: (والله ما كنت
إلا ضعيف المؤنة كثير المعونة).
فقال
صعصعة: (وأنت والله يا أمير المؤمنين
ما علمتك إلا أنك بالله لعليم، وإن
الله في عينك لعظيم، وإنك في كتاب
الله لعلي حكيم، وإنك بالمؤمنين رؤوف
رحيم).
جاء في
تهذيب الكمال: (شهد صعصعة مع أمير
المؤمنين صفين وأمره على بعض
الكراديس، وإنه كان من أصحاب الخطط
بالكوفة، ومن أصحاب علي وشهد معه وقعة
الجمل، هو وأخواه زيد وسبحان، وكان
سبحان هو الخطيب قبل صعصعة، وكانت
الراية يوم الجمل بيده، فقتل وأخذها
زيد وقتل وأخذها صعصعة وتوفى بالكوفة
في أيام معاوية، وكان ثقة قليل الحديث.
وفي
المراقد 1 - 40: (المعروف أن قبره في
ظهر الكوفة بالثوية، وحدثنا بعض
البحرانيين: إن عندنا قبراً مشيداً
مشهوراً معروفاً لصعصعة بن صوحان يقع
في جزيرة عسكر والقبر مجلل محترم عند
عامة المسلمين، لما يشاهدونه من
الكرامات وأن الشيعة والسنة يتعاهدونه
بالزيارة).
ملاحظة:
هذه جولة
عابرة عن مساجد الكوفة ومزاراتها
وفيها أماكن أُخرى ينبغي الاحتراز
عنها، وقد نقل العلامة المجلسي في
البحار (100/439) قائلاً: روى الطوسي
في الأمالي 171 عن علي (عليه
السَّلام) (إن بالكوفة مساجد مباركة
ومساجد ملعونة).
وذكر من
المساجد الملعونة مسجداً بالحمراء بني
على قبر فرعون من الفراعنة، قال
المجلسي: (والظاهر أن مسجد الحمراء هو
المعروف الآن بمسجد يونس وقبره
(عليه
السَّلام) ولم نجد في خبر كونه (عليه
السَّلام) مدفوناً هناك).
كربلاء

من حياة الإمام الحسين
(عليه السَّلام):
لقد أرسل
قائد الجيش الأموي ابن زياد كتاباً
إلى الحسين (عليه السَّلام)، جاء فيه:
(أما بعد
يا حسين قد بلغني نزولك كربلاء، وقد
كتب إليَّ أمير المؤمنين يزيد بن
معاوية أن لا أتوسد الأثير ولا أشبع
الخمير، أو ألحقك باللطيف الخبير، أو
تنزل على حكمي وحكم يزيد). كما روى
هذا البحراني في مقتل العوالم. ومن
الواضح أن ابن زياد أراد أن يستهين
بالمقدسات الإسلامية بكل وضوح ويستحقر
حركة الإمام (عليه السَّلام)
الإصلاحية بإقامة حكم الله العادل في
الأرض الإسلامية، حيث أشار إلى
استهتاره بمحرمات، منصوص عليها في
الدستور الإسلامي، القرآن الكريم،
ومنها الخمر، وكان من الطبيعي أن لا
يجيب الإمام (عليه
السَّلام) على هذا النوع من الرسالة
إلا بما يشير إلى أهداف الرسالة
والمخططات التي يرمي إليها صاحب
الرسالة لذلك كان الرسول يطالب الإمام
الحسين (عليه السَّلام) بالجواب على
الرسالة، فقال الإمام (عليه السَّلام):
(ما له
عندي جواب لأنه حقت عليه كلمة
العذاب)، وكيف يوافق الحسين (عليه
السَّلام) على حكومة الفسق والجور
والظلم. لذلك كان يخطط هذا القائد
الأموي للقضاء على الحركة الإسلامية،
وخلال ذلك الوقت كان يتهيأ عمر بن سعد
بن ألي وقاص للخروج إلى الري في أربعة
آلاف رجل. وابن زياد كان قد أعطاه
العهد بولاية الري، وقد اختاره لخصوص
مقام والده الذي كان ممن فتح فارس،
وكان من الشيعة. وهنا طلب ابن زياد من
عمر أن يغير وجهة نظره ومسيره، وأن
يتوجه إلى كربلاء لإخضاع الحسين (عليه
السَّلام)، فاستعفاه عمر، ولكن ابن
زياد القائد الأموي خيره بين حكومة
الري، وكربلاء ليلة واحدة، وبالنتيجة
قبل عمر بن سعد لعنه الله هذا
الاختيار السيء، ولذلك استحق اللعن من
المسلمين الغيارى، دائماً فهم يلعنون
عمر بن أبي وقاص، لأنه اختار الباطل
على الحق، ولم يذهب إلى قتال
المشركين، وإنما ذهب إلى قتال
المسلمين.
مفاوضات
الحسين (عليه السَّلام):
وصل عمر بن
سعد إلى كربلاء وطلب من أصحابه
المرافقين له أن يواجهوا الإمام
(عليه
السَّلام)، فأبوا واعتذروا، وقالوا
إنهم كانوا ممن كتبوا إلى الإمام
ودعوه. ثم أرسل عمر بن قرطة الحنظلي
إلى الحسين (عليه السَّلام)، فجاء
وسلم على الحسين وأبلغه رسالة عمر بن
سعد، سائلاً الإمام ما جاء به وما
يريد، فقال الحسين (عليه السَّلام):
(كتب إليَّ أهل مصركم العهد فإما إن
كرهوا فأنا أنصرف عنهم)، وهنا ملاحظة
جديرة بالاهتمام بأن الإمام (عليه
السَّلام) جاء بدعوة وانتخاب من الشعب
الإسلامي، وهو أيضاً يعرف إذا أراد
الشعب استمر في عهده بذلك أيضاً.
وانصرف
الحنظلي إلى عمر وقال: إني لأرجو أن
يعاجلك الله من حربه. وكتب عمر إلى
ابن زياد كتاباً جاء فيه:
أما بعد
فإني حيث نزلت للحسين بعثت إليه رسولي
وسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل،
فقال: كتب إليَّ أهل هذه البلاد
وأجبت، فسألوني القدوم، ففعلت، فأما
إذا كرهوني، فبدا لهم غير ما أتتني به
رسلهم فأنا منصرف عنهم، كما في الطبري
المجلد الرابع ص 611. ولما قرأه ابن
زياد، قال متمثلاً بهذا الشعر:
الآن إذ علــــــــقت
مخـــــــالبنا به يـــــرجو النجاة
ولات حين مناص
ثم كتب إلى عمر كتاباً
نصه: (أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت
ما ذكرت فاعرض على الحسين أن يبايع
يزيد هو وجميع أصحابه فإذا فعل ذلك
فإنا رضينا). وخطب في نفس الوقت ابن
زياد في الكوفة محرضاً الناس لحرب
الحسين (عليه السَّلام) والناس بين
مغرور ومخدوع وخائف وعالم، كل يتقرب
إلى الله بدم الحسين، وتوافدت الجيوش
إلى كربلاء حتى بلغوا في السادس من
محرم على رواية، عشرين ألفاً، وكانت
خاتمة المفاوضات حضور شمر الخارجي من
الكوفة حاملاً كتاباً من ابن زياد
القائد الأموي إلى عمر بن سعد، جاء
فيه: (إني لم أبعثك إلى الحسين شفيعاً
تمنيه السلامة، ولا لتعتذر فيه، فإن
نزل هو وأصحابه على حكمي فابعث بهم
إليَّ، وإلا فازحف عليهم واقتلهم،
ومثل بهم فإنهم لذلك مستحقون وإن قتلت
حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره)، فلما
اطلع عمر على الكتاب أدار ظهره وخاطب
شمر بن ذي الجوشن قائلاً: (لعنك الله
يا شمر، لقد أفسدت علينا أمراً كبيراً
كنا نرجو إصلاحه). ولكن هذا الرجاء
كان أُمنية منه لأنه كان يعرف الحق
ويعرف الباطل واختار لنفسه الباطل على
الحق فاستحق العذاب واللعن، ولكنه
بالنتيجة أظهر القبول والرضا حيث كان
مهدداً بتسليم القيادة إلى شمر، وهكذا
تعمي الزعامات والمناصب العيون عن
الحق وتكسب اللعنة الدائمة وعذاب
الآخرة أشد من ذلك. ولما تأزم الموقف
طلب الإمام الحسين (عليه السَّلام)
الاجتماع بعمر بن سعد، ولا يزال محل
الاجتماع معروفاً في قرب المخيم في
محلة بكربلاء اليوم، وأرسل عمر بن
قرطة الأنصاري، فقال الإمام: (ويلك يا
ابن سعد أما تتقي الله الذي إليه
معادك أتقاتلني وأنا ممن علمت، كن معي
فإنه أقرب لك إلى الله)، قال ابن سعد
أخاف أن يهدم داري، قال الإمام (عليه
السَّلام): أنا أبنيها لك، قال ابن
سعد:
أخاف أن
تؤخذ ضيعتي، قال الإمام (عليه
السَّلام): أخلف عليك خيراً منها من
مالي في الحجاز، قال ابن سعد: لي عيال
وأخاف أن أمنع من ملك الري، قال
الإمام: إني أرجو أن لا تأكل برها إلا
يسيراً، فقال ابن سعد مستهزئاً في
الشعير كفاية عن البر.
في اليوم
السابع من محرم:
في هذا
اليوم الذي ورد فيه شمر إلى كربلاء مع
أربعة آلاف مقاتل، بدأ جيش العدو
بقيادة ابن سعد إنزال الخيل على
الفرات لمنع آل البيت بما فيهم من
النساء والأطفال من الماء زيادة في
التوحش، وهنا أمر الحسين (عليه
السَّلام) أن يطلب الماء، فخرج نافع
بن هلال البجلي مع عشرين رجلاً وقصدوا
الفرات ليلاً فصاح عمرو بن الحجاج من
الرجل أجاب نافع: جئنا لنشرب من
الماء، قال الحجاج: اشرب هنيئاً ولا
تحمل إلى الحسين، فقال نافع: لا والله
لا أشرب منه قطرة والحسين ومن معه من
آله وصحبه عطاشى. ثم صاح نافع لأصحابه
فأخذ بعضهم يقاتل وبعضهم يملأ من
الماء، وجاؤوا بالماء إلى آل البيت
لآخر مرة.
تاسوعاء:
ليلة
التاسع من محرم نفد الماء في المعسكر،
وبلغت مقاومة آل البيت للعطش ذروتها
وتصف الحالة السيدة سكينة بقولها: عز
ماؤنا ليلة التاسع من المحرم فجفت
الأواني ويبست الشفاه وكاد العطش يؤدي
بنا إلى الهلاك، فمضيت إلى عمتي زينب
فما أن وصلت إليها إلا وشاهدت أخي عبد
الله الرضيع في حجرها يلوك بلسانه من
شدة العطش فغلبتني العبرة، فقمنا معاً
إلى الخيام واقتربنا منها، فلم نجد
عندهم الماء واجتمع حولنا عشرون طفلاً
كل ينادي العطش العطش، وهنا لما سمع
يزيد، قال: قد جاءني نداؤهم اتفق مع
ثلاثة من أصحابه واختلفوا المشرعة،
وبعد مناوشات تمكنوا من ملء السقاة
ووضعوها بين أصحاب الخيم ونادوا بأعلى
صوتهم يا بنات رسول الله دونكم الماء،
فأقبلن يهرعن إليه واجتمعن حول السقاة
ومنهم من تضع خدها لتطفئ عطشها وبينما
هم كذلك إذ انحل الركاب وأُريق الماء
على الأرض، ولم تذق واحدة منهن شيئاً
فصحن بأجمعهن واويلاه واثبوراه.
في صباح
اليوم العاشر:
توافدت
الخيل إلى كربلاء بنسبة هائلة وبينما
كان الاستعداد الكمي للجيش الأموي أحد
عشر ألف مقاتل كان الحسين وأعوانه في
سبعين رجلاً بقيادة حبيب بن مظاهر
الأسدي في عشرين رجلاً وزهير بن القين
في عشرين كذلك. أما البلاذري.
فعد جيش
الأُمويين بقيادة الحر بن يزيد
الرياحي ألف، وبقيادة عمر بن سعد
أربعة آلاف، وبقيادة شمر بن ذي الجوشن
أربعة آلاف، وبقيادة حجار بن أبجر
العجري ألف، وبقيادة شبث بن ربعي ألف،
وهذا يعني أن هناك أحد عشر ألف مقاتل
يقاتل أصحاب الحسين وهم لا يتعدون
ثلاثة وسبعين رجلاً، وهذا يعني أن
نسبة الجيش كان نسبة الواحد إلى
الألف، وهذا ما يريد الشاعر بقوله:
لـــــو لم يــكن جمعت
كل العلا فينا لكان مــــا كـــان يوم
الطف يكفينا
جـــــاؤوا بسـبعين
ألف سل بقيتهم وقـــــــد
جـــــــئناهم بســـــــبــعينا
ويذكر البلاذري في
أنساب الأشراف أيضاً، ما نصه: (ولم
يبقَ في الكوفة محتلم إلا خرج إلى
المعسكر في النخيلة ومن ضمنهم عمر بن
سعد في كربلاء)، ويصف الإمام الصادق
(عليه السَّلام) هذا اليوم الرهيب
بقوله: (تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين
وأصحابه في كربلاء، واجتمع عليه خيل
أهل الشام وأناخوا عليه، وفرح ابن
مرجانة وعمر بن سعد بتواصل الخيل
وكثرتها واستضعفوا فيه الحسين
وأصحابه، وأيقنوا أنه لا يأتي للحسين
ناصر، ولا يمده أهل العراق)، وأراد
الجيش الأموي تفريق أصحاب الحسين،
وكان لشمر إخوة لأم البنين فقام وأقبل
منادياً: أين بنو أختنا وامتنع أصحاب
الحسين (عليه السَّلام) من الإجابة،
ولكن الإمام أمرهم بالجواب، فخرج
العباس وأخوته جعفر، وعثمان، وقالوا
له:
ماذا تريد،
قال شمر: أنتم يا بني أخوتي آمنون،
قالوا: لعنك الله، ولعن أمانك، فإن
كنت خالنا تؤمننا، وابن رسول الله لا
أمان له. ولما عرف الجيش الأموي أن
هذه الجماعة المسلمة لا يمكن إغراؤها
بالمغريات، ولا تفريقها عن أهدافها
الإسلامية العليا بدأوا الحرب مع آل
البيت النبوي.
قال الشيخ
المفيد: في يوم الخميس التاسع من محرم
عصراً قال ابن سعد منادياً جيشه: يا
خيل الله اركبي وبالجنة ابشري، فزحف
على معسكر الحسين وكان بعد صلاة العصر
من يومه فأرسل الحسين صاحب لوائه
العباس مع عشرين فارساً لمقابلتهم،
فسأله ما بدا لكم، وماذا تريدون،
قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم
أن تنزلوا لحكمه أو ننازلكم، فقال
العباس: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي
عبدالله، فقال له الحسين، يا أخي ارجع
إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غداة
وتدفعهم عنا هذه العشية لعلنا نصلي
إلى ربنا الليلة ندعوه ونستغفره فهو
يعلم إني كنت أحب الصَّلاة له وتلاوة
كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار، فذهب
العباس، وبعد أخذ ورد وافقوا على
الطلب، وأبلغ العباس الرسالة.
عاشوراء:
وللمرة
الأخيرة جمع الحسين أصحابه وأهله في
ليلة العاشر، وقال: يا أهلي وشيعتي
اتخذوا هذا الليل جملاً وانجوا
بأنفسكم فليس المطلوب غيري ولو قتلوني
ما فكروا فيكم، فانجوا بأنفسكم رحمكم
الله، وأنتم في حل وسعة من بيعتي
وعهدي الذي عاهدتموني، فقالوا: لا
والله يقول الناس تركوا إمامهم
وكبيرهم، وسيدهم وحده حتى قتل ويكون
بيننا وبين الأعداء عذراً، ولا نخليك
أو نقتل دونك، الحمد لله الذي أكرمنا
بنصرك وشرفنا بالقتل معك أولا ترضى يا
ابن رسول الله أن نكون معك في درجتك؟
وكان من كلام بعض أصحابه لبعض، ذلك
لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبداً.
وكان مما
قاله زهير بن القين: والله يا ابن
رسول الله لو وجدت إني قتلت ثم نشرت،
ثم قتلت حتى أُقتل كذلك ألف قتلة، وإن
الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن نفس
هؤلاء الفتية من أهل بيتك لما فارقتك،
فقال الإمام (عليه السَّلام): جزاكم
الله خيراً.
وفي لقاء
الإمام مع أُخته زينب الكبرى، قال:
أما والله لقد بلوتهم وليس فيهم إلا
الأشوس يتنافسون مني استئناس الطفل
بلبن أُمه.
وبات
الحسين وأصحابه هذه الليلة، وهي ليلة
العاشر ليلة الوداع وهم على يقين
بإيمانهم ومصيرهم غداة العاشر من
محرم، وأقبلوا على الله خاشعين بقلوب
طاهرة بكل مشاعرهم فهم بين راكع وساجد
وقائم وقاعد وبين تالٍ للقرآن
ومستغفر، ولهم دوي كدوي النحل، ولما
أصبح الصباح صلّى الإمام صلاة الظهر
جماعة، وقال لأصحابه: إن الله تعالى
أذن في قتلكم وقتلي فعليكم بالصبر
والقتال، وأمر أصحابه أن يحفروا
خندقاً وراء الخيام ويضرموا النار
فيها لئلا يهجم العدو من الخلف ونظم
جيشه الصغير إلى ثلاث، القلب واليمين
واليسار، وكان على اليمين زهير، وكان
على اليسار حبيب بن مظاهر في عشرين
رجلاً، وعلى القلب كان الحسين والراية
بيد أخيه العباس.
قام الإمام
(عليه السَّلام): يخطب بين جيوش
الأعداء، ولكن الدعاية الأموية كانت
تحدث الضوضاء ويكثرون بينهم الكلام
لئلا يسمع الناس كلام الإمام ولكن
الإمام نادى بصوتٍ عالٍ: (أيها الناس
اسمعوا قولي، ولا تعدلوا حتى أعظكم
بما يحق لكم عليَّ وحتى أعتذر إليكم
من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم
قولي وأعطيتموني من أنفسكم كنتم بذلك
أسعد، ولم يكن عليَّ سبيل، وإن لم
تقبلوا مني العذر ولم تعطوا من أنفسكم
فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن
أمركم عليكم غمة ثم أدوا إليَّ ولا
تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب
وهو يتولى الصالحين.
ثم قال:
(الحمد لله الذي خلق الدنيا وجعلها
دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالاً
بعد حال، فالمغرور من غرته والشقي من
فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنها
تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من
طمع فيها وأراكم قد أجمعتم على أمر قد
أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه
الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته فنعم
الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم أقررتم
بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد ثم إنكم
قصدتم ذريته وعترته تريدون قتلهم فقد
استحوذ عليكم الشيطان وأنساكم ذكر
الله العظيم، فتباً لكم وما تريدون،
إنا لله وإنا إليه راجعون، أيها الناس
أنسبوني من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم
وحاسبوها وانظروا هل يحق لكم قتلي
وانتهاك حرمتي. ألست ابن بنت نبيكم
وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين
بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند
ربه. أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي.
أوليس جعفر الطيار عمي. أولم يبلغكم
قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا
شباب أهل الجنة، فإن صدقتموني بما
أقول وهو الحق والله ما تعمدت الكذب
منذ علمت أن الله يمقت أهله ويبغض من
اختلقه وإن كذبتموني فإن فيكم من إن
سألتموه عن ذلك أخبركم).
ثم عدد
الإمام أسماء بعضهم ثم قال: (أما في
هذا حاسركم يا حجار بن أبجر ويا قيس
بن الأشعث ويا زيد بن الحارث، ألم
تكتبوا لي: أن أقدم قد أينعت الثمار،
واخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك
مجندة). فقالوا: لم نفعل.
قال الإمام
(عليه السَّلام): (سبحان الله بلى
والله قد فعلتم، ثم قال: أيها الناس
إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى
مأمني من الأرض).
فقال قيس
بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني
عمك؟
فقال
الإمام: (أتريد أن يطلبك بنو هاشم
بأكثر من دم مسلم بن عقيل، لا والله
لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر
إقرار العبيد). وكان لخطبة الإمام
(عليه السَّلام) أثرها على قلوب
المسلمين والمؤمنين والمغفلين منهم،
فتقدم عمر بن سعد نحو معسكر الحسين
ورمى بسهم، وقال: اشهدوا لي عند
الأمير أني أول من رمى فتكاثرت السهام
على معسكر الحسين.
ثم قال
الحسين لأصحابه: قوموا يا كرام هذه
رسل القوم إليكم فحمل أصحابه حملة
واحدة، واشتد القتال، ويصف القتال هذا
الطبري بقوله: أشد القتال في هذا
اليوم فلما انجلت الغبرة كان خمسون
صريعاً من أصحاب الحسين، وكانوا على
درجة عالية من اليقين بأهداف الإسلام
والثورة الحسينية وخروجه (عليه
السَّلام). كل ذلك جعلهم يتسابقون إلى
المعركة لا بدافع سوى العقيدة التي
كانت السبب في أن يقدموا على الموت
إذا كان الإمام قد حلهم من البيعة
وجعلهم أحراراً، ولكنهم أصروا على أن
يواكبوا الثورة وطبيعي أن يتقدم
الهاشميون المعركة قبل الحسين، وقد
قتل من أصحابه بين يديه صباح العاشر
من محرم حتى الظهيرة أربع وخمسون
قتيلاً قتل خمسون منهم بالمعركة
الأولى الجماعية، وتسابق أصحاب الحسين
للبراز وكانوا يستأذنون الإمام في كل
مرحلة ويجدون الإذن ثم يذهبون وكل من
يريد البراز يودع الحسين قائلاً:
السَّلام
عليك يا أبا عبدالله، والحسين يرد
التحية قائلاً: وعليك السلام، ونحن
خلفك ثم يتلو قوله تعالى: (ومنهم من
قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا
تبديلا)
وكان منهم
القائلي: الذي كان كبير السن وعلى كبر
سنه قتل ثمان عشر رجلاً، حتى قتل،
وجون مولى أبي ذر قتل خمس وعشرين
رجلاً حتى قتل، ثم وهب بن عبد الكلبي،
وكان ممن أسلم على يد الحسين، وكان
نصرانياً وقتل تسعة عشر رجلاً فارساً
وعشرين راجلاً حتى قتل، ثم حبيب بن
مظاهر الصحابي الأسدي، وقتل اثنين
وستين فارساً حتى قتل، ثم زهير بن
القين، قتل مئة وعشرين رجلاً حتى قتل،
وجعفر قتل خمسة عشر فارساً حتى قتل،
وعبد الرحمن بن عقيل، قتل سبعة عشر
فارساً حتى قُتل.
وكان أول
من قاتل بمفرده هو الحر بن يزيد
الرياحي، وبالرغم من أن الحر كان أول
من قطع الطريق على الحسين، كان حر
الضمير لما عرف أنه مضلل وأن الدعاية
الأموية ضللته انضم إلى الحسين في
ساعة رهيبة ما كان يظن أن الأمر يصل
إلى إراقة الدماء الطاهرة، وفي اليوم
العاشر سأل عمر بن سعد قائلاً له:
أمقاتل أنت هذا الرجل - يعني الحسين -
قال عمر: نعم قتالاً أجدره أن تطيح
الأيدي وتسقط الرؤوس فامتلأ قلب الحر
وجلاً فراب أمره أحد الجنود المرافقين
له فقال: إن أمرك لمريب فوالله لو
سألت عن أشجع أهل الكوفة والعراق
والله لما عدوتك فما أصابك، فقال
الحر: ويحك إني أُخير نفسي بين الجنة
والنار، فوالله لا أختار على الجنة
شيئاً، وإن قتلت وحرقت.
وتسلل الحر
من الجيش الأموي، وجلاً مضطرباً فيما
بدر منه فيما سبق خائفاً من عدم قبول
توبته فكيف يقاتل ابن بنت رسول الله
وهو الذي كان قد سد طريقه وهو أول من
ضايق الإمام، ولكنه قابل الحسين مطأطأ
الرأس منكسر القلب خافض الصوت قائلاً:
يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي
حجزتك عن الرجوع والله لو علمت أنهم
يبتغون بك إلى ما أرى ما ركبت الذي
ركبت وإني تائب إلى الله مما صنعت فهل
لي من توبة، فقال الحسين: نعم، يتوب
الله عليك فقال الحر: أنا لك فارساً
خير مني لك راجلاً أُقاتلهم على فرسي
ساعة، فقال الحسين: فاصنع رحمك الله
ما بدا لك، ثم ذهب الحر إلى الجيش
ووعظهم ثم حمل عليهم وقاتلهم قتالاً
شديداً حتى عقروا فرسه فقاتل راجلاً
حتى قتل وهو يقول: السَّلام عليك يا
أبا عبدالله، وكان أول شهيد قتل
بمفرده في كربلاء.
وجاء
الإمام (عليه السَّلام) قائلاً: أنت
حر كما سمتك أُمك حراً فأنت حر في
الدنيا وسعيد في الآخرة وأنزل رفاقه
منذ كان في الجيش الأموي جثمانه إلى
مكان بعيد عن الساحة ودفنوه بها حيث
يعرف قبره اليوم بها، ومن هؤلاء جون
وقد كان مولى أبي ذر الغفاري التحق
بركب الحسين استأذن الحسين في اقتحام
المعركة، فقال له: أنت في حل مني فوقع
على قدمي الإمام يقبلها قائلاً: إن
ريحي لنتن وحسبي للئيم ولوني لأسود لا
والله لا أُفارقكم حتى يختلط هذا الدم
الأسود مع دمائكم وقتل من الجيش خمس
وعشرين رجلاً حتى قتل، ومنهم عمر بن
رباب، كان صبياً في أحد عشر من عمره
استأذن الإمام فأبى الإمام أن يأذن له
قائلاً: هذا غلام قتل أبوه في الحملة
الأولى، ولعل أمه تكره ذلك، فقال
الغلام: إن أمي ألبستني لامة حربي،
فأذن له الإمام وقاتل، ولما قتل رموا
برأس ولدها إلى أمه قالت أمه: أحسنت
يا بني يا نور قلبي يا قرة عيني، ثم
رمت برأس ولدها وأخذت بعمود الخيمة
وأصابت رجلين بالعمود فأمر الحسين
بردها إلى الخيمة، ومنهم وهب الكلبي
النصراني كان هو وأمه وزوجته قد
التحقوا بالحسين في الطريق وأسلموا
على يديه، ولما قامت الحرب، قالت أُمه:
يا بني قم
وانصر ابن بنت رسول الله، وكانت زوجته
تمنعه من ذلك، وخرج وقتل جمعاً، ثم
رجع إلى أمه قائلاً: أرضيت عني يا
أماه، قالت: ما رضيت حتى تقتل دون
الحسين ورجع فقتل تسعة عشر فارساً
وعشرين راجلاً، ثم قطعت أصابع يده
وأخذت زوجته عموداً وأقبلت نحوه، وهي
تقول فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين
حرم رسول الله، فقال لها: كنت تثنيني
عن القتال والآن تحرضيني، قالت: يا
وهب سئمت منذ سمعت الحسين ينادي
واغربتاه واقلة ناصراه، أما من ذاب
يذب عنا، ثم استعان وهب بالحسين
لردها، ومنهم عابد بن أبي شبي، قال:
يا أبا عبدالله، ما أمسى على ظهر
الأرض قريب ولا بعيد، أعز عليَّ منك،
ولو قدرت أن أرفع عنك بشيء أعز عليَّ
من نفسي لفعلت.
السَّلام
عليك يا أبا عبد الله أشهد إني على
هداك وهدى أبيك. وأخذ يحارب العدو
بشجاعة وكان من أشجع الناس ولم يخرج
إليه أحد وأمرهم عمر بن سعد أن يرضخوه
بالحجارة، فهطلت عليه الحجارة من كل
جانب، ولما رأى ذلك شد على الجموع،
وكان يضرب أكثر من مئتين وهطلت عليه
الأحجار حتى أُثخنت جراحه وقُتل.
دعوة
الإصلاح:
وفي أثناء
الحرب التفت أحد أصحاب الحسين وهو أبو
ثمامة، بأن وقت صلاة الظهر قد حان
فذكر الإمام بذلك، فقال الإمام (عليه
السَّلام): ذكرت الصَّلاة جعلك الله
من الذاكرين المصلين، نعم فهذا أول
وقتها ثم قال الحسين: سلوهم أن يكفوا
عنا حتى نصلي لربنا، ولما أرادوا
الصلاة، قال الحسين مخاطباً ابن سعد:
ويلك يا ابن سعد أنسيت شرائع الإسلام،
إكفأ الحرب حتى نصلي وتصلي بأصحابك
ونعود إلى ما نحن عليه من الحرب،
فرفضوا الطلب قائلين: إن صلاتك لا
تقبل ولكن الحسين الذي خرج وهو يحارب
من أجل الإسلام أبى أن يترك شعار
الصَّلاة وصلّى بأصحابه جماعة، وكان
اثنان من أصحابه يردان عنه السهام
وسقط سعيد بن عبد الله صريعاً شهيداً
فأصبح قتلى الحسين من الصباح حتى
الظهر خمس وخمسون شهيداً. ومن بعد
الصَّلاة اشتدت المعركة ثانية وامتازت
بمعركة الهاشميين علي الأكبر وأبي
الفضل العباس ومصرع الرضيع والمعركة
التي خاضها الإمام (عليه السَّلام).
علي الأكبر:
كانت
للإمام عناية خاصة في إحياء اسم
الإمام علي (عليه السَّلام) الذي
حاولت الدعاية الأُموية طمسه فسمى
أولاده الثلاثة باسم علي الأكبر،
والأوسط والأصغر، فبقي الأوسط الذي هو
الإمام زين العابدين، وكان الأكبر أول
من استشهد من آل البيت وهو في معركة
كربلاء، وكان أشبه الناس خلقاً
وخُلقاً ومنطقاً برسول الله صلّى الله
عليه وآله، ولهذا السبب بالذات كان له
مكانة خاصة في قلوب آل الرسول، وقد
قال الحسين حين برز إلى المعركة:
(اللهم اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم
غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً
ومنطقاً برسول الله وكنا إذا اشتقنا
إلى رؤية نبيك نظرنا إليه، اللهم امنع
عنهم بركات الأرض، ومزقهم تمزيقاً،
واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة
عنهم أبداً). وقد برز إليهم الأكبر
بصورة النبي وشجاعة الوصي حتى قتل
منهم مائة وعشرين فارساً، ثم رجع وقد
اشتد به العطش قائلاً: (أبتاه العطش
قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدني، فهل
لي إلى شربة من الماء سبيل أتقوى بها
على الأعداء)، فبكى الحسين (عليه
السَّلام) وقال: واغوثاه ما أسرع
الملتقى بجدك، ثم كر على القوم وهو
يقول:
أنـــــا عـــلي بن
الحسين بن علي نحـــــن وبـــيت الله
أولى بـــالنبي
والله لا يـــــحكم
فــــينا ابن الدعي أضـــربهم بالسيف
أحمي عن أبي
ضرب غلام هاشمي عربي
وقتل ثمانين آخرين حتى
جاء منقذ بن مرة (لعنه الله) وطعنه
بالرمح في ظهره وبالسيف على أُم رأسه
فاعتلى على فرسه فاحتمله الفرس خاطئاً
قاصداً معسكر الأعداء، وأحاطوا به من
كل جانب، ثم نادى: أبتاه عليك مني
السلام، فأتاه الحسين وانكب عليه ووضع
خده على خده قائلاً: بني على الدنيا
بعدك العفى، قتل الله قوماً قتلوك ما
أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة
الرسول، ولم يحمله الحسين بنفسه فحمل
إلى المخيم، فاستقبلته بنات الرسالة
بقلوب ملتهبة وعويل. وفي مقاتل
الطالبين، قال حميد: خرجت امرأة مسرعة
كأنها الشمس طالعة تنادي: يا ابن أخاه
فقالوا: هذه زينب تبكي عليه، ثم جاءت
فانكبت عليه، فجاءها الحسين فأخذ
بيدها إلى الفسطاط.
القاسم:
هو ابن
الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب،
تربى في حجر عمه الحسين منذ الثالثة
من عمره، وكان يصر على الإمام للذهاب
إلى المعركة والإمام يأبى، وكان يقبل
يديه ورجليه، ويقول: الموت دونك أحلى
من العسل، ولما وافق الإمام حمل على
قلب المعركة وما بلغ حاملاً لواءه
والقاسم يداوم الحرب حتى قطعت شسع
نعله اليسرى فأخذ يهتم بإصلاح نعله
وكأنه بهذا يشير إلى أن الاهتمام
بنعله أولى من هؤلاء الكفار، فاعتنى
ليصلح نعله إذ شد عليه عمر بن سعد
الأزدي، فقال له حميد بن مسلم: ما
تريد من هذا الغلام يكفيك هؤلاء الذين
تراهم قد احتوشوه وضربه بالسيف على
رأسه فوقع الغلام على وجهه صريعاً،
ونادى يا عماه وأسرع الإمام إليه وضرب
عنه السيف فاستنجد الجيش، وجاؤوا
لينقذوه والحسين واقف على رأس القاسم
وهو يزحف، ويقول: بعداً لقوم قتلوك
خصيمهم يوم القيامة جدك، يعز والله
على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك
فلا ينفعك، وحمله الإمام بنفسه إلى
المخيم.
العباس قمر
بن هاشم:

كان العباس بن علي
حامل لواء الحسين، ولم يكن الإمام
يأذن بالحرب له ويستبقيه للقيادة فلما
وجد الإمام وحيداً أصر على الإمام
مستأذناً للقتال، فقال الإمام: (أنت
صاحب لوائي)، فقال العباس: فداك روحي
يا أخي فقد ضاق صدري من الحياة، فقال
الحسين: فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً
من الماء، فخرج العباس وخطب فيهم
ووعظهم، ثم قال: يا عمر بن سعد هذا
الحسين ابن بنت رسول الله قد قتلتم
أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله
وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء فقد
أحرق الضمأ قلوبهم، وهو مع ذلك يقول:
دعوني أذهب إلى الروم أو الهند وأُخلي
لكم الحجاز والعراق، فلما انتهى من
كلامه وقد أثر كلامه في الجيش، وأخذ
يلعن بعضهم بعضاً فصاح شمر، يا ابن
أبي تراب، لو كان وجه الأرض كله ماء
وهو تحت أيدينا، لما سقيناكم منه قطرة
إلا أن تدخلوا في بيعة يزيد، ثم رجع
العباس إلى الحسين وهو يسمع صراخ
الأطفال من العطش، فأخذ قربته وحاربهم
حتى وصل إلى الماء فملأ القربة وحملها
متوجهاً نحو الخيام وأحاط به الأعداء
من كل جانب ورموه بالنبال حتى صار
درعه كجلد القنفذ من السهام، فكمن له
زيد بن ورقاء من ورائه وقطع يمينه
وهنا ارتجز (عليه السَّلام)
يقول:
والله إن
قـــــــطعتمو يـــــمــــــيني إني
أُحــــــــامي أبـــــداً عـن ديني
وعــــــن إمام
صــــــادق اليــــقين نجل
النـــــــبـــــــي الطاهر الأمين
يؤكد على أن اندفاعه
إنما هو عن الدين والإسلام والحسين
(عليه السَّلام) في الحقيقة يمثل
الإسلام، وقاتل حتى ضعف ثم أصاب
القربة سهم وأُريق ماؤوها وجاء من
ضربه بعمود من حديد فانقض عليه الحسين
(عليه السَّلام) فوقف عليه منحنياً
وقال أخي، الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي
وشمت بي عدوي، ولعل الحسين لهذا السبب
لم يحمله إلى المخيم وبقي مرقده
الشريف منفصلاً عن الشهداء، وهو كما
قال الشاعر:
أحـــــق النــــــاس
أن يــبكى عليه فتى أبكى
الحســـــــين بكــــــربلاء
أخـــــــوه
وابـــــــن والـــــده علي أبـــــو
الفـــــضل المضرج بالدماء
الرضيع:

بقيت خطوة واحدة ليوضح
الإمام للرأي العام واقع الجيش
المحارب، ولم يبقَ له من الأصحاب
والأقرباء أحد سوى النساء والأطفال،
وقد رأى ولده الرضيع عبد الله يلوك
بلسانه من شدة الجفاف حيث لم يجد
اللبن في ثدي أُمه التي بقيت مع آل
الرسول عطاشى فجاء الحسين إلى أُخته
زينب قال: ناوليني ولدي الرضيع حتى
أُودعه وجاء به نحو القوم قائلاً: يا
قوم إن كنا في زعمكم مذنبين فما ذنب
هذا الرضيع، وقد ترونه يتلظى عطشاً
وهو طفل لا يعرف الغاية ولم يأتِ
بجناية ويلكم اسقوه شربة من الماء،
فقد جفت محالب أُمه، فتلاوم القوم
بينهم وارتبك الجيش، وهنا توجه ابن
سعد إلى حرملة الكاهلي قائلاً: اقطع
نزاع القوم، وكان من أقدر أهل الكوفة
فرمى الرضيع بسهم له ثلاث شعب فذبح
الطفل من الوريد إلى الوريد، وكان
الحسين (عليه السَّلام): يأخذ دمه
بكفه ويرفعها إلى السماء، فلا تنزل
منه قطرة واحدة.
مرقد
الحسين (عليه السَّلام):

يوجد، حول مرقد سيد
الشهداء الحسين (عليه السَّلام) مثوى
عدة أبطال من أصحابه في نفس المكان
الذي سقط الإمام على الأرض من الجواد
ثم قتل، يسمى اليوم، المقتل، وأخذ
جثمانه الطاهر من المقتل إلى المكان
الذي دفن فيه بعد ثلاثة أيام في
الضريح المقدس، وبجنبه مرقد نجله علي
الأكبر، ويليه قبور الشهداء الإثنين
والسبعين على رواية، وفي الرواق
المتصل يوجد مرقد حبيب بن مظاهر
الأسدي، وفي محاذاته تقريباً من
الجانب الآخر قبر أحد أحفاد الإمام
وهو إبراهيم المجاب، وعلى بعد
ثلاثمائة متر تقريباً يوجد مرقد أبي
الفضل العباس (عليه السَّلام)، في
روضة مستقلة وفي جنوب البلد الموقع
المسمى اليوم بمحلة المخيم، يوجد
المحل الذي أُقيم فيه مخيم الحسين حيث
كان المعسكر الحسيني بأهله وعياله،
هذا بالإضافة إلى مزارات في ضواحي
البلد، وإليك لمحة عنها:
المقتل:
وصفه عبد
الوهاب عزام في رحلاته المطبوعة بمصر
سنة 1358 هـ يقول: (وقد دخلنا المسجد
فإذا هو يدوي بالقارئين الداعين فزرنا
الضريح المبارك، ومنعنا جلال الموقف
أن نسرح أبصارنا في جمال المكان وما
يأخذ الأبصار من زينة وحلوة ورواق،
وفيه سرداب يهبط فيه نحو عشر درجات
إلى مكان مغطى بشبكة من الحديد يسمونه
(المذبح) ويقولون إن دم الحسين (عليه
السَّلام) سال فيه عندما قتل في فاجعة
كربلاء. والمشاهد على مدخل السرداب
باب فضي مزين لم يعد منذ عهد قريب
الدخول في هذا السرداب)، والذي سمعته
من المشايخ في هذا البلد أن الدرج
يبلغ الأربعين، لا كما وصفه الدكتور
عزام وليس اليوم بوسع أحد أن ينزل هذا
السرداب.
ضريح علي
الأكبر:
ويقع عند
رجلي الإمام الحسين (عليه السَّلام)
مباشرة. ويضمهما معاً الضريح المسدس
الشكل حيث يكثر طولاً عند مرقد علي
الأكبر، ويزار بزيارة مخصوصة تنبئ عن
عظمته ودوره البطولي في الجهاد
الإسلامي المقدس ضد الظلم.
ضريح
الشهداء:

المأثور أن رفات
الشهداء في واقعة كربلاء الرهيبة هي
اليوم بعد مدفن علي الأكبر، ولم يحدد
بالضبط فهذه الساحة بعد قبر علي
الأكبر تعتبر قوياً، إن مدفنهم فيها،
وإن شاع اليوم بوضع شباك خاص في زاوية
من هذه الساحة تخليداً لذكراهم
وزيارتهم هناك، والأفضل زيارتهم بعد
ذلك، وإن هذه الساحة بأكملها تعتبر
مدفنا لرفاتهم جميعاً وليست تلك
البقعة الخاصة.
قال
المامقاني في المرآة: (وأما الضريح
المعد اليوم للشهداء، والمتعارف عند
العوام بالمضي إليه وزيارة الشهداء
هناك، فمن المنكرات المتعارفة لأن
الضريح المذكور خارج عن قبور الشهداء
والمضي إليها مستلزم لأن تداس قبورهم
وتهتك حرماتهم) انتهى. إذاً فالأفضل
أن يزاروا من عند قبر الإمام (عليه
السَّلام)، وينبغي هنا أن تذكر نص
زيارة الشهداء التي تحتوي على ذكرى
هؤلاء ومدى بطولتهم وتضحيتهم في سبيل
العقيدة، رواها السيد ابن طاووس في
الإقبال بإسناده عن الناحية المقدسة
وهي تشتمل على أسمائهم وتبتدئ بذكر
علي بن الحسين (عليه السَّلام). وإليك
نص الزيارة:
(بسم الله
الرحمن الرحيم: السَّلام عليك يا أول
قتيل من نسل خير خليل، من سلالة
إبراهيم الخليل، صلّى الله عليك وعلى
أبيك إذا قال فيك: (قتل الله قوماً
قتلوك يا بني ما أجرأهم على الرحمن
وعلى انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا
بعدك العفاء). كأني بك بين يديه
ماثلاً، وللكافرين قائلاً: أنا علي بن
الحسين بن علي، نحن وبيت الله أولى
بالنبي، أطعنكم بالرمح حتى ينثني،
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي، ضرب غلام
هاشمي عربي والله لا يحكم فينا ابن
الدعي، حتى قضيت نحبك ولقيت ربك، أشهد
أنك أولى بالله ورسوله وإنك ابن رسوله
وحجته ودينه، وابن حجته وأمينه، حكم
الله على قاتلك قرة بن منقذ بن
النعمان العبدي، لعنه الله وأخزاه،
ومن شاركه في قتلك وكانوا عليك
ظهيراً، وأصلاهم الله جهنم وساءت
مصيراً، وجعلنا الله من ملاقيك
ومرافقيك ومرافقي جدك وأبيك وأخيك
وأمك المظلومة، وأبرأ إلى الله من
قاتليك في دار الخلود، وأبرأ إلى الله
من أعدائه، والسَّلام عليك ورحمة الله
وبركاته. السَّلام على عبد الله بن
الحسين، الطفل الرضيع، المرمي الصريع
المتشحط بدمه المصعد دمه إلى السماء
المذبوح بالسهم في حجر أبيه، لعن الله
راميك، حرملة بن كاهل الأسدي وذويه.
السَّلام على عبد الله بن أمير
المؤمنين المبلى بالبلاء، والمنادي
بالولاء في عرصة كربلاء، المظلوم
مقبلاً ومدبراً، لعن الله قاتله، هاني
بن ثبيت الحضرمي. السَّلام على العباس
بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه
بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له
الواقي الساعي إليه بمئة المقطوعة
يداه، لعن الله قاتليك يزيد بن الرقات
الحيتي وحكيم بن طفيل الطائي،
السَّلام على جعفر بن أمير المؤمنين،
الصابر بنفسه محتسباً، والبعيد عن
الأوطان مغترباً، المستسلم للقتال،
المستقدم للنزال، المكثور بالرجال،
لعن الله قاتله، هاني بن ثبيت
الحضرمي. السَّلام على عثمان بن أمير
المؤمنين، سمي عثمان بن مظعون، لعن
الله راميه بالسهم خولي بن يزيد
الأصبحي الأيادي والأباني الدرامي.
السَّلام على ابن أمير المؤمنين قتيل
الأباني الدرامي لعنه الله وضاعف عليه
العذاب الأليم، وصلّى الله عليك يا
محمد وعلى أهل بيتك الطاهرين،
السَّلام على أبي بكر ابن الزكي الحسن
الولي المرمى بالسهم الرمي، لعن الله
قاتله عبد الله بن عقبة الغنوي،
السَّلام على عبد الله بن الحسن بن
علي الزكي، لعن الله قاتله وراميه
حرملة بن كاهل الأسدي. السَّلام على
القاسم بن الحسن بن علي المضروب
هامته، حين نادى الحسين عمه، فجلى
عليه عمه كالصقر وهو يفحص برجله
التراب والحسين يقول:
بعداً لقوم
قتلوك وكان خصمهم يوم القيامة جدك
وأبوك، ثم قال: عز والله على عمك أن
تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك وأنت قتيل
جديل فلا ينفعك، هذا يوم كثر واتره
وقل ناصره، جعلني الله معكما يوم
جمعكما وبوأني مأواكما، ولعن الله
قاتلك عمر بن سعد بن فضيل الأسدي،
وأصلاه جحيماً، وأعد له عذاباً أليماً.
السَّلام
على عون بن عبد الله بن جعفر الطيار
في الجنان حليف الإيمان ومنازل
الأقران، الناصح للرحمن، التالي
للمثاني والقرآن، لعن الله قاتله عبد
الله بن حطبة النبهاني.
السَّلام
على محمد بن عبد الله بن جعفر الشاهد
مكان أبيه والتالي لأخيه وواقيه ببدنه
لعن الله قاتله عامر بن نهشلة
التميمي. السَّلام على جعفر بن عقيل
لعن الله قاتله، بشر بن خوط الهمداني.
السَّلام على عبد الرحمن بن عقيل، لعن
الله قاتله وراميه، عمر بن خالد بن
أسد الجهي. السَّلام على ابن القتيل،
عبد الله بن مسلم بن عقيل، ولعن الله
قاتله عامر بن صعصعة وقيل:
أسد بن
مالك. السَّلام على عبيدالله بن مسلم
بن عقيل، ولعن الله قاتله وراميه عمر
بن صبيح الصيداوي. السَّلام على محمد
بن أبي سعيد بن عقيل ولعن الله قاتله،
لقيط بن ناشر الجهمي. السَّلام على
سليمان، مولى الحسين بن أمير
المؤمنين، ولعن الله قاتله، سليمان بن
عوف الحضرمي، السَّلام على قارب مولى
الحسين بن علي، السَّلام على مسلم بن
عوسجة الأسدي، القائل للحسين وقد أذن
له بالإنصراف: أنحن نخلي عنك وبما
نعتذر إلى الله من أداء حقك، لا والله
حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم
بسيفي ما ثبت قائمة في يدي، ولا
أُفارقك ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم
به لقذفتهم بالحجارة، ثم لم أُفارقك
حتى أموت. وكنت أول من شرى نفسه، وأول
شهيد من شهداء الله قضى نحبه، ففزت
ورب الكعبة، شكر الله لك استقدامك
ومواساتك إمامك إذ مشى إليك وأنت
صريع. فقال الإمام (عليه السَّلام):
يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة.
وقرأ:
(فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر
وما بدلوا تبديلا) لعن الله المشتركين
في قتلك، عبد الله الطلابي وعبدالله
بن خشكارة البجلي. السَّلام على سعد
بن عبد الله الحنفي، القائل للحسين
وقد أذن له بالإنصراف: لا حتى يعلم
الله إنا قد حفظنا غيبة رسول الله
فيك، والله لو أعلم إني أُقتل ثم
أُحيى ثم أحرق ثم أُذرى ويفعل ذلك بي
سبعين مرة ما فارقتك، حتى ألقى حمامي
دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنما هي موتة
أو قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا
انقضاء لها أبداً، فقد لقيت حمامك
وواسيت إمامك ولقيت من الله أكثر في
دار المقامة، حشرنا الله معكم في
المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى
عليين.
السَّلام
على بشر بن عمر الحضرمي القائل للحسين
وقد أذن له بالإنصراف: أكلتني إذاً
السباع حياً إذا فارقتك وأسأل عنك
الركبان وأبذلك مع قلة الأعوان، لا
يكون هذا أبداً. السَّلام على يزيد بن
حصين الهمداني المشرقي القارئ المجدل.
السَّلام
على عثمان بن كعب الأنصاري السَّلام
على نعيم بن عجلان الأنصاري.
السَّلام
على زهير بن القين البجلي، القائل
للحسين (عليه السَّلام)، وقد أذن له
بالإنصراف، لا والله لا يكون ذلك
أبداً أأترك ابن رسول الله أسيراً في
يد الأعداء وأنجو أنا، لا أراني الله
ذلك اليوم. السَّلام على عمر بن قرظة
الأنصاري. السَّلام على حبيب بن مظاهر
الأسدي. السَّلام على الحر بن يزيد
الرياحي. السَّلام على عبد الله بن
عمير الكوفي. السَّلام على نافع بن
هلال البجلي المرادي. السَّلام على
أنس بن كاهل الأسدي. السَّلام على قيس
بن مسهر الصيداوي. السَّلام على عبد
الله وعبد الرحمن الني عروة بن حراق
الغفاريين. السَّلام على جون مولى أبي
ذر الغفاري. السَّلام على قاصد وكرش
ابن زهير التغلبيين. السَّلام على
كنعان بن عتيق. السّلام على ضرغام بن
مالك. السَّلام على جوير بن مالك
الضبعي. السَّلام على عمر بن ضبيع
الضبعي. السَّلام على زيد بن ثبيت
القيسي. السَّلام على عبد الله وعبيد
الله ابني يزيد بن ثبيت القيسي.
السَّلام على عامر بن مسلم. السَّلام
على قعنب بن عمر النمري. السَّلام على
سالم مولى عامر بن مسلم. السَّلام على
سهل بن مالك. السَّلام على زهير بن
بشر الخثعمي. السَّلام على بدر بن
معقل الجعفي. السَّلام على مسعود بن
الحجاج وابنه. السَّلام على مجمع بن
عبد الله العائذي. السَّلام على عمار
بن حسان بن شريح الطائي. السَّلام على
حيان بن حارث السلماني الأسدي،
السَّلام على جندب بن حجر الخولاني.
السَّلام
على عمر بن خالد الصيداوي. السَّلام
على زائر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي.
السَّلام على جبلة بن علي مدينة
الكلبي. السَّلام على أسلم بن كثير
الأسدي. السَّلام على قاسم بن حبيب
الأسدي. السَّلام على عمر بن الأحدوث
الحضرمي، السَّلام على أبي ثمامة عمر
بن عبد الله الصائدي.
السَّلام
على حنظلة بن أسعد الشيباني السَّلام
على عبد الرحمن بن عبد الله بن الكدم
الأربحي. السَّلام على عمار بن أبي
سلامة
الهمداني.
السَّلام على عابس بن شبيب الشاكري.
السَّلام على شوذب مولى شاكر ورحمة
الله وبركاته).
مرقد حبيب
بن مظاهر الأسدي
:


كان حبيب شيخاً جليلاً
حافظاً للقرآن. قال الكشي: كان حبيب
من الرجال السبعين الذين نصروا الحسين
(عليه السَّلام) واستقبلوا الرماح
بصدورهم والسيوف بوجوههم وهو يعرض
عليهم الأمان فيأبون ويقولون: لا عذر
لنا عند رسول الله صلّى الله عليه
وآله أن يقتل الحسين ومنا عين تطرف.
ولقد خرج حبيب وهو يضحك فقيل له: ليست
هذه الساعة، فقال: فأي موضع أحق من
هذا بالسرور؟ أنظر أيها الزائر المؤمن
درجة الإيمان في هؤلاء الأبطال ودورهم
وعقيدتهم في سبيل نصرة الإسلام والحق
وعلينا إن كنا من شيعتهم حقاً أن
نفتدي بهم في دورهم البطولي في الدفاع
عن الحق.
مرقد
إبراهيم المجاب:


يقع في الشمال الغربي
وهو أول فاطمي انتقل إلى الحائر في
عام 241 هـ بعد مقتل المتوكل العباسي،
كما في (غاية الاختصار) لابن زهرة ص
(89) وهو من نسل الإمام موسى بن جعفر،
قال ابن زهرة: (وبنو المجاب إبراهيم
بن موسى، قالوا:
سمي
بالمجاب لرد السَّلام، وذلك لأنه دخل
إلى حضرة أبي عبد الله الحسين، فقال:
السَّلام عليك يا أبي فسمع صوت،
(وعليك السَّلام يا ولدي). وقيل: إن
جثمانه نقل إلى الحائر. قال السيد حسن
الصدر في نزهة المهدي بحر العلوم إن
هذا القبر قبر إبراهيم المرتضى، إذ أن
إبراهيم المرتضى مدفون خلف قبر الإمام
الحسين بستة أذرع في الجانب الشمالي
للضريح وليس له قبر ظاهر اليوم).
المخيم:

 
وفي خارج الصحن
الحسيني في الجنوب الغربي يوجد مكان
يعرف بالمخيم الحسيني ويقع في محلة
المخيم المعروف اليوم ولا يزال الزوار
والوفود تجتمع لتجديد الذكرى السنوية
في نفس المقام الواقع على طريق الحر -
كربلاء اليوم ويقام مركز سنوي يمثل
فيه بحرق الخيام كما حصل في العاشر من
محرم وهذا المأتم يقام سنوياً في كل
عام وعلى باب المخيم توجد هذه الأبيات:
هــــــذي خيــــــام
بني النبي محمد بالطف حــــــصناً
شــــــيدت للدين
قــــــد خـــصها
الباري بكل فضيلة شرفاً فــــــلا
بـــــــيت لهــا بقرين
ســــــلها إذا
أشـــرفت في أعتابها أين الحســــــين
بـــعبرة وشجون
فـــــتجبك هــــا
قــد نالها وأصابها من بــــــعده
أعداؤه مــــــــزقوني
ضواحي كربلاء:
يوجد حول
مرقد الإمام الحسين كثير من مصارع
الشهداء في سبيل الإسلام ومراقد
الإعلام والمؤمنين منها:
مرقد الحر:

في غربي كربلاء يبعد
عن المدينة سبعة كيلو مترات جاءت
الإشارة إليه في كثير من المصادر منها
(موجز تاريخ البلدان العراقية) للحسني
ص (67) يقول: وهي على بعد ثلاثة أميال
من غرب كربلاء مرقد الحر بن يزيد
الرياحي الزعيم العراقي الذي جاهد مع
الحسين ضد جيش يزيد بن معاوية وقبره
بديع تعلوه قبة من الكاشي الملون
ويزوره أكثر الذين يزورون كربلاء كما
يقصده أكثر الأهالي للنزهة والرفاهة
لما يحيط بالمزار من البساتين وعلى
باب قبة القبر كتابة نصها: (قد عمر
هذا المكان بهمة حسين خان شجاع
السلطان في محرم الرابع عشر
1325
هـ وكان أول من
شيد هذا القبر الشاه إسماعيل الصفوي
يوم دخل بغداد وحكمها)، ويرى الزائر
لدى دخوله عند باب الإيوان قد عمر
بسعي الحاج السيد عبد الحسين كليدار
في عام 1330 هـ - وفي الجانب الآخر
أيضاً المكان قد عمر بهمة حسين شجاع
السلطان في عام 1330 هـ وعلى الباب
الرئيسي للصحن من شعر الشيخ رؤوف
الغزالي مطلعه:
بـــــــباب الـــــحر
قد لــــذنا جميعاً نسيل الـــــــدمع
حــــزناً للرياحي
وقد تبرع في عصرنا
الحاج حسن الوكيل من التجار الأخيار
بمد الكهرباء من كربلاء إلى مدينة
الحر في عام 1963.
مرقد عون:

(ومنها
عون) على مسافة اثني عشر كيلو متراً
شرقي كربلاء في طريق بغداد. والمشهور
أنه قبر عون بن عبد الله بن جعفر
الطيار وأن أمه زينب بنت علي. وفي
(إرشاد)
المفيد أنه وأخوه محمد دفنا فيما يلي
رجلي الحسين (عليه السَّلام)
في المشهد
الحسيني، ويقال: إنه عون بن عبدالله،
وإن عون بن عبد الله وأمه جمانة بنت
المسيب كان من بين قتلى كربلاء انتهى.
وقال السيد الأعرجي في
(مناهل
الضرب) إنه عون بن عبد الله بن جعفر
بن زكي بن علي بن الحسين البنفسج ابن
إدريس بن داود بن أحمد بن عبد الله بن
موسى الجواد ابن عبد الله بن الحسن
المثنى بن الحسن السبط وكانت له ضيعة
فخرج إليها وأدركه الموت في كربلاء
ولكن الناس اشتهر عندهم أنه عون بن
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. والسيد
الأعرجي هو من رجال علم النسب
العارفين بهذا الفن. وجاء في (العراق
قديماً وحديثاً) للحسني إن خاله أرسله
لاستشارة المسيب بن مجيد الغزالي
وجماعة من بني أسد فاعترضه أصحاب ابن
حوبة الذين عاد إليه قاد الجيش يريد
حراسة المشرعة مع أصحاب الحسين من أخذ
الماء منها وقتله فدفن في محله انتهى.
قال الشيخ مجيد الهر في مشهد الحسين
وهو من خطباء كربلاء المعاصرين ونقل
عن مخطوطات بني أسد أنه حل كربلاء في
أوائل القرن الرابع الهجري رجل يقال
له عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي
بن علي يعزى إلى الحسن المجتبى وعند
حلوله الأرض المقدسة لقي حفاوة
وتكريماً من الأسديين القاطنين في
كربلاء، فطلبوا منه البقاء بجوار عمه
سيد الشهداء، فلبى الدعوة وحل الأرض
ومنح ضيعة تسقى من نهر العلقمي تبعد
ثلاثة فراسخ عن المرقد الحسيني
المطهر، وكان كثير التردد عليها
فصادفه الأجل المحتوم ودفن بها بوصية
منه فشيدوا له قبة من الجص والآجر
وقال أيضاً: إن اليوم الثالث عشر من
صفر اتخذت من ذلك اليوم كل عام عادة
عند قبره وبعد ثلاثة أيام ينصرفون
وكانت هذه العادة مستمرة منذ وفاته
وحتى عام 1310 هـ تركت هذه العادة
وعوض عنها أنه في كل سنة من فصل
الربيع حتى عام 1340 هـ فنسخت هذه
العادة بسبب حادثة انتهى. وقد قام
الحاج مهدي العطار المعاصر بتشييد
وتوسيع المرقد وأحدث بئراً لسقي
الزوار وأصبحت اليوم هذه البقعة عامرة
مأهولة بالزوار.
ملاحظة:
إن منطقة
الفرات الأوسط تتضمن رفات كثير من
أبطال الكفاح الإسلامي، والجهاد في
سبيل التحرر من الظلم ومقاومة
الظالمين، وأصبحت مزاراتهم مورداً
للتقديس من الذين يدركون مدى تضحية
هؤلاء في سبيل الإسلام. فإذاً لا
يمكننا الاستقصاء ولعل من يجد نفسه
قادراً أن يقوم بذلك في المستقبل
فلنشر لبعضهم:
زيد الشهيد:


وهو زيد بن علي بن
الحسين (عليه السَّلام) وتعرف المدينة
اليوم باسمه استشهد في الثاني من صفر
(120 هـ) في الكوفة عن عمر يناهز
اثنين وأربعين عاماً.
قال في
(المراقد): مشهده عامر بالزائرين
والوفود في ليالي الجمع والمواسم
الإسلامية ويقع في الشرق الجنوبي
لقرية الكفل يبعد حدود الفرسخين عنه،
وهذا المشهد هو موضع دفنه، قال ابن
حجر في (الصواعق): كان زيد من أكابر
العلماء وأفاضل أهل البيت في العلم
والفقه، وقد كتب سيد مشايخنا السيد
محمد مهدي الكاظمي رسالة بعنوان
(البرهان الجلي في إيمان زيد بن علي)،
أورد باستيفاء شهادة الإعلام من
الفريقين في حقه. كان زيد رحمه الله
منكراً على هشام بن عبد الملك الأموي
وبايعه أهل الكوفة وبعد شهادته دفنوه
ليلاً تحت نهر بعد أن سكروا ماء النهر
وحفروا فيه قبراً وألقوا عليه الحشيش،
ثم أهالوا عليه التراب وأجروا فيه
الماء خشية أن يمثل به الأعداء وكان
عند الدفن غلام سندي لبعضهم فذهب في
غده إلى يوسف بن عمر والي الكوفة
ورئيس شرطته وأخبر بموضع دفنه فبعث
الوالي الشرطة وفتشوا القبر وأخرجوا
جسده الطاهر وحملوه على جمل وكان عليه
قميص هاروني فألقى به بقصر الإمارة
فخر كأنه جبل وأمر يوسف بن عمر بقطع
رأسه وصلب جسده الشريف منكوساً في سوق
الكناسة في الكوفة مع جملة من أصحابه
وبقي مصلوباً على الخشبة سنين كما في
رواية ثم أنزلوه وأحرقوه في كناسة
الكوفة جنب تل التراب كما في (أمالي)
الصدوق
وقال الأعداء فيه:
صـــــلبنا لكم زيداً
على جذع نخلة ولم أرَ مهدياً علـــى
الجذع يصلب
ولما وصل خبر شهادته
إلى الإمام الصادق (عليه السَّلام)
حزن عليه حزناً عظيماً حتى بان عليه
وفرق من أمواله على عيالات من أُصيب
معه ألف دينار وقال
(عليه
السَّلام): عند الله احتسب عمي زيداً
إنه كان نعم العم عمي، كان رجلاً
لدنيانا وآخرتنا، وقال الإمام الباقر
(عليه السَّلام) في زيد: سيد من أهل
البيت والطالب بأوتارهم لقد أنجبت أم
ولدتك يا زيد. (منها) عبد الله المحض
أبو محمد عبد الله بن الحسن المثنى بن
الإمام الحسن، كان قد تولى صدقات أمير
المؤمنين (عليه السَّلام) بعد أبيه
الحسن، وكان شجاعاً خطيباً مهيباً،
استشهد في سجن المنصور الدوانيقي في
الهاشمية في العراق يوم الأضحى عام
145 هـ مع ستة إخوان من إخوانه وبني
عمه.
قال في
(المراقد): مرقده وآل الحسن في
الهاشمية عند قبائل الخفاجة اليوم،
وكانت قبورهم في بنية واحدة مستطيلة
بالقبور السبعة، تبعد عن قرية الكفل
حدود الفرسخ على الطريق العام القديم
من الكوفة إلى القاسم بن الإمام موسى
بن جعفر (عليه السَّلام) انتهى.
قال المقرم
في (زيد الشهيد): قبره في موضع الحبس
في الهاشمية عند قنطرة الكوفة مع
جماعة من بني الحسن تعرف قبورهم
بالسبعة، وكان المنصور الدوانيقي
يكنيه بأبي قحافة تشبيهاً له بعثمان
بن عامر التميمي، لأنه بويع ابنه أبو
بكر وهو حي، كما بويع النفس الزكية
وأبوه حي، كما في (غاية الاختصار)،
ولما حج المنصور الدوانيقي عام 144 هـ
أمر واليه أن يبعدهم إلى الربذة
متكوفين مقيدين بالسلاسل في أرجلهم
وأعناقهم وأركبهم أغلب مركب بغير وطاء
ولما خرج بهم من المدينة على هذه
الصفة قال الإمام الصادق: والله لا
تحفظ لله حرمة بعد هؤلاء. إن المنصور
أخذهم وسار بهم إلى الربذة فمر بهم
على بغلة شهباء فناداه عبد الله بن
الحسن: يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا
بأُسراكم يوم بدر.
فاخزي أبو
جعفر وثقل عليه ومضى. وحبس عبد الله
وجماعته في سجن الهاشمية عند القنطرة
المؤدية إلى الكوفة، وكان حبسهم في
مطمورة تحت الأرض لا يعرف فيها الليل
من النهار في مدة ستين يوماً، ثم أمر
المنصور بأن يقتلوا في السجن جميعاً،
وعلى أثر إخراجهم من المدينة أعلن
الإمام الصادق (عليه السَّلام)
استنكاره الشديد في كتاب وجهه إلى
الحسن المحض، ولم يوجه إلى أحد من
الظالمين لعلمه بأن الاستنجاد بهم لا
يكون ذا نفع فكان الكتاب إلى الحسن
المحض نصاً:
(بسم الله
الرحمن الرحيم الخلف الصالح والذرية
الطيبة من ولد أخيه وابن عمه، أما بعد
فلئن كنت قد تفضلت أنت وأهل بيتك ممن
حمل معك بما أصابكم ما انفردت بالحزن
والغبطة والكآبة وألم موجع للقلب
دوني، فلقد نالني من ذلك من الجزع
والقلق وحر المصيبة مثلما نالك، ولكني
رجعت إلى ما أمر الله جل جلاله به
المتقين من الصبر وحسن العزاء) وهكذا
كانت الفرصة الوحيدة للإمام الصادق أن
يستنكر من هذا الظلم بما يتيسر آنذاك
وفي تلك الظروف وذلك بإرسال الرسالة
التي وجهها إليه.
ناحية
القاسم:
في طريق
الحلة؛ الديوانية مرقد القاسم بن
الإمام موسى بن جعفر (عليه السَّلام)،
وكان أُمه أم ولد تكنى أم البنين وهو
أخو الإمام الرضا أباً وأماً، ولما
استشهد الإمام الكاظم (عليه السَّلام)
توارى القاسم عن الأعداء واختفى في
هذه الناحية حتى توفي. جاء في (إعلام
الورى) لأبي علي الطبرسي بإسناده عن
الإمام الكاظم (عليه السَّلام) قوله
لأبي عمارة: (أخبرك
يا أبا عمارة إني خرجت من منزلي
فأوصيت إلى بني علي وأشركت معه بني في
الظاهر وأوصيته في الباطن وأفردته
وحده، ولو كان الأمر إليّ جعلته في
القاسم ابني لحبي إياه، ورأفتي عليه،
ولكن ذلك إلى الله تعالى يجعله حيث
يشاء)، انتهى. ونص السيد علي بن طاووس
في (مصباح الزائر) على استحباب زيارة
القاسم، وهناك حديث مسموع مستفيض روي
عن الإمام الرضا (عليه السَّلام) أنه
قال: (من لم يقدر على زيارتي فليزر
أخي القاسم).
قال
الحموي: (شوشة قرية بأرض بابل أسفل من
حلة بني مزيد بها قبر القاسم بن موسى
الكاظم بن جعفر الصادق بالقرب منها
قبر ذي الكفل وهو حزقيل، كما في
(معجم
البلدان) 5 - 307 وعقبه في (المراقد)
قائلاً: هذا خلط منه بل اشتباه لأن
القبر الذي في شوشة هو قبر القاسم بن
العباس بن موسى بن جعفر، وقد صرح بذلك
السيد ابن عنبة في (عمدة الطالب)
أيضاً، وشوشة قرية من قرى الكوفة تقرب
من الكفل بفرسخ شرقاً وفي زماننا يعرف
هذا المرقد بقبر القاسم بن موسى، وقد
تقول الأعراب بأنه قبر الكاظم ويقع في
مقاطعة النجمية، وقال أيضاً: وكان
للقاسم بن موسى (عليه السَّلام) مرقد
ومشهد قديم البناء وقد تداعى وطرأت
عليه عمارات آخرها العمارة القائمة
اليوم ويعهد تاريخ بنائها إلى أواخر
القرن الثالث عشر، وقد أمكننا معرفة
التواريخ التالية ففي عام
14
جدد البناء
السلطان إسماعيل الأول، ورسم فيه
صندوقاً خشبياً خاصاً باسمه وفي عام
1288 هـ جددت العمارة على نفقة السيد
آغا علي شاه الحسيني، وفي عام 1325 هـ
أجرى السيد محمد نجل السيد مهدي
القزويني الإصلاحات، ونصب شباكاً من
الفضة على نفقة الشيخ خزعل الكعبي
أمير عربستان وكتب على الشباك في
تاريخه:
شـــــــاد أبـــــو
المــــعز عز قدره خير ضريح لابن
موســـــى الكاظم
إن فاخــــــر
الـــضراع في تاريخه فأرخوه
فضـــــــريح الـــــــقاســـم
وفي عام (1369) هـ
كسيت القبة بالكاشي بسعي الحجة الشيخ
قاسم محي الدين، وفي عام (1341) هـ
قامت عشيرة الجبور ببناء الصحن الشريف
وفي عام (1380) هـ أسس السيد الحكيم
مكتبة عامة في الصحن الشريف، وفي عام
(1385) هـ قام أخي الأكبر السيد محمد
تقي رحمه الله بتوسيع الصحن الشريف
بما يناسب للزائرين، واهتم اهتماماً
كبيراً بتجديد الضريح المقدس، وتوجد
اليوم رخامة تكشف عن تاريخ العمارة
وإليك نصها:
(وقد بنى
هذا المشهد الشريف والضريح المبارك
قربة إلى الله تعالى وطلباً لمرضاته
لسيدنا المحترم قاسم بن الإمام الهمام
موسى بن جعفر (عليهما السَّلام)
والإكرام السيد الجليل والسند النبيل
العلوي الفاطمي آغا علي شاه الحسيني
ابن السيدين المحتشمين السيد حسن
الحسيني المدعو بآغا خان والمخدرة
بيبي سركار وكان ذلك في شهر ذي القعدة
الحرام سنة 1288 من الهجرة).
الحمزة
الغربي:
مرقده قريب
من مرقد القاسم في طريق الحلة
الديوانية، والمشهور عند الناس أنه
قبر الحمزة بن الإمام موسى بن جعفر،
وليس كذلك بل هذا هو الحمزة بن القاسم
بن علي بن حمزة بن الحسين بن عبد الله
بن أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين
فهو من أولاد أبي الفضل العباس (عليه
السَّلام). قال السيد حسن الصدر: هو
أبو يعلى الثقة الجليل قبره جنوب
الحلة بين دجلة والفرات، له مزار
معروف، وكانت الأعراب تقول إنه قبر
حمزة بن الكاظم، وهو غلط وأظهره السيد
مهدي القزويني أنه أبو يعلى، انتهى.
قال فيه النجاشي المتوفى سنة (450) هـ
حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن
الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي
بن أبي طالب (عليه السَّلام) أبو
يعلى، ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير
الحديث له كتاب، من روى عن جعفر بن
محمد من الرجال، هو كتاب حسن، وكتاب
التوحيد، وكتاب الزيارات والمناسك،
وكتاب الرد على محمد بن جعفر الأسدي،
قال:
أخبرنا الحسين بن
عبد الله، قال: حدثنا علي بن محمد
القلانسي عن حمزة بن القاسم بجميع
كتبه انتهى. قال في (المراقد): مرقده
قريب من قرية المزيدية إحدى قرى الحلة
الفيحاء الجنوبية عند قبائل البوسلطان
وهو اليوم مشيد بارز الجدران يقصده
الزائرون وأرباب الحوائج في التوسل
إلى الله تعالى، وفي
(المراقد)
في الهامش: قبره مجلل شيدت عليه قبة
بارزة مرتفعة البناء بنيت بالكاشي
الأزرق المشجر يحيط قبره صحن مزدحم
بالزائرين يقصده المرضى والمصابون
ليالي الجمعات بكثرة حتى يكون حول
مرقده في بعض الجمعات خلق كثير. وفي
عام 1339 هـ أنشأ مرقده والقبة
الموجودة اليوم بسعي رئيس قبيلة
البوسلطان وبعض التجار والوجوه فقد
بذلوا المصاريف الطائلة وقد أرخ
البناء الشيخ جاسم الحلي بقوله:
لا تـــــــلمني
عـــــلى وقوفي بباب تـــــــتمنى
الأملاك لثـــــــم ثــراها
هــــــي بـــــاب
لحمزة الفضل أرخ جــــــابر
الكــــــرخ بالقلوب بناها
ولا يخفى أن المرقد
يعرف بالحمزة الغربي تمييزاً عن مرقد
السيد أحمد بن هاشم بن علوي بن الحسين
الغريبي البحراني من نسل إبراهيم
المجاب والذي يوجد بين الديوانية
والرميثة والذي يعرف بالحمزة الشرقي.
قال في (المراقد): أما تسميته بالحمزة
عند السواد قيل: لأن الأعراب لم تكن
تعرف اسمه الحقيقي وتعتقد أن اسمه
الحمزة فبهذه المناسبة سموه بالحمزة
الشرقي نسبة إلى مرقد أبي يعلى، انتهى.
طفلا مسلم:



مشهدهما قرب مدينة
المسيب بين كربلاء وبغداد. والمشهد
مكان لشهادة طفلي مسلم بن عقيل بن أبي
طالب واسمهما محمد وإبراهيم. قال
السيد عبد الرزاق المقرم رحمه الله في
كتابه (مسلم الشهيد)، إن السيرة بين
الشيعة على المثول بمشهدهما الواقع
قرب المسيب تفيد القطع به، وبناء على
ما أفادته الرواية من إلقاء بدنهما في
الفرات يكون هذا الموضع إما محل القتل
وإما أنهما أُخرا فدفنا هناك، انتهى.
قال في (المراقد): مرقدهما في الضواحي
القريبة لمدينة المسيب الواقعة على
ضفة نهر الفرات، هذا على المشهور
المعروف، وقد طرأت على قبريهما
عمارات، ولم تزل عامرة مشيدة وعلى كل
قبر قبة في حرم واحد مستطيل أمام
قبريهما صحن فيه الغرف للزائرين وغير
خفي أن هذه الشهرة قد مضت عليها قرون
وقرون حتى وصلت إلينا ولم ينكرها أحد
من مشاهير علماء الشيعة الإمامية،
انتهى. وقد روى الشيخ الصدوق المتوفى
سنة 381 هـ في كتابه (الأمالي) رواية
مفصلة عن كيفية مقتلهما وكيفية
احتجازهما مع المعاندين فروى بإسناده
عن حمران بن أعين عن أبي محمد شيخ
لأهل الكوفة قال: لما قتل الحسين بن
علي أُسر في معسكره غلامان صغيران
فأُتي بهما لعبيد الله بن زياد فدعى
سجاناً له فقال: خذ هذين الغلامين
إليك فمن طيب الطعام لا تطعمهما ومن
البارد فلا تسقهما وضيق عليهما
سجنهما، وكان الغلامان يصومان النهار
إلى آخر قصتهما بتفصيل ذكره الصدوق
(ره).
الكاظمية


ولد الإمام الكاظم
(عليه السَّلام) بالأبواء بالحجاز، في
يوم الأحد سابع صفر سنة 128 هـ، وتوفي
ببغداد مسموماً في يوم الجمعة السادس
من رجب 183 هـ.
قال ابن
حجر (هو وارث أبيه علماً ومعرفة
وكمالاً وفضلاً يسمى الكاظم لكثرة
تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل
العراق بباب قضاء الحوائج عند الله
وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم).
وجاء في
(مختصر أخبار الخلفاء) (أن الإمام
الكاظم هو صاحب الشأن العظيم والفخر
الجسيم كثير التهجد، الجاد في
الاجتهاد المشهود له بالكرامات
المعروف بالعبادات). وقال الخطيب
البغدادي: (كان يدعى العبد الصالح،
لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه
بالليل). قال الشيخ المفيد: إنه أجلّ
ولد أبي عبد الله الصادق قدراً
وأعظمهم محلاً، وأبعدهم في الناس
صيتاً، ولم يرَ في زمانه أسخى منه،
ولا أكرم نفساً وعشرة، وكان أعبد أهل
زمانه وأورعهم وأجلهم وأفقههم واجتمع
جمهور شيعة أبيه على القول بإمامته،
والتعظيم لحقه والتسليم لأمره)، وروي
عن أبيه (عليه السَّلام) نصاً عليه
بالإمامة، والإشارة إليه، وروى جماعة
من كبار الشيعة كمفضل بن عمر الجعفي
وصفوان الجمّال وغيرهم ممن نقلوا عنه
النص عليه بالإمامة وروى الشيخ
الكليني هذه النصوص في (الكافي).
من حياة
الإمام (عليه السَّلام):
أسس الإمام
(عليه السَّلام) قرية على ثلاثة أميال
من المدينة تسمى الأبواء وفيها ولد
الإمام الهادي (عليه السَّلام). وكانت
مواقفه صلبة تجاه الظالمين فما كانت
تفوته المصلحة الإسلامية العامة
للمسلمين في سيرته أبداً، ففي سنة 161
هـ أمر المهدي بتوسعة المسجد الحرام،
وامتنع أرباب الدور من ذلك. فسئل
الإمام (عليه السَّلام) عن هذا
الموضوع، فكان جواب الإمام ما نصه: إن
كانت الكعبة هي النازلة بالناس،
فالناس أولى ببنائهم، وإن كان الناس
هم النازلون بفناء الكعبة فالكعبة
أولى بفنائها. ولما انتهى الجواب إلى
المهدي أمر بهدم الدور، ثم كتب الإمام
رسالة بوجوب ترضية أصحاب الدور، وكان
الإمام (عليه السَّلام) يسعى سعياً
جاداً في إنعاش الحالة الاقتصادية في
المجتمع الإسلامي. فإذا بلغه عن الرجل
ما يكره من ضعف أو سوء المعاش في
حياته، بعث إليه بصرة دنانير، وكانت
صرره تعد، مثلاً، ففي
(مقاتل
الطالبيين) قال: إذا بلغه عن الرجل ما
يكره، بعث إليه بصرة دنانير، وكانت
الصرة ما بين 200 إلى 300 ديناراً.
وكانت صرر موسى مثلاً، وهذا النص
يفيدنا أن الإمام (عليه السَّلام) كان
دوماً يسعى سعياً جاداً في إيصال
الحقوق الشرعية إلى أصحابها المحتاجين
وصيانة المجتمع الإسلامي اقتصادياً،
ومواقفه مع الطغاة والظالمين كانت من
أصلب وأروع المواقف وقال في حديث له
لهارون الرشيد: أنت إمام الأجساد،
وأنا إمام القلوب. مع أن هارون هو
الذي يقول عنه الأندلسي كان شديد
الوطء على العلويين وشيعتهم يتتبع
خطواتهم ويقتلهم كما جاء في (العقد
الفريد) المجلد الأول ص142. وقال ابن
الأصير عن هارون، كان يكره الشيعة منذ
صباه، وهم يخافونه من قبل الخلافة،
فلما تولى الخلافة أمر بإخراج
الطالبيين جميعاً من بغداد إلى
المدينة. (الكامل لابن الأثير المجلد
السادس ص47).
وذكر
المؤرخون أن هارون الرشيد زار قبر
الرسول صلّى الله عليه وآله مع جماعة
من قريش وأعيان القبائل وكان الإمام
موسى بن جعفر (عليه السَّلام) منهم
فلما انتهى إلى القبر. قال هارون:
السَّلام عليك يا رسول الله يا ابن
عمي مفتخراً بذلك على من حوله، فقال
الإمام الكاظم (عليه السَّلام):
السَّلام عليك يا أبي فتغير وجه
الرشيد وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن.
(الشذرات الذهبية لابن طولون ص 101).
ولما سأله
الرشيد يوماً: أتقولون بأن الخمس لكم
أجاب عليه الإمام (عليه السَّلام):
نعم، قال الرشيد: إنه لكثير، فقال
الإمام، إن الذي أعطاه لنا، علم أنه
غير كثير. (البحار المجلد 11 ص280).
قال الخطيب
البغدادي في تاريخه (بعث موسى بن جعفر
إلى الرشيد من الحبس رسالة جاء فيها
أنه لن ينقض عني يومٌ من البلاء، إلا
ينقضي عنك يومٌ من الرخاء، حتى نقضي
جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء، يخسر
فيه المبطلون). وروى الزمخشري في
(ربيع الأبرار)، أن هارون كان يقول
لموسى: خذ فدكاً، وهو يمتنع فلما ألح
عليه قال: ما آخذها إلا بحدودها. قال
هارون: وما حدودها، قال الإمام: الحد
الأول عدن فتغير وجه الرشيد، قال:
والحد الثاني قال سمرقند قال والحد
الثالث، قال: أفريقيا فاسود وجهه، قال
والحد الرابع قال سيف البحر.
وبذلك أراد
الإمام الكاظم (عليه السَّلام) أن
فدكاً ليست إلا رمزاً للحق المغتصب
ولا ترجع إلى أهلها إلا بالحكومة
الإسلامية العادلة، ولما وجه هارون
الخطاب إلى الإمام (عليه السَّلام)
قائلاً: لِمَ جوزتم للعامة والخاصة أن
ينسبوكم إلى رسول الله، ويقولون لكم:
يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي
وإنما المرء ينسب إلى أبيه وفاطمة
إنما هي وعاء النبي جدكم من قبل
أُمكم، أجابه الإمام الكاظم (عليه
السَّلام): لو أن النبي نشر فخطب إليك
كريمتك، هل كنت تجيبه. قال الرشيد:
سبحان الله ولم لا أُجيبه بل افتخر
على العرب والعجم وقريش بذلك، قال
الإمام (عليه السَّلام): لكنه لا يخطب
إليَّ ولا أُزوجه لأنه ولدني ولم
يلدك، فقال الرشيد: أحسنت، ثم قال
الرشيد: كنتم قلتم أنكم ذرية النبي،
وإنما العقب للذكر لا للأُنثى وأنتم
ولد الإبنة ولا يكون لها عقب، ولا
أعفيك من كل ما أسألك عنه حتى تأتيني
فيه بحجة من كتاب الله. قال الإمام
الكاظم (عليه السَّلام): بسم الله
الرحمن الرحيم (ومن ذريته داود
وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون
وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى
وعيسى)، من أبو عيسى، فقال هارون: ليس
لعيسى أب. فقال الإمام (عليه
السَّلام): إنما ألحقناه بالأنبياء عن
طريق مريم وكذلك أُلحقنا بالنبي من
قبل أُمنا فاطمة. ثم قال الإمام: يا
هارون أزيدك قول الله عز وجل: (فمن
حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل
تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا
ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل
فنجعل لعنة الله على الكافرين).
ولم يدع
أحد أن النبي أدخل تحت الكساء عند
مبايعة النصارى إلا علي بن أبي طالب
وفاطمة والحسن والحسين (عليهم
السَّلام). فكان تأويل قوله عز وجل
أبناءنا الحسن والحسين ونساءنا فاطمة
وأنفسنا علي بن أبي طالب (عليه
السَّلام). وهكذا كانت مواقف الإمام
(عليه السَّلام) في الحد من المحاولات
والدعايات العباسية المعادية في
التشكيك في قيادة أهل البيت، بالرغم
من نص النبي صلّى الله عليه وآله
بقوله: لكل بني آدم عصبة إلا بني
فاطمة. أنا وليها وعصبتها فإن نسل
النبوة في التاريخ قد انتشر وامتازت
سيرة هذا النسل بأروع وأمجد المثل
الإسلامية ويكفينا من النصوص المأثورة
قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً
إلا المودة في القربى) وقوله تعالى:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيرا) وقول الرسول
صلّى الله عليه وآله: (إنما مثل أهل
بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركب فيها
نجى ومن تخلف عنها غرق.
إن أهل
البيت هم وحدهم الذين جسدوا الإسلام
عملياً للناس بصمودهم وتضحيتهم لقلع
أطماع المفسدين، وأناروا السبيل
بهداهم، إذ هم خير فرع لخير أصل.
ويحتفظ
التاريخ الإسلامي من هذه التضحيات
بالشيء الكثير، فليراجع (مقاتل
الطالبيين)، كما ذكرنا في المعجم
بطولاتهم النادرة في بدر وأُحد
والكوفة وكربلاء.
فأهل البيت
قاموا بأعظم دور في تاريخ الإسلام،
وتحملوا الكثير من العنت والإرهاق من
الذين أقاموا دولهم على حساب دمائهم
من الأمويين، ولم يكتفوا بذلك حتى
أمعنوا بالكيد والافتراء عليهم.
تراث
الإمام (عليه السَّلام):
والإمام
الكاظم (عليه السَّلام)، بالرغم من
الرقابة العباسية الشديدة للأُمة، نشر
التراث الإسلامي بالطرق المتيسرة
آنذاك، قال الدكتور محمد يوسف موسى في
كتابه (الفقه الإسلامي) ص160، ونستطيع
أن نذكر أن أول من كتب في الفقه هو
الإمام الكاظم الذي مات سجيناً سنة
183 هـ، وكان ما كتبه إجابة عن مسائل
وجهت إليه تحت اسم الحلال والحرام.
وهذا
العطاء الفكري من الإمام الكاظم (عليه
السَّلام) كان بالرغم من كل أنواع
الرقابة كما ظهر من كلمات الرواة عنه،
قال هشام بن سالم: كنا بالمدينة بعد
وفاة جعفر الصادق، فقعدنا في بعض أزقة
المدينة إلى قوله... ونحن كذلك إذ
رأيت شيخاً يومئ إليَّ بيده فخفت أن
يكون عيناً من عيون أبي جعفر المنصور
(إرشاد
المفيد)، وأيضاً كلما جاء من يسأل
الإمام من أصحابه فقال له الإمام
(عليه
السَّلام): سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت
فهو ذبح، قال الإمام نفسه لسائل إذا
هدأ الرجل وانقطع الطريق فأقبل.
وبالرغم من هذه الرقابة ساهم الإمام
(عليه السَّلام) مساهمة فعالة بما
يتيسر له في نشر الثقافة الإسلامية
الأصيلة.
قال ابن
طاووس في (مهج الدعوات)، عند ذكره
دعاء الجوشن، روى أبو الوضاح بإسناده
عن أبيه عبد الله بن زيد الذي كان من
أصحاب الإمام الكاظم، قال عبد الله
أنه كان جماعة من خاصة أبي الحسن
(عليه السَّلام) من أهل بيته وشيعته
يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح
من آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق بكلمة
أو أفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوه
منه في ذلك. وآثاره (عليه السَّلام)
من الرسائل وأجوبة المسائل منتشرة،
وخاصة وصيته لهشام وهي وصية طويلة
أوردها الحراني في (التحف) والكليني
في (الكافي) بإسناده، ومن أقواله
(عليه السَّلام) قوله اجتهدوا في أن
يكون زمانكم أربع ساعات، ساعة لمناجاة
الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة
لمعاشرة الإخوان الثقاة الذين يعرفوكم
عيوبكم ويخلصون لكم في الباطل، وساعة
تخلون فيها بلذائذكم في غير محرم
وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات.
وكان
الإمام الكاظم (عليه السَّلام) في
سيرته متمسكاً بطريقته المثلى ونكتفي
من الآثار المنتشرة في بطون الكتب
والتواريخ، بذكر بعض أحاديث المسند
الذي رواه أبو حمران موسى بن إبراهيم
المروزي عن الإمام (عليه السَّلام)
مباشرة،
فقد عثرت على نسخة من هذا المسند في
سنة 1388 هـ في المكتبة الظاهرية
بدمشق ونشرته عام 1389 هـ، وإليك نص
الأحاديث مجردة من الأسناد، وكلها
تنتهي إلى رسول الله صلّى الله عليه
وآله أو أمير المؤمنين (عليه السَّلام).
قال الإمام
الكاظم (عليه السَّلام) بإسناده: من
أصبح وأكبر همه غير الله فليس من الله.
وقال
بإسناده: من حدث عليَّ بحديث وهو يعلم
أنه كذب فهو أحد الكاذبين.
وقال: نهى
رسول الله أن يجلس الرجل بين الرجل
وابنه.
وقال: ثلاث
يحببن على المسلم يوم الجمعة، الغسل
والسواك والطيب.
وقال: كان
النبي يعجبه أن يكون الرجل خفيف الصوت
ويكرهه أن يكون الرجل جهير الصوت.
وقال: من
رضي من الله بالرزق اليسير، رضي الله
عنه بالعمل القليل.
وقال:
إن سركم أن
تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم.
وقال: إن
رسول الله كان يعرف بالطيب إذا أقبل.
وقال: لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقال: نعم
العون الغنى على طاعة الله.
وقال: إذا
أحب أحدكم أخاه، فليسأله عن اسمه
وكنيته ولقبه واسم قبيلته.
وقال: من
حافظ على الصلوات الخمس في جماعة، لم
يكتب من الغافلين.
وقال: ما
ازداد عبد من الشيطان قرباً إلا ازداد
من الله بعداً.
وقال: رحم
الله امرءاً قال فغنم، أو سكت فسلم.
وقال: اصنع
المعروف إلى من هو أهله، ومن ليس أهله
فإن لم يكن من أهله تكن من أهله.
وقال:
المصافحة أثبت للمودة.
وقال: إذا
أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين،
وبصره بعيوب خلقه، وزهده في الدنيا.
وقال: من
قال إني عالم فهو جاهل.
وقال: إن
أفضل أخلاق المؤمنين العفو.
وقال: من
عفى عن أخيه المسلم عفى الله عنه.
وقال: خير
النساء من إذا أُعطيت شكرت وإذا منعت
صبرت.
وقال:
الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار
باللسان، وعمل بالأركان.
وقال:
لا يؤمن
عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له وإني رسول
الله بعثني بالحق، ويؤمن بالقدر خيره
وشره، ويؤمن بالبعث بعد الموت.
وفاة
الإمام الكاظم (عليه السَّلام):
كانت وفاة
الإمام الكاظم (عليه السَّلام) في
بغداد، في سنة 183 هـ في أحد سجون
الحكم العباسي على يد السندي بن شاهك
الذي حبس الإمام بأمر من هارون الرشيد
في سرداب لا يعرف فيه الليل من
النهار. وقد ضيق عليه غاية الضيق، كل
ذلك خوفاً من القوة الروحية الممتدة
في حياة المسلمين الذي كان يتمتع به
هذا الإمام العظيم، وفي نهاية المطاف
قتله بالسم. فقضى (عليه السَّلام)
شهيد الحق
صابراً محتسباً، في 25 رجب سنة 183 هـ
كما جاء في الرواية:
وكان قد
قبض على الإمام (عليه السَّلام) في 20
شوال سنة 179 هـ وهو يصلي في مسجد جده
رسول الله، وقيد وهو يقول مخاطباً
جده: إليك أشكو يا رسول الله، كما في
(المناقب) المجلد الثاني ص385. وحبس
ببغداد في سجن عيسى سنة كاملة إلى سنة
180 هـ ولما جاءه أمر الرشيد بقتل
الإمام امتنع عيسى عن ذلك. وكتب رسالة
يطلب العفو من ذلك، جاء في رسالة عيسى
ما نصه:
يا أمير
المؤمنين قد اختبرته طويلاً طول مقامه
بمن حبسته معه عيناً عليه لينظروا
حيلته وأمره وطويته ممن له المعرفة
والدراية ويجري من الإنسان مجرى الدم
فلم يكن له منه سوء قط، ولم يذكر أمير
المؤمنين إلا بخير ولم يكن عنده تطلع
إلى ولاية أو خروج ولا شيء من أمر
الدنيا، ولا دعا قط على أمير المؤمنين
ولا على أحد من الناس، ولا يدعو إلا
بالمغفرة له ولجميع المسلمين، مع
ملازمته للعبادة والصلاة فإن رأى أمير
المؤمنين أن يعفيني من أمره، أو ينفذ
من يتسلمه مني، فإني منه في غاية
الحرج. كما ورد هذا النص في (الفصول
المهمة) لابن الصباغ ولما رأى هارون
الرشيد تأثير شخصية الإمام أمر بإشخاص
الإمام إلى بغداد وحبسه عند الفضل بن
الربيع برهة من الوقت ولما أمر بقتله،
امتنع، فأطلق هارون سراحه مع الإقامة
الجبرية في بغداد، وكان يدخل على
الرشيد في كل أسبوع في يوم الخميس،
ولما شاع ذكر الإمام واجتمع به الخاص
والعام أُلقي عليه القبض مرة أُخرى
عند الفضل بن يحيى البرمكي، وقد أكرم
الإمام لما رأى فيه من عظيم المقام
ولما بلغ الرشيد ذلك، كتب إلى مسرور
الخادم، أن السبب الوحيد هو الخوف على
الملك، كما صرح هارون لابنه المأمون
قائلاً: لو نازعتني فيه لفقأت عينيك.
وكان هارون بحكم سيطرته يريد من
الإمام أن يكون آلة في يده فيحلل ما
حرم الله، وموقفه
(عليه
السَّلام) كان صلباً وكلما حاول
الجهاز الحاكم كل المحاولات
والمضايقات بالنسبة للإمام، والتخلص
من وجوده والنيل من مقامه، كان الأمر
بالعكس، فالناس يعرفون حيل أصحاب
السياسات وأقبلوا على الإمام أكثر
وأكثر.
وعلى سبيل المثال،
أرسل الحاكم العباسي مرة جارية إلى
محل سجن الإمام
(عليه
السَّلام) ظناً منهم أنهم ينالون من
سمعة الإمام ولكن الجارية وجدت نفسها
أمام الإمام، إمام الورع والتقوى
فانقلبت مصلية خاشعة، باكية، تائبة
إلى الله، ولما بلغ الخبر هارون
الرشيد قال: لقد سحرها والله موسى بن
جعفر وعمد الحكم العباسي مرة أُخرى
إلى تفريق أصحاب الإمام عنه، حتى أقرب
الناس إليه وهو ابن أخيه محمد بن
إسماعيل بن جعفر كي يقف حجر عثرة في
طريق الإمام. ولكن كانت الأخبار تنتشر
بين الوسط الاجتماعي المسلم والمجتمع
الإسلامي يرفض كل هذه المحاولات
اليائسة حتى أمر هارون الرشيد بسجن
الإمام أخيراً.
السجن
الأخير:
وكان سجن
السندي بن شاهك مولى المنصور
الدوانيقي، وهذا هو الذي وكل إليه
بحراسة دور البرامكة لما أراد الرشيد
الانتقام منهم، فسجن السندي الإمام
(عليه السَّلام) في داره الواقعة قرب
باب الكوفة من أبواب بغداد، وقد تفرغ
الإمام إلى العبادة في السجن، حتى
تولت أُخت السندي خدمة الإمام، وكانت
تنظر إليه وتبكي وتقول: (خاب قوم
تعرضوا لهذا الرجل) كما في تاريخ
بغداد ج 13
ص31، وكان
للسندي ولدان الحسين وإبراهيم، وقد
اهتدى حفيد السندي بن شاهك هذا المسمى
كشاجم، وأصبح من شعراء أهل البيت
(عليهم السَّلام).
جاء في
(مقاتل الطالبيين)، أنه لما غضب على
الفضل بن يحيى لموقفه المشرف تجاه
الكاظم حينما كان في سجنه، أمر هارون
بجلده، وقد هاج الناس واضطربوا لبيان
المعارضة من المجتمع المسلم، وفي
(البحار) أن الرشيد أوعز إلى السندي
فأخذ رطباً ووضع فيه السم، وقدمه إلى
الإمام، فأكل الإمام (عليه السَّلام)
منه رطبات، فقال له السندي: زد على
ذلك، فرمقه الإمام (عليه السَّلام)
بطرفه، وقال له: حسبك قد بلغت ما
تحتاجه إليه، وفي (روضة الواعظين)،
أراد السندي تبرئة نفسه فطلب 80
شخصاً، وقال لهم: أنظروا إلى هذا
الرجل، هل حدث له حدث، فإن الناس
يزعمون أنه قد فعل به مكروه، ويكثرون
من ذلك، وهذا منزله وفراشه موسع عليه
غير مضيق، ولم يرجه أمير المؤمنين
(ويعني هارون) سوءاً، فقال: وسأل
أحدهم الإمام فأجاب الإمام (عليه
السَّلام)، أما ما ذكر من التوسعة وما
شابه ذلك، فهو ما ذكر، غير أن أُخبركم
أيها النفر إني قد سُقيت السم في تسع
تمرات وإني بعد غد أموت، ولما سمع
السندي اضطرب مثل السعفة، ولما بلغ
الرشيد موت الإمام (عليه السَّلام)
قال: وآسوءتاه من رسول الله، كما في
(ابن الأثير)، المجلد الخامس ص130.
ولكن
الدعاية العباسية هذه وهذا الحزن الذي
أظهره هارون لم ينخدع بها المجتمع
الإسلامي واستدعى السندي فقهاء بغداد
المأجورين لينظروا إلى الإمام وهو ميت
لا أثر به وشهدوا على ذلك، كما في
(مقاتل الطالبيين) ص504 ووضعت جنازة
الإمام (عليه السَّلام) على الجسر،
ونادى المنادي هذا موسى بن جعفر الذي
تزعم الرافضة أنه لا يموت، فانظروا
إليه ميتاً، كما في (الفصول المهمة)
ص54. وبقي
ثلاثة أيام لم يوار جثمانه المقدس كما
جاء في (الرواية ص185.
ولما رأى
عم هارون الرشيد المسمى سلمان بن أبي
جعفر المنصور المتوفى سنة
199
هـ جنازة الإمام
الكاظم (عليه السَّلام) على ذلك
الوجه، ثار وصاح بولده، انزلوا إليهم،
مالكم فخذوا من أيديهم، فإن مانعوكم
فاضربوهم، واخرقوا ما عليهم من سواد
وأمر أن ينادي ألا من أراد أن يحضر
جنازة الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر
فليحضر وجهزه وكفنه بحبرة قد كتب
عليها القرآن.
وتقدم
النعش المبارك، وسار خلفه جماهير
المسلمين في بغداد، وكان يوماً عظيماً
ساد فيه الحزن والمواكب تسير، والذي
دعا سلمان إلى ذلك، قد تكون رابطة
الرحم، وقد تكون هذه الفعلة الشنيعة
قد أولدت الحقد على العباسيين
الحاكمين ولعلهم رأوا أن الثورة في
المجتمع انبثقت والاضطراب الداخلي قد
ظهر لهذا العمل المجرب، فاستدرك الأمر
بهذه الصورة، ويظهر مدى الضيق الذي
لاقاه الإمام (عليه السَّلام) في
أدعيته المأثورة التي منها دعاء
الجوشن الكبير وقد روى في (وفيات
الأعيان) المجلد الرابع ص394 (وشذرات
الذهب)
المجلد الأول ص304
قوله (عليه السَّلام):
(يا سامع
كل صوت، ويا سابق الفوت، ويا كاسي
العظام لحماً ومنشئها بعد الموت،
أسألك بأسمائك الحسنى وبإسمك الأكبر
المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه
أحد من المخلوقين يا حليماً ذا أناة
لا يقوى على أناته، يا ذا المعروف
الذي لا ينقطع أبداً، فرج عني يا الله).
وكان هارون
الرشيد شخصياً يراقب السجن ويشرف على
الحبس فيراه ساجداً، وقال يوماً
للربيع وهو ينظر إلى داخل السجن، ما
ذلك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك
الموضع فيخبره أنه ليس بثوب وإنما هو
الإمام موسى بن جعفر (عليه السَّلام).
كان الإمام
الكاظم (عليه السَّلام) يرعى مصلحة
الأُمة الإسلامية حتى في اللحظات
الأخيرة من حياته الكريمة، فكتب وصيته
وإليك نصها:
(بسم الله
الرحمن الرحيم، إن موسى يشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له وأن
محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية
لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في
القبور وأن البعث بعد الموت حق، وأن
الوعد حق وأن الحساب حق، وأن الوقوف
بين يدي الله حق، وأن ما جاء به محمد
صلّى الله عليه وآله حق، وأن ما أُنزل
به الروح الأمين حق، على ذلك أحيى
وعليه أموت وعليه أُبعث إن شاء الله
وأشهد أن هذه وصيتي بخطي، وقد نسخت
وصية جدي أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب (عليه السَّلام)، ووصية محمد بن
علي قبل ذلك نسختها حرفاً بحرف، ووصية
جعفر بن محمد على مثل ذلك، وإني قد
أوصيت بها إلى علي وبني من بعده معه
وإن شاء وأنس منهم رشداً، وأحب أن
يقرهم فذلك له، ولا أمر لهم معه أوصيت
إليه بصدقاتي وأموالي وموالي وصبياني
الذين خلفتهم وولدي إلى إبراهيم وعباس
وقاسم وإسماعيل وأحمد وأم أحمد وإلى
علي أمر نسائي دونهم، وثلث صدقة أبي
يضعه حيث يرى ويجعل فيه ما يجعل ذو
المال في ماله، فإن أحب أن يبيع أو
يهب أو ينحل أو يتصدق بها على من سميت
له وعلى غير من سميت فتلك له، وهو أنا
في وصيتي وفي مالي وفي أهلي وولدي وأن
يرى أن يقر إخوته الذين سميتهم في
كتابي هذا أقرهم وإن كره فله يخرجهم
غير مشرب عليه ولا مردود. فإن أنس
منهم غير الذي فارقتهم عليه، فأحب أن
يردهم في ولاية فذلك له، وإن أراد رجل
منهم أن يزوج أُخته فليس له أن يزوجها
إلا بإذنه وأمره، فإنه أعرف بمناكح
القوم، وأي سلطان أو أحد من الناس كفه
عن شيء أو حاله بين شيء مما ذكرت، فهو
من الله ومن رسوله بريء، وإن الله
ورسوله منه براء، وعليه لعنة الله
وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة
المقربين والنبيين والمرسلين وجماعة
المؤمنين، وليس لأحد من السلاطين أن
يكفه عن شيء وليس لي عنده تبعة ولا
تباعة ولا لأحد من ولدي له من قبلي
مال، فهو مصدق فيما ذكرت، فإن أقل فهو
أعلم، وإن أكثر فهو الصادق كذلك.
وإنما أردت بإدخال الذين أدخلتهم معه
من ولدي التنويه بأسمائهم والتشريف
لهم وأُمهات أولادي من أقامت منهن في
منزلها وحجابها، فلها ما كان يجري
عليها في حياتي، إن رأى ذلك وأما من
خرجت منهن إلى زوج فليس لها أن ترجع
إلا أن يرى علي غير ذلك وبناتي بمثل
ذلك، ولا يزوج بناتي أحد من أخوتهن،
أحد من أُمهاتهن، ولا سلطان ولا عم
إلا برأيه ومشورته فإن فعلوا غير ذلك،
فقد خالفوا الله ورسوله وجاهدوا في
ملكه وهو أعرف بمناكح قومه. وإن أراد
أن يزوج زوج، وإن أراد أن يترك ترك،
وقد أوصيتهن بما ذكرت في كتابي هذا،
وجعلت الله عز وجل عليهن شهيداً، وهو
وأم أحمد شاهدان وليس لأحد أن يكشف
وصيتي ولا ينشرها وهو منها على غير ما
ذكرت وسميت فمن أساء فعليه، ومن أحسن
فلنفسه، وما ربك بظلام للعبيد، وصلّى
الله على محمد وعلى آله، وليس لأحد من
السلطان أو غيره أن يفض كتابي هذا
الذي ختمت عليه من أسفل، فمن فعل ذلك
فعليه لعنة الله وغضبه، ولعنة
اللاعنين والملائكة المقربين وجماعة
المرسلين والمؤمنين).
وبهذه
الوصية أكد الإمام الكاظم (عليه
السَّلام) على أهمية التوعية
الإسلامية في الدعوة الإسلامية وكان
جهد الحكم العباسي تفريق كلمة
المسلمين، لذلك كانت الاتجاهات
مختلفة، وكان الاتجاه الأول المتمثل
في الإمام الرضا (عليه السَّلام) هو
الاتجاه الذي يمثل اتجاه الإمام نفسه
والاتجاه الثاني اتخذ سبيل الثورة
المسلحة، من دون اهتمام بالغ للتوعية
الإسلامية، وكان يمل هذا الاتجاه ابن
الإمام أحمد الذي خرج مع أبي السريا
في ثورة ابن الطباطبا، والاتجاه
الثالث كان الابتعاد عن مسؤولية
القيادة الإسلامية نهائياً، وكان
ممثلاً في ابن الإمام العباس الذي
اختفى واعتزل المسؤولية نهائياً، ونجد
هذه الاتجاهات الثلاث في كثير من
الأحداث الإسلامية والتاريخية يعيد
نفسه ومرة أُخرى في التاريخ الإسلامي
التزم الجمهور بوصايا الإمام واقتدوا
بالإمام الرضا (عليه السَّلام)
ليؤكدوا من جديد على أهمية الأهداف
التي قتل من أجلها الإمام (عليه
السَّلام).
لمحة عن
حياة الإمام الجواد (عليه السَّلام):


كان موقف الإمام
الجواد (عليه السَّلام) من أصعب
المواقف التي تقتضي المحافظة على
الكيان الإسلامي، والصمود واليقظة
وتوعية المسلمين من خطط الأعداء الذين
اتخذوا جانب اللين والمراوغة والدهاء
في القضاء على الوعي الإسلامي.
لقد ولد
الإمام (عليه السَّلام) في ليلة
الجمعة العاشر من رجب 195 هـ وفي ذلك
ورد النص: (اللهم إني أسألك
بالمولودين في رجب محمد بن علي
الثاني، وابنه علي بن محمد المنتجب)
والإمام الجواد هو محمد بن علي المكنى
بأبي جعفر الثاني، وأبو جعفر الأول هو
الإمام الباقر (عليه السَّلام) وعلي
بن محمد هو الإمام الهادي (عليه
السَّلام) المكنى بأبي الحسن الثالث
فإنه ولد في شهر رجب أيضاً. فميلاد
الإمامين (عليهما السَّلام) كان في
شهر واحد ولما دس المأمون السم عام
202 هـ للإمام الرضا (عليه السَّلام)،
كان المأمون الداهية هو أول من لبس
العزاء على الإمام ليوهم المجتمع
الإسلامي ببراءته من دم الإمام (عليه
السَّلام)، ومن ناحية أُخرى خشي
المأمون أن يثور ابنه الجواد في
المدينة، فخطط الداهية باستدعائه إلى
بغداد وجعله تحت الرقابة العباسية،
وزاد الرقابة بعرضه الزواج من ابنته،
ورأى الإمام (عليه السَّلام) أن في
ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين حيث لم
تجتمع شروط القيام، وفي نفس الوقت وفي
مختلف المناسبات كان الإمام (عليه
السَّلام) يفضح خططهم بالطرق المتيسرة
آنذاك، كما لا يخفى على المتأمل في
سيرته، وإن خفيت هذه الخطط على بعض
المؤرخين أيضاً.
قال في
(أعلام الورى): (كان المأمون مشغوفاً
به لما رأى من علو رتبته وعظم قدمه في
جميع الفضائل وزوجه بنته، وكان
متوفراً على إعظامه وتوقيره وتبجيله -
إلى أن قال - فلما بلغ ذلك العباسيين
غضبوا عليه وخافوا أن ينهي الأمر معه
إلى ما انتهى إليه مع الرضا، واجتمع
إليه منهم أهل بيته الأدنون منه
وحاولوا صرفه عن ذلك ولكن المأمون أصر
على ذلك).
قال السيد
الأمين نقلاً عن (تاريخ بيهق) أن
(التقي - يعني الإمام الجواد (عليه
السَّلام) عبر البحر من طريق طبس
مسينان لأن طريق قومس لم يكن مسلوكاً
في ذلك الوقت جاء من ناحية بيهق ونزل
في قرية ششتمد وذهب من هناك إلى زيارة
أبيه علي بن موسى الرضا (عليه
السَّلام) سنة 202 هـ) ثم قال السيد
الأمين إن هذا يقتضي أنه حضر لزيارة
أبيه في حياته سنة موته أو قبلها بسنة
أو لزيارة قبره بعد موته للخلاف
الواقع في عام وفاته أنه سنة 202 أو
203 هـ.
إمامته:
وصفه الشيخ
المفيد بقوله: (وكان الإمام بعد الرضا
(عليه السَّلام) بالنص عليه والإشارة
من أبيه وتكامل الفضل فيه)،
(الإرشاد/263)، فإن الإمامة والقيادة
في الإسلام إنما تثبت لمن اجتمعت فيه
مؤهلاتها من دون أي اعتبار للعادات
والتقاليد الجاهلية، كالنسب والعرق
والعمر وما شابه. وقد حاول المرجفون
التشكيك في إمامة الإمام (عليه
السَّلام) استناداً إلى بعض العادات
والأعراف التي لا توجد في الإسلام بل
صبغوها بصبغة دينية، ومن ذلك التشكيك
من ناحية العمر (ولا بد) من الإشارة
إلى ناحيتين عقلية وفقهية:
أولاً:
فإن
القيادة إنما يستحقها من اجتمعت فيه
مؤهلاتها من العلم والقدرة على
التطبيق ومسألة العمر لا قيمة لها
إطلاقاً. لذلك نجد الرسول القائد صلّى
الله عليه وآله يأمر على جيش الإسلام
صبياً مثل أُسامة بن زيد، وبالرغم من
محاولة بعض الصحابة التنقيص منه بسبب
صغره في العمر، أكد النبي قائلاً:
(انفذوا
جيش أُسامة لعن الله من تخلف عن جيش
أُسامة) مؤكداً على هؤلاء المعارضين
وهم أكبر في العمر من أُسامة أن
يتبعوه. وحتى الدعوة الإسلامية في
بدايتها لم تسلم من هذا الاتهام فقد
عارضها المشركون على أنها (صبوة)
أي دعوة
صبيان ولقبوا المسلم بالمتصابي، وكان
أول من أسلم من الرجال علي بن أبي
طالب (عليه السَّلام) وكان صبياً في
التاسعة من عمره، ولما أسلم عمر بن
الخطاب قيل: إنه تصابى، فالنبي (صلّى
الله عليه وآله) بسيرته وسنته العملية
هدم كل المفاهيم التي يعتمد عليها
المشركون والتي تعتمد على المؤهلات
الجاهلية.
والإمام
الجواد (عليه السَّلام) قد تربى في
مدرسة النبوة ورضع من ثدي الإيمان
وورث العلم من أبيه وكتبه، فهو خريج
مدرسة الإمام الرضا (عليه السَّلام)،
وقد وجد أهم مؤهلات القيادة ألا وهو
العلم، وهذا السبب الرئيسي في محاولة
الطغاة لتغيير مسيرته وتحريفها، وقد
قام الإمام (عليه السَّلام) بقدر ما
تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين
ببيانها في المناسبات.
ثانياً:
إن النصوص
الشرعية في صلاحية القيادة لمن
يستحقها من دون اعتبار العمر ويكفينا
ما قاله الله تعالى في يحيى: (يا يحيى
خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً)
[مريم: 12].
فنجد بوضوح
أن القرآن لا يعتبر مسألة العمر
والشيخوخة والأعراف الجاهلية وإن
الحكم لمن يستحقه ولو كان صبياً، وقال
الله تعالى أيضاً عن عيسى الذي تكلم
بالمهد قائلاً: (إني عبد الله آتاني
الكتاب وجعلني نبياً) [مريم: 30].
أليست
النبوة أعظم من الإمامة وقد حصلت
بالنسبة للنبوة وفي سن المهد أفلا
تحصل للإمامة؟ وقد ذكر القرآن الكريم
أنه (عليه السَّلام) تكلم في المهد،
قال سبحانه: (ويكلم الناس في المهد
وكهلاً ومن الصالحين) [آل عمران: 46].
وقال: (إذ
أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد
وكهلا) [المائدة:
110].
وفي هذه
الآيات نكتة بديعة غفل عنها المفسرون
وهي أن المراد من الكلام ليس فقط
المحادثة وإنما هو تحمل المسؤولية
الرسالية وذلك لأن الله جعل الكلام في
المهد مساوياً للكلام في الكهولة،
والمقصود هنا أن الرسالة التي يتحملها
واحدة في حالتي الصباوة والكهولة لا
تفترق هذه الرسالة لأنها نابعة من
مصدر إلهي واحد، (هذا) بالإضافة إلى
النصوص الكثيرة المروية في إمامته
(عليه
السَّلام) وقد رواها (الكافي: 1/321)
منها بإسناده عن الإمام الرضا
(عليه
السَّلام) بقوله: (هذا أبو جعفر قد
أجلسته مجلسي وصيرته في مكاني)،
(وأنا
أهل بيت يتوارث أصاغرنا من أكابرنا
القذة بالقذة)، وبإسناده عن الخيراتي
قال: كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن
(عليه السَّلام) بخراسان فقال له
قائل: يا سيدي، إذا كان كائن فإلى من؟
قال: (إلى أبي جعفر ابني، فاستصغر
القائل سن أبي جعفر (عليه السَّلام).
فقال أبو الحسن (عليه السَّلام): إن
الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم
رسولاً ونبياً صاحب شريعة مبتدأة
بأصغر من السن الذي فيه أبو جعفر
(عليه السَّلام)، (الكافي
1/322).
تراث
الإمام (عليه السَّلام):
كانت
السلطة العباسية بتخطيط المأمون
وبواسطة عملائها يحاولون مضايقة
الإمام (عليه
السَّلام) بكثرة الأسئلة له (عليه
السَّلام) في مختلف المناسبات، كي
يأخذوا نقطة ضعف منه (عليه السَّلام)،
وقد رووا أن المأمون عقد الكثير من
الاجتماعات والمناسبات لهذا الغرض ولم
يكن خافياً على أحد كما لم يكن الإمام
(عليه السَّلام) غافلاً عن الغرض من
هذه الاجتماعات ولكنه (عليه السَّلام)
كان يدفعها بالتي هي أحسن.
روى ابن
حجر (أنه لما عزم المأمون على تزويجه
بنته أم الفضل وصمم على ذلك منعه
العباسيون خوفاً من أن يعهد إليه كما
عهد إلى أبيه، ولما ذكر لهم إنه إنما
لتميزه على كل أهل الفضل علماً ومعرفة
مع صغر سنه فتنازعوا في ذلك، ثم
تواعدوا أن يرسلوا إليه من يختبره،
وأرسلوا إليه يحيى بن أكثم ووعدوه
بشيء كثير وحضر معه خواص الدولة، فأمر
المأمون بفرش لمحمد (عليه السَّلام)
فجلس عليه فسأله يحيى عن مسائل أجاب
عنها بأحسن جواب - إلى أن يقول - ثم
زوجه بنته... الخ).
وروى
الطبرسي في (الاحتجاج ص240) رواية
مشابهة عن الريان بن شبيب وهو خال
المعتصم العباسي والتأمل في الرواية
يفيد أن المخطط الأول لهذه الاجتماعات
كان المأمون نفسه بالرغم من محاولته
نسبة الدعوة إلى أفراد في المجتمع
غيره وقد ذكره الطبرسي في مختلف
الروايات بهذه المحادثات، وسنكتفي
بطرح بعضها.
قال يحيى
بن أكثم: ما تقول يا ابن رسول الله في
الخبر الذي روي أنه: نزل جبريل على
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال:
(يا محمد إن الله عز وجل يقرأك
السَّلام ويقول لك: سل أبا بكر هل هو
عني راضٍ فإني عنه راضٍ).
فقال
الإمام الجواد (عليه السَّلام): (لست
بمنكر فضل أبي بكر، ولكن يجب على صاحب
هذا الخبر أن يأتي مثال الخبر الذي
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
في حجة الدواع: (قد كثرت عليَّ
الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب عليَّ
متعمداً فليتوبأ مقعده من النار فإذا
أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب
الله وسنتي فما وافق كتاب الله وسنتي
فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي
فلا تأخذوا به، وليس موافق هذا الخبر
كتاب الله)، قال تعالى: (ولقد خلقنا
الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن
أقرب إليه من حبل الوريد) (ق: 16)،
أُخفي على الله عز وجل رضا أبي بكر من
سخطه حتى يسأل من مكنون سره، وقد أكثر
يحيى بن أكثم من هذه الأسئلة التي كان
يقصد منها تفريق كلمة المسلمين، وكان
الإمام (عليه السَّلام) يجيبه بما
يقتضيه المنطق العلمي للمحافظة على
الوحدة ويخطئه في الدعوى والهدف، وفي
النهاية أراد الإمام الجواد (عليه
السَّلام) أن يبين له وللجمهور أن
المرتزقة من الحكام ليسوا إلا آلة
بأيديهم وإنهم بعيدون عن أُصول العلم
وفي نفس الوقت كشف للمأمون أهدافه في
تفريق كلمة المسلمين لما طلب من
الإمام (عليه السَّلام) أن يناقض ابن
أكثم فسأله الإمام مسائل فقهية ليبين
مدى ارتباطهم بالسلطة ولم يتعرض
الإمام لأية مسألة عقائدية تمس وحدة
المسلمين.
فقال
المأمون: أحسنت يا أبا جعفر، أحسن
الله إليك فإن رأيت أن تسأل يحيى في
مسألة كما سألك.
فقال أبو
جعفر ليحيى أسألك؟ (وأراد الإمام أن
يبين أدب الإسلام وذلك بالاستئذان
منه)، قال: (ابن أكثم): ذلك إليك جعلت
فداك...
فقال
الإمام (عليه السَّلام): أخبرني عن
رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان
نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع
النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت
عليه فلما كان وقت العصر حلت له فلما
كانت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت
العشاء الآخرة حلت له فلما كان وقت
انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع
الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة ولم
حلت له وحرمت عليه؟.
فقال له
يحيى بن أكثم: لا والله لا أهتدي إلى
جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه
فإن رأيت أن تفيدنا.
فقال أبو
جعفر (عليه السَّلام): هذه أمة لرجل
من الناس نظر إليها في أول النهار
فكانت نظرته لها حراماً عليه، فلما
ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت
له فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت
عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت
له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها
فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء
الآخرة كفر عن الظهار فحلت له فلما
كان نصف الليل طلقها واحدة فحرمت
عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت
له.
قال:
فأقبل
المأمون على من حضر من أهل بيته، وقال
لهم: فيما قال - ويحكم أن أهل هذا
البيت خصوا من الخلق بما ترون من
الفضل.... إلى آخر كلامه.
مسألة
الزواج:
إن المأمون
زوج بنته أُم الفضل للإمام الجواد
(عليه السَّلام) لدوافعه السياسية
والتي من أهمها رقابة حركات الإمام
(عليه السَّلام)، وكان قصد الإمام
(عليه السَّلام) من الموافقة على ذلك
المحافظة على المصلحة الإسلامية، وإن
اختلف المؤرخون في أن الزواج هل وقع
في حياة الإمام الرضا
(عليه
السَّلام) أم بعد وفاته، قال (ابن
الجوزي): (لما توفي الرضا (عليه
السَّلام) أقبل ابنه محمد الجواد على
المأمون فأكرمه وأعطاه ما كان لأبيه
واختلفوا هل زوجه بنته أم الفضل قبل
وفاة أبيه أو بعدها).
قال
المسعودي: (لما توفي الرضا توجه
المأمون إلى ولده الجواد فحمله إلى
بغداد وأنزله بالقرب من داره وأجمع
على أن يزوجه بنته أم الفضل).
قال السيد
الأمين (44 - 230): (سمى بنته أم
الفضل للجواد في حياة أبيه فمن هنا
توهم أنه زوجه إياها في حياة أبيه
والحقيقة أنه سماها له في حياة أبيه
وزجها له بعد موت أبيه).
وقد حاول
المأمون الداهية أن يستغل هذا الزواج
ليوهم العامة وخصوصاً الشيعة ولاءه
لأهل البيت. وروى الشيخ المفيد في
(الإرشاد: ص227) بعض التفاصيل منها
قوله: (فلما كان من الغد حضر الناس
وحضر أبو جعفر (عليه السَّلام)
وصار
القواد والحجاب والخاصة والعامة
لتهنئة المأمون وأبي جعفر (عليه
السَّلام) فأخرجت أطباق من الفضة فيها
بنادق مسك. وبهذه الصورة أراد المأمون
الداهية أن يخفي خططه وأهدافه ويظهر
أنه اقتصر في هذه الحفلات على خاصته
من غير العباسيين، حيث لم تروَ هذه
الرواية من غير طريق أهل البيت.
وكان
المأمون يهدف من ذلك ما يلي:
أولاً -
تدفع التهمة عنه بقتل الإمام الرضا
(عليه السَّلام) سماً.
ثانياً:
كسب عواطف السذج من موالي أهل البيت.
ثالثاً:
تشديد الرقابة على الإمام (عليه
السَّلام).
وقد قبل
الإمام الزواج لكونه الحل الوحيد
للمحافظة على مصلحة الإسلام والمسلمين
ولولا ذلك لاستأصل العباسيون دعوة
الإسلام من الجذور ولكنه
(عليه
السَّلام) فضح ذلك المخطط في كل
مناسبة وبطريقة عملية وذلك بإصراره
(عليه
السَّلام) على العودة إلى وطنه
المدينة المنورة ورفض المأمون لهذا
الطلب البسيط كان يوقظ الضمائر ويفضح
أهدافه السياسية.
من أقواله
(عليه السَّلام):
المؤمن
يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله،
وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه.
توسد
الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات،
وخالف الهوس، واعلم بأنك لم تخل من
عين الله فانظر أين تكون.
لا تعادِ
أحداً حتى تعرف الذين بينه وبين الله
تعالى فإن كان محسناً فإنه لا يسلمه
إليك وإن كان مسيئاً فإن علمك له
يكفيه فلا تعاده.
* من عمل
بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
* كفى
بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة.
* راكب
الشهوات لا تستقال له عثرة.
* العامل
بالظلم والمعين له والراضي به شركاء.
* إن يوم
العدل على الظالم أشد من يوم الجور
على المظلوم.
* إن
العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم.
* لن
يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يؤثر
دينه على شهوته.
* موت
الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل.
وفاة
الإمام (عليه السَّلام):
كان
المأمون يسير في سياسته مع العلويين
وكان الإمام يفضح خططه، ففي كل مناسبة
متاحة كان الإمام (عليه السَّلام) يصر
على الرجوع إلى وطنه المدينة المنورة
والمأمون يمتنع. وفي إحدى مناسبات
الحج وافق المأمون أن يحج الإمام
(عليه السَّلام) بشرط أن يصحب معه
زوجته أم الفضل، وطبيعي أن المأمون
أراد فرض الرقابة الداخلية على الإمام
(عليه السَّلام)، وتوجه المأمون إلى
طرطوس وتوفي بها في يوم الخميس 16 رجب
216 هـ وبويع بعده أخوه المعتصم
العباسي، فأحضر المعتصم العباسي
الإمام (عليه السَّلام) إلى بغداد من
جديد، ويقول المسعودي: (ولم يزل
المعتصم وجعفر بن المأمون يدبران
الحيلة لقتله) فإذا كان الإِمام قد
رجع إلى وطنه عام 216 فقد ورد أنه
(عليه
السَّلام) رجع إلى بغداد في 8 من محرم
220هـ، وتوفي (عليه السَّلام)
في ذي
القعدة من نفس العام، ويعني ذلك أنه
(عليه السَّلام) توفي بعد تسعة أشهر
من رجوعه.
قال الشيخ
الصدوق (سمه المعتصم) وقال ابن شهر
آشوب (قبض مسموماً) وزاد ابن شهر آشوب
(أنه لما بويع المعتصم جعل يتفقد
أحوال الإِمام، فأرسل إلى أبي محمد
عبد الملك الزيات أن يرسل إليه محمد
التقي وأم الفضل، فأرسل ابن الزيات
علي بن يقطين إليه فتجهز وخرج إلى
بغداد وأكرمه المعتصم وعظمه وأنفذ
أشناس بالتحف إليه وإلى أم الفضل...
الخ).
وقال
المسعودي أيضاً: (لم يزل المعتصم
وجعفر بن المأمون يدبران ويعملان
الحيل في قتله، فقال جعفر لأُخته أم
الفضل وكانت لأُمه وأبيه في ذلك لأنه
وقف على انحرافها عنه وشدة غيرتها
عليه لتفضيله أم أبي الحسن ابنه عليها
مع شدة محبتها له ولأنها لم تُرزق منه
ولداً فأجابته إلى ذلك).
وفي رواية
العياشي في تفسيره عن زرقان صاحب أبي
داود قاضي المعتصم أنه اختلف هو
والفقهاء في تحديد موضع يد السارق،
قال الناصر: فالتفت المعتصم إلى محمد
بن علي (الجواد)، فقال ما تقول في هذا
يا أبا جعفر فقال: تكلم القوم فيه يا
أمير المؤمنين اعفني من هذا، قال
المعتصم للإمام (عليه السَّلام):
(أقسمت
عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه،
فقال: أما إذا أقسمت علي بالله فإني
أقول أنهم أخطأوا فيه السنة فإن القطع
يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع
فترك الكف، قال: وما الحجة في ذلك قال
قول رسول الله (السجود على سبعة أعضاء
الوجه واليدين والركبتين والرجلين)
فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق
لم يبقَ له يد يسجد عليها، وقال الله
تعالى: (وإن المساجد لله)
يعني به
هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها
وما كان لله لم يقطع، قال القاضي:
(فقامت القيامة وتمنيت أني لم أك حياً
ثم صرت إلى المعتصم بعد ثلاث فقلت: إن
نصيحة أمير المؤمنين عليَّ واجبة -
إلى أن قال - تترك أقاويلهم لقول رجل
يقول: شطر هذه الأُمة بإمامته ويدعون
أنه أولى منه بمقامه ثم تحكم بحكمه
دون حكم الفقهاء، قال: فتغير لونه
وانتبه لما نبهته له، وقال: جزاك الله
عن نصيحتك خيراً وأمر في اليوم الرابع
فلاناً من وزرائه بأن يدعو الجواد
(عليه السَّلام) إلى منزله، فدعاه
فأبى أن يجيبه قال: قد علمت أني لا
أحضر مجالسكم، فقال: إنما أدعوك إلى
طعام وأحب أن تطأ ثيابي وتدخل منزلي
فأتبرك بذلك، فصار إليه فلما طعم أحس
بالسم فدعا بدابته فسأله رب المنزل أن
يقيم، فقال: خروجي من دارك خير لك فلم
يزل يومه ذلك وليلته في قلق حتى قبض).
ومن تعدد
الروايات يظهر أن السلطة العباسية
حاولت بعدة طرق القضاء على الإمام، في
كل هذه المناسبات كان يظهر قولاً
وعملاً أو بكلتي الحالتين مقاطعته
الحاكمين أو الحضور في مجالسهم إلا
بالقدر الذي تقتضيه مصلحة الإسلام
والمسلمين.
من تاريخ
المزار:
حضــــــرة الــكاظمين
منها المرايا قد حكت قلب كل أهل
الطـــــــفوف
صبـــــــغتها
يـــــــد التـــجلي بكف كبرت عن
تشــــــبيهها بـــالكفوف
وروت عـــــــن
غــــدير خم صفاء فتراءت بــــــطرفي
المــــــطروف
قــــــــد أطـلت
شمساً بغير كسوف وأقلت بــــــدراً
بغــــــير خـــسوف
وطــــوت كـــــاظماً
ولفــــت جواداً فانتــــهت
بـــــالمطوي والمـلفوف
أنشأ أبو جعفر المنصور
العباسي مدينة بغداد عام 145 هـ
وسماها مدينة السَّلام ولما توفي
وخلفه ابنه جعفر في عام 150 هـ اتخذ
مقبرة سماها مقبرة قريش ولما توفي
الإمام الكاظم (عليه السَّلام) في عام
183 هـ دفن (عليه السَّلام) في تلك
المقبرة حيث مرقده الشريف اليوم. ودفن
من بعده حفيده الإمام محمد الجواد ابن
الإمام الرضا ابن الإمام الكاظم وتعرف
اليوم باسم الكاظمية تغليباً ولم
تستعمل كلمة الجوادين رعاية للأدب.
فضل
الزيارة:
لقد رويت
روايات كثيرة في فضل زيارة الإمام
الكاظم (عليه السَّلام) وكذا الإمام
الجواد، فقد روى ابن سنان أنه سأل
الإمام الرضا (عليه السَّلام):
ما لمن زار
أباك؟ قال: له الجنة. وفي الحديث أن
زيارة الإمام موسى بن جعفر
(عليه
السَّلام) كزيارة النبي، وفي آخر: من
زاره كان كمن زار رسول الله وعلياً.
وفي آخر أنه مثل زيارة الحسين (عليه
السَّلام)، وعن الرضا (عليه السَّلام)
قال: صلوا في المساجد حوله. قال
الجلالي والظاهر المراد الأروقة
الموجودة اليوم حول المرقد الشريف.
وفي رواية الواقدي قال: ما لمن زار
أبيك. قال: زوروه قلت فأي شيء من
الفضل؟ فقال: من الفضل كمن زار والده،
قلت فإن شئت ولم يمكن لي الدخول
داخله، قال: سلم من وراء الجدران، ومن
هذه الرواية يظهر الصعوبة البالغة
التي كان يعانيها المسلمون للحصول على
هذه الفضيلة.
كان المرقد
مزاراً على مختلف العصور وفي القرن
الرابع الهجري خاصة كان من المشاهد
العظيمة كما يقول الخطيب البغدادي: إن
الكاظم دفن في مقابر الشونيرية خارج
القبة، وقبره هناك مدفون يزار وعليه
مشهد عظيم فيه القناديل وأنواع الأثاث
والفرش ما لا يحد. وكان الخليفة
الطائع الذي حكم من عام 363 إلى 381
هـ يصلي الجمعة في هذا المسجد كثيراً،
ومن هنا قال الأندلسي في كتابه بغداد
في عهد الخلافة العباسية ص141 ما نصه:
(وقد أصبحت الكاظمية في عهودها الأولى
مركزاً للشيعة في أثناء الخلاف الذي
حصل) ولعله يعني بهذا الخلاف ما وقع
في عام 443 هـ الذي صارت فيه الفتن
كثيرة واحترقت على أثرها الكاظمية.
وإليك
ملخصاً لتاريخ المشهد: - في عام 336
هـ أمر معز الدولة السلطان أبو الحسين
ابن بويه بتجديد العمارة الكاظمية
وتعتبر هذه العمارة من أوسع العمارات
التي حصلت في بداية تاريخ المشهد
والمدينة بصفة عامة.
وفي عام
367 هـ على أثر زيادة الهجرة قام أبو
شجاع عضد الدولة ببناء دور للمشهد حول
مرقد الإمام الكاظم (عليه السَّلام)،
وفي عام 369 هـ بنى عضد الدولة دوراً
حول المشهد المقدس. وفي عام 377 هـ
أوصل الماء إلى الكاظمية، وكان ذلك
بمسعى أبي طاهر الزعيم، وعلى ذلك كثرت
الهجرة إلى الكاظمية وفي عام 443 هـ
احترقت الروضة الكاظمية المقدسة. وفي
عام 445 هـ جددت العمارة بعد احتراقها
بواسطة الحارث أرسلان بن عبد الله
المعروف بلقب البساسيري، وفي عام 460
هـ عمر المشهد أبو الفضل الأسعد بن
موسى القمي أحد وزراء السلجوق. وفي
عام 575 هـ جدد الروضة الكاظمية
الخليفة الناصر لدين الله وذلك
بمراقبة مؤيد الدين محمد بن العلقمي،
وفي عام 604 هـ أمر الناصر العباسي
ببناء دور للفقراء في الكاظمية بعنوان
دور الضيافة، وفي عام 622 هـ التهمت
النار المسجد وذلك في زمن خلافة
الطائع بالله فأسرع الخليفة العباسي
إلى إعادة بناء المسجد ولكن لم يتم
البناء فأتمه ابنه المنتصر، وفي عام
623 وصف ياقوت الحموي الكاظمية ومقابر
قريش بقوله: مقابر قريش وهي مقبرة
مشهورة ومحلها فيه خلق كثير وعليها
سور. وفي عام 624 أمر المنتصر بالله
العباسي بصنع صندوق على القبر الشريف.
قال الشيخ جعفر النقدي في كتابه
(تاريخ الإمامين) ما نصه (الصندوق
الساج المنتصري باقي إلى يومنا هذا في
المتحف العراقي لأن الشاه الصفوي بعد
أن جاء بصندوقي الخاتم المرصعين
بالعاج ونصبهما على قبر الإمامين أرسل
هذا الصندوق إلى المدائن ونصب على قبر
سلمان الفارسي صاحب رسول الله وعند
تأسيس دار الآثار العراقية نقل من
المدائن إليها وعلى هذا الصندوق
كتابات لطيفة وفيه من أحسن الفن
ودقائقه ما لا يوصف في تزينه وفي
كتابته اسم المستنصر بالله وتاريخه
624. قال الجلالي: زرت هذا الصندوق في
المتحف الموجود في خان مرجان في شارع
الرشيد في بغداد وقد وصف هذا الصندوق
السيد ناصر النقشبندي مدير المسكوكات
في المتحف العراقي في مقال طويل
بعنوان الآثار الخشب في دار الآثار
العربية طبع في مجلة سومر الجزء الأول
المجلد الخامس عام 1949 م، وننقل
كلامهما بالتفصيل لما فيه من الفائدة.
قالا: (صندوق ضريح الإمام موسى بن
جعفر الذي أمر بصنعه الخليفة المنتصر
بالله العباسي ولقد وجدت مديرية
الآثار القديمة العامة هذا الصندوق
على ضريح سلمان الفارسي في جامعة من
ناحية سلمان باك التابعة للواء بغداد
فنقلته من موضعه إلى دار الآثار
العربية وعرضته فيما بعد، بعد أن
رممته وأصلحت شأنه وتبين من الكتابات
التي تزينه أنه صنع في عام 624. ووضعه
على الضريح المخصص لموسى بن جعفر في
الكاظمية بأمر الخليفة المستنصر بالله
العباسي ولم يتسنى لنا تعيين تاريخ
نقله من موضعه الأول إلى ضريح سلمان
الفارسي، ولكن التاريخ يذكر أن
السلطان بويه الجلائري أمر بصنع
صندوقين من الرخام لضريحي الإمامين
موسى الكاظم ومحمد الجواد في عام 769
هـ، وكذلك أمر الشاه إسماعيل الصفوي
بصنع صندوقين من الخشب لهذين الضريحين
في عام 926 هـ وهما الموجودان هناك
الآن وفيهما تاريخ عملهما ولعل النقل
تم في غضون هذه المدة. إن هذا الصندوق
مصنوع من خشب التوت سمك الواجه خمسة
ونصف سم، وهو مستطيل الشكل منبسط
السطح يبلغ طوله 255 سم أما عرضه
فيبلغ 183 سم وعلوه
65
سم يزين حافات
غطائه كتابة نثرية غير متداخلة نقشت
داخل شبكة في زخارف نباتية متناظرة
ومتشابكة وزين هذا الصندوق زخارف
نباتية أيضاً، وهو يبرز بمقدار 3 سم
عن مستوى وجهه الجنوبي. وفي الجنوب
كتابات نثرية مشجرة متداخلة ومتناظرة
كثيرة الحروف وفي غاية الجمال
والإتقان، وقد حفرت داخل الشبكة زخارف
شجرية تعرف الآن باسم سلمي وهي أرفع
سطحاً من مستوى الكتابة، ويبلغ عرض
السطر الواحد 43 سم أما طوله في
الجنبين الصغيرين 2/91 سم وفي الجنبين
الكبيرين 189 سم وكل سطر بداخل إطار
مستطيل الشكل منقوش في أصل الخشب
ومزخرف زخرفة نباتية عرضها 12 ملم،
أما نص الكتابة النثرية التي حول
الغطاء فتبتدئ من عند الرأس:
أ
-
بسم الله الرحمن
الرحيم (إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) هذا
ما تقرب إلى الله تعالى بعمله، خليفته
في أرضه ونائبه في خلقه سيدنا ومولانا
إمام المسلمين المفروض الطاعة على
الخلق أجمعين المستنصر بالله أمير
المؤمنين ثبت الله دعوته سنة 624 هـ.
ب -
الكتابة الكوفية في الجنوب: بسم الله
الرحمن الرحيم، هذا ضريح الإمام أبو
الحسن موسى بن جعفر بن محمد بن علي
إلى أن ينتهي إلى الإمام علي بن أبي
طالب (عليه السَّلام)، انتهى.
وقد زرت
هذا الصندوق في المتحف المعروف بخان
مرجان في شارع الرشيد ونسأل الله أن
يحفظ هذه الآثار آثار أهل البيت
(عليهم السَّلام) من شر أعدائهم آمين.
وفي عام
634 هـ قصد المستنصر بالله مشهد موسى
بن جعفر (عليه السَّلام)
لتفقد
أحوال الطالبيين والعلويين بها، وفي
مسجد الإمام أمير المؤمنين. وفي عام
643 هـ في ليلة الجمعة الحادي عشر من
شهر رمضان نقل مؤيد الدين أبو الحسن
محمد بن عبد الجليل القمي الوزير من
مدفنه بمقبرة الزرادين في المأمونية
إلى تربة كان أنشأها في الكاظمية ووقف
عليها وقوفاً، وفي العهد المغولي كان
أمير قرطاي وصل إلى بغداد فعين عماد
الدين محمد بن محمد القزويني نائباً
عنه وتقدم إليه بعمارة جامع الخليفة
ومشهد موسى الكاظم ومحمد الجواد، وفي
عام 769 هـ قام السلطان الجلائري
بتعمير الكاظمية وبنى قبتين ومنارتين
وأمر بوضع صندوقين، وفي عام 703 هـ،
دخل تيمور بغداد للمرة الثانية بعد
محاصرة دامت أربعين يوماً وخرج منها
لزيارة الكاظمية، وفي عام
914
هـ الخامس
والعشرين من جمادي الثاني دخل الشاه
إسماعيل الصفوي بغداد وزار الكاظمية
وأنعم على خدمه وأمر بأن تكون المنائر
أربع، وأنشأ جامعاً لا يزال عامراً
يعرف بالجامع الصفوي، وقد جاء في
التاريخ ما نصه: بسم الله الرحمن
الرحيم، أمر بإنشاء هذه العمارة
الشريفة سلطان سلاطين العالم ظل الله
على جميع بني آدم ناصر الدين الجليل
الأحمدي رافع أعلام الطريق المحمدي
أبو المظفر الشاه إسماعيل بن الشاه
حيدر بن جنيد الصفوي الموسوي خلد الله
ألوية الدين المقيم في مكة وسلطانه
وأيده بنسف قواعد أهل الضلال بحجته
وبرهانه، وحرر ذلك في تاريخ ربيع
الثاني عام 929 هـ الهلالية، وفي عام
941 هـ الرابع والعشرين من جمادى
الأول دخل سليمان القانوني بغداد
قائماً وزار الكاظمية وأمر بإكمال ما
لم يكمل من عمارتها وفي عام 978 هـ
أكمل بناء المنارة على صحن الكاظمية،
وفي عام 1033 هـ أمر الشاه عباس
الكبير بعمل ضريح من الفولاذ لحفظ
الصندوق في الخاتم. وفي عام 1042 هـ
حدث غرق في بغداد والكاظمية فتضعضعت
جدران الحضرة فأمر الشاه صفي بترميم
ما اختل تعميره وأوعز ذلك إلى أمير
أُمراء شيروان. وفي عام 1047 هـ دخلها
السلطان مراد الرابع بعد أن حاصرها
أربعين يوماً ونهب الجنود والعساكر
بلدة الكاظمية والمشهد بما فيه من
قناديل الذهب والفضة، وقد صرح العزاوي
في (تاريخ العراق) المجلد الرابع ص 34
بقوله: إن الجيش العثماني عندما فتح
بغداد نهب ما في الحضرة الكاظمية من
قناديل فضية مرصعة وبعض المزينات وفي
عام 1048 هـ في الثاني عشر من رمضان
زار السلطان مراد الرابع الكاظمية بعد
فتح بغداد ولكنه أمر بذبح جميع
الإيرانيين أينما وجدوا وكان الكثير
منهم قد التجأ إلى المعسكر العثماني
نفسه فقتل الجميع وكان بين المقتولين
ثلاثمائة شخص كانوا قد جاءوا تلك
الأيام لزيارة الكاظمية. وفي عام 1115
هـ حج بيت الله الحرام التاجر محمود
آغا ومعه شباك لحرم ضريحي الكاظمين.
وفي عام 1211 هـ أمر السلطان محمد
الشاه الأول مؤسس الدولة القاجارية،
بإحداث بناء القبتين ورؤوس المنائر
وأضاف إليها ثلاث منائر أخرى على طراز
المنارة السابقة التي كان قد بناها
السلطان العثماني، وفي عام 1231 هـ
أمر السلطان فتح علي القاجاري
بتعميرات وتحسينات أخرى. وفي عام 1255
هـ اتفق الوزير معتمد الدولة على
تجديد إيوان الروضة المقدسة، وفي عام
1264 هـ عمر مرقد الكاظمين الفريق
نجيب باشا وقد أرخه عبد الباقي العمري
بقصيدة جاء فيها:
بعــــــون
أصــــــــحاب العبا أرخوا شـــــــاد
ســــــليم مرقد الفرقدين
وفي عام 1293 هـ جدد
بناء الصحن الشريف اعتماد الدولة
فرهاد ميرزا ابن العباس القاجاري
واستمرت التعميرات الواسعة حتى عام
1301 هـ، وفي عام 1266 هـ السابع عشر
من ذي الحجة عمر السور كله بالحجر
الكاشاني الملون وكسيت الساحة بالمرمر
كما في (تاريخ بغداد) لمحمود شكري
الآلوسي، وجاء في تاريخ العمارة ما
نصه:
بسم الله
الرحمن الرحيم، وقع الفراغ من هذا
الصحن بأمر من قصد بعمله وجه المنان
وبلوغ غرفات الجنان، الجناب المستطاب
الأشرف الأمجد معتمد الدولة فرهاد
ميرزا أدامه الله تعالى وأعز سلطانه
بحق محمد وآله الطاهرين في سنة
1178
من الهجرة النبوية
المقدسة على صاحبها آلاف التحية
والسَّلام وفي عام
1324
هجرية بذلت الحاجة
المؤمنة بنت مشير الملك الشيرازي
مقدار 250 ألف مثقال من الفضة في
تكلفة الضريح المقدس، وقد نصب في
اليوم الثالث من شهر جمادى الأول سنة
1324 هـ، وفي سنة 1332 هـ كانت
الكاظمية مركز الحركات الإسلامية في
تحرير العراق من الجيوش البريطانية
التي وصلت البصرة، فكثرت الهجرة إلى
الكاظمية من المجاهدين، وفي عام 1333
هـ فتح المجاهدون الذين كان يقودهم
السيد المهدي الحيدري وتمكنوا من دحر
الجيش البريطاني المحتل، وذلك في
الخامس من ربيع الأول عام 1333 هـ،
ولا تزال التعميرات والتجديدات مستمرة
من مختلف وجوه المسلمين للروضة
المقدسة ومنها ما حصل في عام 1387 هـ
في تجديد كثير من الأبواب والتزيينات،
وقد جاء على مصرع الباب الداخلي
للروضة أبيات منها ما يلي:
وجــــــهان للحق غير
الله ما عبدا وجه منير ووجـــــه
يستطير هدى
هـما الجواد وموسى
فاعتصم بهما فــــــفيهما الفوز دنيا
والنجاة غدا
هــــــما العماد لمن
طاحت به عمد هما الســـــــناد لظـهر
يبتغي سندا
فلا غــــــرابة لـــو
أن النظار وإن كاد الربـــــــيع عـلى
بابيهما سجدا
فــــــلا تسألني
حديثاً عن مقامهما هـــــما
إمــــامان إن قاما وإن قعدا
فــــالزم لآل
رســــــول الله تربتهم واعطف على
حبهم إن تفلت العقدا
وقد وصف المرقد الشريف
الرحالين مشيدين بجماله منهم عبد
الوهاب عزام حيث قال:
(قصدنا
الكاظمية وبلغنا المسجد المبارك فلما
دخلنا بهرنا ما فيه من جمال وزينة،
وقد لاحت فوق المسجد على جانبيه قبة
ومنارتان في حلة من الذهب الوهاج وليس
يوجد وصف لهذه المشاهد الجميلة).
وقد قال
الشيخ بهاء الدين العاملي أثناء
زيارته للكاظمية في عام 1003 هـ:
ألا يــــــا
قـــــاصداً زوراء عـــرج على
الغـــــربي مـــن تلك المقاني
ونـــــعليك اخـلعن
واسجد خضوعاً إذا لاحــــــــت
لــــــديك الـــــقبتان
فـــــتحتهما
لـــــــعمرك نار موسى ونـــــور
مـــــــحمد متــــــــقارنان
ضواحي الكاظمية
وفي ضواحي الكاظمية من
المساجد والمزارات والمراقد ما ينبغي
للزائر أن يتعاهدها ويدرس تاريخها
وإليك لمحة عنها:
1
-
مسجد براثا:





وهو في طريق الكاظمية
- بغداد مسجد عامر صلى فيه الإمام علي
(عليه السَّلام) في طريقه إلى
النهروان وهو من المساجد القديمة:
روى محمد
بن المشهدي، عن أنس بن مالك قال: لما
رجع أمير المؤمنين (عليه السَّلام) من
قتال أهل النهرون نزل براثا، وكان بها
راهب اسمه الحباب، نظر إلى عسكر أمير
المؤمنين (عليه السَّلام) فجاء
مبادراً حتى وقف على أمير المؤمنين
(عليه السَّلام)، فقال: السَّلام عليك
يا أمير المؤمنين حقاً حقاً، فقال:
وما علمك بأني أمير المؤمنين حقاً
حقاً، قال له: بذلك أخبرنا علماؤنا
وأحبارنا، فقال له يا حباب... فقال له
حباب مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله، وإنك علي
بن أبي طالب وصيه، فقال له أمير
المؤمنين (عليه السَّلام): ابن ههنا
مسجداً وسمه باسم بانيه فبناه وجعل
اسمه براثا باسم الباني له، ثم قال:
ومن أين تشرب يا حباب، فقال: يا أمير
المؤمنين من دجلة ههنا، قال: فَلِمَ
لا تحفر ههنا عيناً أو بئراً، فقال:
يا أمير المؤمنين كلما حفرنا بئراً
وجدنا ماؤها مالحة، فقال له أمير
المؤمنين (عليه السَّلام) احفر ههنا
بئراً فحفر، فخرجت عليهم صخرة لم
يستطيعوا قلعها فقلعها أمير المؤمنين،
فانقلعت عن عين أحلى من الشهد وألذّ
من الزبد إلخ، ويقول أبو محمد العوني
من شعراء القرن الرابع الهجري:
وقـــــلت بــــــراثا
كــان بيتاً لمريم وذاك ضعيف في
الأســـانيد أعوج
ولكــــــنه بــــــيت
لعيسى بن مريم وللأنبياء الزهر
مثـــــوى ومدرج
ولــــــلأوصياء
الطــاهرين مقامهم على غابر
الأيــــــام والحــق أبلج
بســبعين موصٍ بعد
سبعين مرسل جباههم فـــــيها
ســـــــجود تشجج
وآخـــــــرها
فـــــــيها صلاة إمامنا علي بذا
جـــــــاء الحديث المـنهج
وكانت براثا مركزاً
للشيعة:
قال ياقوت:
(براثا بالثاء المثلثة والقصر... كانت
قبل بناء بغداد قرية يزعمون أن علياً
مر بها لما خرج لقتال الحرورية
بالنهروان وصلّى في موضع من الجامع.
قال الخطيب
البغدادي: (كان في الموضع المعروف
براثا مسجد يجتمع فيه قوم ممن ينتسب
إلى التشيع ويقصدونه للصلاة والجلوس
فيه، رفع إلى المقتدر بالله إن
الرافضة يجتمعون في ذلك المسجد لسب
الصحابة والخروج عن الطاعة، فأمر
بكبسه يوم الجمعة وقت الصَّلاة فكبس
وأخذ من وجد فيه فعوقبوا وحبسوا حبساً
طويلاً وهدم المسجد حتى سوّى بها
بالأرض وعفى رسمه ووصل بالمقبرة التي
تليه ومكث خراباً إلى سنة ثمان وعشرين
وثلاث مائة سنة 328 هـ فأمر الأمير
بجكم (الماكاني) بإعادة بنائه وتوسعته
وإحكامه، فبني بالجص والآجر وسقف
بالساج المنقوش ووسع فيه ببعض ما يليه
مما ابتيع له من أملاك الناس، وكتب في
صدره اسم الراضي بالله الخليفة
العباسي وكان الناس يأتونه للصلاة فيه
والتبرك به، ثم أمر المتقي بالله بأن
ينصب منبر فيه كان بمسجد المنصور
معطلاً مخبوءاً في خزانة المسجد عليه
اسم هارون الرشيد فنصب في قبلة
المسجد... ولم يزل على هذا إلى أن
خربت بغداد سنة 451 هـ إحدى وخمسين
وأربعين، (تاريخ بغداد 1/109).
قال المحدث
القمي: (إن لهذا المسجد كما يبدو من
مجموع هذه الأحاديث فضائل عديدة تكفي
إحداها لو حازها مسجد من المساجد أن
تشد الرحال وتطوى المراحل ابتغاء
رضوان الله بالصلاة والدعاء فيه.
ثم ذكر
اثنى عشر خصلة منها صلاة أمير
المؤمنين (عليه السَّلام) وابنيه
الحسن المجتبى وسيد الشهداء فيه.
2 - النواب
الأربعة:


قال المحدث القمي: (من
وظائف الزائرين للعتبات المقدسة في
العراق أثناء إقامتهم في مدينة
الكاظمين الطيبة هو التوجه إلى بغداد
لزيارة النواب الأربعة الذين نابوا عن
الحجة المنتظر إمام العصر صلوات الله
عليه، وزيارة قبورهم لا تتطلب من
الزائر بذل كثير من الجهد فهي في
مدينة بغداد غير بعيد عن الوافدين من
الزوار ولو كانت منتشرة في أقصى
البلاد لكان يحق أن تشد إليها الرحال
وتطوى في سبيلها المسافات ويتحمل
متاعب السفر والشدائد لنيل ما في
زيارة كل منها من الأجر العظيم
والثواب الجزيل...).
وصفة
زيارتهم كما ذكرها الطوسي في
(التهذيب) والسيد ابن طاووس و(مصباح
الزائر)
مسنداً إلى
أبي القاسم الحسين بن روح (ره) هو أن
يسلم على رسول الله وعلي
(عليه
السَّلام) وخديجة الكبرى وفاطمة ثم
الأئمة واحداً بعد واحد ثم السَّلام
عليه باسمه واسم أبيه ثم يقول: (أشهد
أنك باب المولى أديت عنه وأديت إليه
ما خالفته ولا خالفت عليه، قمت خاصاً
وانصرفت سابقاً جئتك عارفاً بالحق
الذي أنت عليه وإنك ما خنت في تأدية
السفارة، سلام عليك من باب ما أوسعه
ومن سفير ما آمنك ومن ثقة ما أمليك،
أشهد أن الله اختصك بنوره حتى عاينت
الشخص وأديت عنه وأديت إليه ثم
السَّلام على رسول الله والأئمة من
بعده، جئتك مخلصاً بتوحيد الله
وموالاة أوليائه والبراءة من أعدائهم
ومن الذين خالفوك يا حجة المولى وبك
إليهم توجهي وبهم إلى الله توسلي) ثم
تدعو بما أحببت.
النائب
الأول - عثمان بن سعيد الأسدي السمان:
في
(المراقد
2/61): (مرقده في مدينة السَّلام
بغداد بجانب الرصافة قرب نهر دجلة
بالجانب الغربي من سوق الميدان قبلة
المسجد المعروف قديماً بمسجد الدرب،
وفي (نزهة الحرمين) للصدر (الشيخ
عثمان بن سعيد العمري من أولاد عمار
بن ياسر) ويقع في سوق الميدان.
وعن الشيخ
الطوسي: (كنا ندخل إليه نزوره مشاهرة.
من وقت دخولي إلى بغداد في سنة 408 هـ
إلى نيف وثلاثين وأربعمائة... وعمل
الرئيس أبو منصور ابن محمد فرج عليه
صندوقاً ويتبرك جيران المحلة بزيارته.
وفي
(المراقد): (وقفت على قبره سنة 1387
هـ قد كتب على بابه في سوق الميدان:
هذا مسجد نائب الإمام (عليه السَّلام)
عثمان بن سعيد العمري العسكري بتاريخ
سنة 1348 هـ وكان على قبره قبة صغيرة...).
وكانت
الشيعة في الأقطار النائية تحمل
الحقوق الشرعية في أموالها من ذهب
وفضة إلى الإمام أبي محمد الحسن
العسكري (عليه السَّلام) في ظروف
السمن وزقاقه وترسلها إليه بواسطة
العمري عثمان بن سعيد السمان، وذلك
خوفاً من السلطة العباسية الجائرة.
قال الإمام
الهادي (عليه السَّلام): (هذا أبو
عمرو الثقة الأمين ما قاله لكم فعني
يقوله وما أداه إليكم فعني يؤديه).
قال
العسكري: (هذا أبو عمرو الثقة الأمين
ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات).
قال سيد
مشايخنا الأصفهاني في أحسن الوديعة في
مزارات بغداد، (ومنها) قبر أبي عمرو
عثمان بن سعيد العمري بفتح العين
المهملة وسكون الميم وكسر الراء
وبعدها ياء نسبة إلى جده عمرو وهذا
المولى الجليل قد نصبه أولاً مولانا
علي النقي ثم ابنه الحسن العسكري
فتولى القيام بأُمورهما حال حياتهما،
ثم بعد ذلك قام بأمر مولانا الحجة
(عليه السَّلام)، وكان توقيعاته
وأجوبة المسائل وحل المشاكل تخرج على
يديه، توفي (ره) في حدود سنة 257 هـ
ودفن في داره الواقعة مما يلي سوق
الميدان خلف دائرة البريد وقد جددت
عمارته في هذه السنة شيعة بغداد، وقال
شيخنا الطوسي المتوفى سنة 460 هـ كما
في (الخلاصة)
في ص232 من (كتاب الغيبة) ص8 المطبوع
في تبريز على الحجر سنة
1323
هـ، قال أبو نصر
هبة الله بن محمد: وقبر عثمان بن سعيد
في الجانب الغربي من مدينة السَّلام
في شارع الميدان في أول الموضع
المعروف في الدرب بدرب جبلة في مسجد
الدرب يمنة الداخل إليه، والقبر في
نفس قبلة المسجد رحمه الله، قال محمد
بن الحسن مصنف هذا الكتاب رأيت قبره
في الموضع الذي ذكره وكان قد بني في
وجهه حائط وبه محراب المسجد وإلى جنبه
باب يدخل إلى موضع القبر في بيت ضيق
مظلم فكنا ندخل إليه ونزوره مشاهرة
وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد وهي سنة
ثمان وأربعمائة إلى سنة نيف وثلاثين
وأربعمائة، انتهى محل الحاجة.
أقول:
قد زرنا
هذا القبر الأنور والمرقد المطهر فقد
صار وسيعاً في الجملة إن قلت إنك ذكرت
هناك أن قبر عثمان بن سعيد في الجانب
الشرقي من بغداد وعبارة الشيخ الطوسي
المذكورة نص في أن قبره في الجانب
الغربي فكيف الجمع. قلت:
قد ذكرنا
أن للجانب الشرقي أيضاً جانبين يعبر
من القديم إلى اليوم عن أحدهما
بالجانب الغربي وهو حوالي شارع
الميدان، ويعبر عنه اليوم بباب المعظم
ويعبر عن الجانب الآخر من جانبي شرقي
بغداد بالجانب الشرقي ويعبر عنه اليوم
بباب الشيخ وبباب الشرجي، نعم إذا قيل
الجانب الغربي فالمراد عند الإطلاق
جانب الكرخ وأما إذا قيد كما في عبارة
الشيخ الطوسي فالمراد به الجانب
الشرقي المعروف بالرصافة، وإن أبيت عن
قبول ما ذكرناه وتصديق ما حررناه
فهناك نص عبارة ياقوت فإنه قال في
ص211 س10 في ج5 في معجم البلدان:
شارع
الميدان من محال بغداد بالجانب الشرقي
خارج الرصافة وكان شارعاً ماداً من
الشماسية إلى سوق الثلاثاء وفيه قصر
أم حبيب بنت الرشيد، انتهى، وفي ص291
ج/5 من المعجم عين الشماسية وفي هذه
الناحية في ص98 ج7 من المعجم ذكر أن
قصر أم حبيب في محال الجانب الشرقي من
بغداد مشرف على شارع الميدان إلخ، ولم
يسبقنا فيما ذكرناه على ما نعلم وذلك
من فضل الله تعالى وبركات إمام العصر
(عليه السَّلام) والحمد لله، انتهى
كلامه.
النائب
الثاني - الخلاني وهو أبو جعفر محمد
بن عثمان بن سعيد الأسدي: المعروف
بالخلاني توفي ببغداد 30/ج1/305 هـ.
وفي
(المراقد 1/278)، مرقده ببغداد جانب
الرصافة بالشارع المؤدي إلى باب
الكوفة قديماً والآن يقع في محلة
الخلاني نسبة إليه وإلى مرقده الطاهر
وهو أحد المراكز الشيعية في بغداد.
وفي
الهامش: وقد جدد مرقده وجامعه سنة
1349 هـ وإن تاريخ بنائه:
معـــــــبد
شـــــــرفه الله بــــــــقبر خد فيه
نــــــائب المـــــهدي محمد
شـــــاده زيــــــدان
فـــي جد ومال وأخـــــوه الــــقاسم
الشهم الممجد
عــــــمّراه
عــــــمّر الرحمن قصرا لهـــــما
فـــــي جــــنة الخلد مخلد
مـــــذ أتـــــــماه
بــــــناءً أرخــــاه (معبد
أُســــــس فـي ذكرى محمد)
وفيها مكتبة عامرة
أُسست 1394 هـ باسم مكتبة الشيخ
الخلاني العامة تدار برعاية السيد
محمد الحيدري.
قال حرز
الدين (إنه لقب بالخلاني نسبة لبيعة
الخل حيث كان يكتسب له تستراً بالكسب
عن ضغط بعض المبغضين من أهل الخلاف
كما كان الشيخ والده عثمان بن سعيد
يبيع السمن حتى عرف بالسمان).
وكان
الخلاني نائباً عن الإمام الهادي
(عليه السَّلام)
والعسكري
(عليه السَّلام):
قال السيد
الأصفهاني: (ومنها قبر الشيخ الثقة
الجليل أبي جعفر محمد بن عثمان بن
سعيد، ولما مات أبوه عثمان المشار
إليه قام ابنه أبو جعفر المنوه باسمه
مقامه وناب في الأمور مثابه، وكانت
مدة نيابته قريباً من خمسين سنة وتوفي
في آخر جمادى الأولى سنة 305 أو سنة
304 هـ على الاختلاف المذكور في ص238
من كتاب (الغيبة) لشيخنا الطوسي، وفي
تلك الصفحة من السطر الأخير، قال
الشيخ الطوسي، قال أبو نصر هبة الله:
إن قبر أبي جعفر محمد بن عثمان جد
والدته في شارع باب الكوفة من الموضع
الذي كانت دوره ومنازله فيه وهو في
وسط الصحراء قدس سره، انتهى.
أقول:
ويعرف
بالشيخ الخلاني عند أهل بغداد وقبره
كما وصف وهو واقع في أواخر بغداد
الشرقية على طريق سلمان (ره) وأطرافه
لم تكن معمورة قبلاً، وبعد الاحتلال
صارت معمورة قليلاً، وتأخذ في الزيادة
يوماً فيوماً عمارة أطرافه وله صحن
كبير زرته مراراً عديدة، تقيم الشيعة
في صحنه العزاء للحسين (عليه
السَّلام) في أيام عاشوراء، وقيل في
وجه تسمية الخلاني وجوهاً أوجههما ما
سمعته عن بعضها الأجلاء أنه قال: لما
حضرته الوفاة أرادوا نقله عند أبيه
ودفنه هناك، فقال خلوني في هذا
المكان، فاشتهر بالخلاني أو أن الحجّة
(عليه
السَّلام) خلاه بعد أبيه نائباً عنه،
فقال لشيعته (عليه السَّلام)،
خلاني أي الحجة وسمعنا غير ذلك والله
العالم، وفي ص227 من (فلك النجاة)
ومحمد بن
عثمان المعروف بالخلاني في الجانب
الشرقي من بغداد، أقول: يعني من
الجانب الشرقي من شرق بغداد كما لا
يخفى بعد ملاحظة ما ذكرناه، انتهى.
والمحلة
التي دفن فيها تعرف اليوم بباب الشيخ.
الثالث -
الحسين بن روح النوبختي المتوفى /326
هـ:
في
(المراقد
1/249): (مرقده: ببغداد جانب الرصافة
مشهور معروف مشيد عامر عليه قبة صغيرة
وفوق دكة قبره شباك مجلل يزدحم عليه
الزائرون المتعبدون، إلى جنب قبره
جنوباً مسجد صغير تقام فيه الصَّلاة
جماعة من بعض أئمة علماء الشيعة
الإمامية).
... يعرف
موضع قبره في سوق الشورجة التجاري
ببغداد في زقاق غير نافذ ويعد مرقده
اليوم من المراكز الشيعية في بغداد.
وكان
النوبختي من أوثق الناس وأعظمهم
وأدهاهم وأعرفهم بالأمور مبجلاً عند
الخاصة والعامة وكانت العامة تعظمه
وترى فيه الصدق والمعروف ولين الجانب
وعدم المعاندة.
وكانت
سفارته بعد وفاة الشيخ أبي جعفر محمد
بن عثمان العمري المعروف بالشيخ
الخلاني المتوفى ببغداد سنة 305 هـ.
بوصية منه لوجوه الشيعة قائلاً: (هذا
أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر
النوبختي القائم مقامي، والسفير بينكم
وبين صاحب الأمر (عليه السَّلام)،
والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه
في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم
فبذلك أُمرت وقد بلغت).
قال السيد
الأصفهاني: (ومنها قبر الشيخ الجليل
الثقة الأمين الحسين بن روح بن بحر بن
النوبخت من بني نوبخت وهم طائفة جليلة
من الإمامية وأغلبهم كانوا من متكلمي
الشيعة وفضلائهم وكانوا من كبار
بيوتات العلم في بغداد.
وقال شيخنا
الطوسي (ره) في ص252. من كتابه
(الغيبة): وأخبرني الحسين بن إبراهيم
عن أبي العباس أحمد بن علي بن نوح، عن
أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب ابن
بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري
(ره) أن قبر أبي القاسم الحسين بن روح
في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه
دار علي بن أحمد النوبختي النافذ إلى
التل وإلى درب الآخر وإلى قنطرة الشوك
(رضي الله عنه)، قال وقال لي أبو نصر:
مات أبو القاسم الحسين بن روح (رضي
الله عنه) في شعبان ست وعشرين
وثلاثمائة، وقد رويت عنه أخبار كثيرة،
انتهى ما أردنا نقله.
وفي
(فلك
النجاة): والحسين بن روح في داره في
سوق العطارين في الجانب الشرقي أقول:
وتلك الدار حتى اليوم موجودة وفيها
قبر الحسين بن روح (رض) واقع في محل
منخفض عن الدار مظلم والدار واقعة في
الطريق المرفوعة الكائنة على يمين من
يدخل في وسط سوق العطارين من الجانب
الشرقي، وهذه الأطراف كانت سابقاً
معروفة بمحلة النوبختية وكانت فيها
دورهم فبمرور الأيام والأزمنة خربت
وتغيرت حتى صارت على هذه الحالة، ولم
يبقَ سوى الدار المذكورة التي فيها
الحسين بن روح المشار إليه ولا يخفى
على من قرأ سير التواريخ والتراجم أن
بغداد الشرقية لما بنيت صارت بعد برهة
قليلة من الزمان مقر الخلفاء والعلماء
من الفريقين ولا سيما من كانت له صحبة
مع الخلفاء أو منصب فإن بني نوبخت
كانوا وجهاء بغداد ورؤساؤها، انتهى
كلامه.
الرابع -
أبو الحسن علي بن محمد السمري المتوفى
15/شعبان/329.
في المراقد
(مرقده ببغداد جانب الرصافة في سوق
الهرج القديم قرب المستنصرية في الضفة
اليسرى من نهر دجلة يقع قبره في حجرة
بين السوق وبين المسجد المعروف بمسجد
القبلانية وهو اليوم عامر عليه قبة
يزوره المسلمون خصوصاً وفود الشيعة
الإمامية فهو يعتبر من المراكز
الشيعية في بغداد) انتهى. ولا يزال
السوق يعرف بسوق الهرج اليوم.
قال السيد
الأصفهاني: (ومنها قبر الشيخ الجليل
الزاهد الثقة أبو الحسن علي بن محمد
السمري، قام بأمر الحجة (عليه
السَّلام) بعد مضي حسين بن روح لسبيله
ولم يقم أحد من هؤلاء النواب بالنيابة
إلا بنص عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم
إلا بعد ظهور آية معجزة تظهر على كل
واحد منهم من قبل صاحب الأمر
(عليه
السَّلام) تدل على صدق مقالتهم وصحة
نيابتهم، فلما حان رحيل أبي الحسن
المشار إليه عن الدنيا وقرب أجله
وانقطع عن الدنيا أمله قيل له: إلى من
توصي فأخرج توقيعاً إليهم نسخته هكذا:
بسم الله
الرحمن الرحيم: (يا علي بن محمد
السمري، اسمع عظم الله أجر إخوانك
فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام
ما جمع أمرك ولا توصي إلى أحد فيقوم
مقامك بعد وفاتك منذ وقعت الغيبة
التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله
تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة
القلوب وامتلاء الأرض جوراً وسيأتي
لشيعتي من يدعي المشاهدة قبل خروج
السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم) وهذه
النسخة رواها الشيخ في كتاب (الغيبة)
عن الحسن بن أحمد، وعلى ما في البحار
فيمن رآه (عليه السَّلام) بعد تلك
الغيبة وأجاب عنه أصحابنا قدست
أسرارهم بوجوه ذكرها النوري في ص285
من (جنة المأوى)، ولكن بعضها مرضى
عندنا وما ذكره شيخنا المجلسي (ره)
أقرب، قال (ره)
في ج12 في ص142-4 من (البحار) بعد نقل
الخبر عن (الاحتجاج) و(الكافي)
بيان لعله
محمول على من يدعي المشاهدة مع
النيابة وإيصال الأخبار من جانبه
(عليه
السَّلام) إلى الشيعة على مثال
السفراء، لئلا ينافي الأخبار التي مضت
وستأتي فيمن رآه (عليه السَّلام)
ويعلم، انتهى. هذا وقد توفي أبو الحسن
السمري، المذكور في النصف من شعبان
سنة 329 هـ كما في ص257 من كتاب
(الغيبة)
للشيخ الطوسي (ره) وأيضاً في الصفحة
258 من كتاب (الغيبة)
المذكورة
ما نصه:
(وأخبرني
الحسين بن إبراهيم عن أبي العباس ابن
نوح عن أبي نصر هبة الله بن محمد
الكاتب، أن قبر أبي الحسن السمري (رض)
من الشارع المعروف بشارع الخلنجي من
ربع باب المحول قريب من شاطئ نهر أبي
عتاب وذكر أنه مات (رض) في سنة تسع
وعشرين وثلاث مئة)، انتهى.
أقول: هذا
الموضع معروف من سوق الهرج وعليه شباك
من الخارج والقبر في المسجد مزار
معروف، انتهى كلامه.
مقبرة
الكليني:
قال السيد
الأصفهاني في (أحسن الوديعة 2/226)
عند ذكر مزارات بغداد: (منها قبر
الشيخ الكليني، قال العلامة في
الخلاصة: (ودفن بباب الكوفة بمقبرتها
قال ابن عبدون: ورأيت قبره في صراط
الطائي، وعليه لوح مكتوب عليه اسمه
واسم أبيه، وقال العلامة محمد مهدي
الطباطبائي النجفي: وهو الآن مزار
معروف بباب الجسر وهو باب الكوفة
وعليه قبة عظيمة، وفي رجال أبي علي
وقبره (قده)
معروف في
بغداد الشرقية مشهورة تزوره الخاصة
والعامة في تكية المولوية وعليه شباك
من الخارج إلي يسار العابر من الجسر،
وقال العلامة محمد مهدي القزويني
الحلي في ص337 من (فلك النجاة):
والكليني
في الجامع مما يلي جسر بغداد ومعه قبر
آخر يقال أنه الكراجكي أو الكيدري،
انتهى. وما نقله السيد هاشم البحراني
في (روضة الواعظين) من الكرامة يؤيد
ذلك بل يعين ولم يشك أحد من الأنام في
ذلك حتى جاء عالم الآلوسيين السيد
محمود شكري فاستبعد في كتابه (تاريخ
مساجد بغداد) أن يكون مثل هذا الموضع
مدفن مولانا الكليني، وأخذ يورد
احتمالات لا طائل تحتها وقد كنت
معتقداً بكمال الآلوسي المشار إليه
واطلاعه ولما وقعت على كتابه المذكور
تعجبت من مثله كيف استدل على مدعاه
بهذه الاحتمالات وأنت خبير بأنه لا
يجوز نفي تلك النسبة شرعاً وعرفاً بل
وعقلاً إذ لا طريق لإثبات الأملاك
والأوقاف والأنساب غالباً إلا للشهرة
المحققة، ولا داعي إلى إبطالها وسوف
نورد عبارته في كتاب آخر مذيلاً بالرد
الصحيح السديد وفي ما ذكرناه هنا
كفاية، انتهى كلامه.
وقد تكلم
الدكتور حسين علي محفوظ في ذلك بتفصيل
مفيد راجع (مقدمة الكافي)
بقلمه ط.
طهران سنة 1381 هـ وعمدت الأوقاف إلى
سد هذا الشباك النافذ إلى مرقد الشيخ
الكليني في 1368 هـ ونشرت (لواء
الوحدة الإسلامية) تباعاً في السنة
الأولى سلسلة مقالات تحتوي على
الاستنكار من هذا العمل الذي ينافي
تقدير العلماء.
4 - سلمان
باك:



يبعد 30 كم من بغداد،
في منطقة معروفة بالمدائن شرقي بغداد
قرب إيوان كسرى تزار ويعرف بـ (سلمان
باك) بمعنى الطاهر.
كان سلمان
الفارسي يكنى أبو عبد الله ويعرف
بسلمان الخير وأصله من (جي)
بأصفهان.
وكان سادن
النار في المجوسية ولما كان طالباً
للحق. هرب ولحق بالرهبان ثم قدم
الحجاز عند يهود بني قريظة في المدينة
ولما هاجر النبي (صلّى الله عليه
وآله) إليها أسلم.
وكانت له
مواقف هامة في الحروب الإسلامية أنقذ
بها الإسلام والمسلمين من الشرك، كان
أهمها وقعة الخندق حيث أشار إلى حفر
الخندق حين هاجم الأحزاب، وفيه قال
الرسول (صلّى الله عليه وآله): (سلمان
منا أهل البيت).
توفي عام
35 هـ في المدائن وقد أرسله علي (عليه
السَّلام) والياً عنه إلى المدائن
وكان بها حتى توفي.
لقد كان
(ره) من خيار الصحابة قال عنه أمير
المؤمنين: (علم العلم الأول والعلم
الآخر وهو بحر لا ينزف وهو منا أهل
البيت).
وقصة
إسلامه من أروع القصص الواقعية ذات
العبرة وسنذكرها.
وفيما قاله
رسول الله (صلّى الله عليه وآله):
سلمان منا أهل البيت في حقه كفاية فإن
هذا الكلام لم يصدر في حق أي صحابي
آخر.
وقال
الصادق (عليه السَّلام): (أدرك سلمان
العلم الأول والعلم الآخر، وهو بحر
وهو منا أهل البيت).
وفي
المراقد (1/363) مرقده في المدائن
بالقرب من نهر دجلة وطاق كسرى الأثري
في الطريق عامر مشيد عليه قبة قديمة
ورواق فخم سميك الدعائم يحوطه صحن
للزائرين فيه الغرف وبعض البيوت
وتسمية الأتراك والأكراد وجمهور
السواد في العهد العثماني (سلمان باك).
هذه هي
المعلومات الأصلية عن سلمان وقد ألف
الشيخ ميرزا حسين النوري كتاباً في
حياته باسم (نفس الرحمن).
وهنا نكتة
هي أن المجوس، في إيران وهم أقلية
دينية؛ اليوم - يحتفظون بنسخة عهد
ينسبونه إلى الرسول (صلّى الله عليه
وآله) ويدعون أن هذا العهد أعطاه
الرسول لسلمان وأخيه رأيت هذا العهد
وآثار الوضع عليه بادية وإليك قصة
حياته:
عن ابن
عباس، قال: حدثني سلمان الفارسي: كنت
رجلاً من أهل فارس من أصبهان من جي
ابن رجل من دهاقينها وكنت أحب خلق
الله إليه، فاجلسني من البيت كالحواري
فاجتهدت في الفارسية (المجوسية) وكان
أبي صاحب ضيعة وكان له بناء يعالجه
فقال لي يوماً يا بني قد شغلني ما ترى
فانطلق إلى الضيعة ولا تحتبس فتشغلني
عن كل ضيعة بهمي بك، فخرجت لذلك فمررت
بكنيسة النصارى وهم يصلون فملت إليهم
وأعجبني أمرهم وقلت: هذا والله خير من
ديننا، فأقمت عندهم حتى غابت الشمس
فما أتيت الضيعة ولا رجعت إليه
فاستبطأني، وبعث رسلاً في طلبي وقد
قلت للنصارى حتى أعجبني أمرهم أين أصل
هذا الدين؟ قالوا الشام فرجعت إلى
والدي فقال: يا بني قد بعثت إليك
رسلاً فقلت: مررت بقوم يصلون بكنيسة
فأعجبني ما رأيت من أمرهم وعلمت أن
دينهم خير من ديننا، فقال: يا بني
دينك ودين آبائك خير من دينهم، فقلت:
كلا، والله فخافني وقيدني فبعثت إلى
النصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم
وسألتهم إعلامي من يريد الشام ففعلوا
فألقيت الحديد من رجلي وخرجت معهم حتى
أتيت الشام، فسألتهم عن عمالهم،
فقالوا الأسقف فأتيته فأخبرته وقلت:
أكون معك أخدمك وأُصلي معك، قال أقم.
فمكثت مع
رجل سوء كان يأمرهم بالصدقة فإذا
أعطوه شيئاً أمسكه لنفسه حتى جمع سبع
قلال مملوءة ذهباً وورقاً (الورق بكسر
الراء مفتوحاً ما قبلها:
الفضة)
فتوفي فأخبرتهم بخبره فزجروني فدللتهم
على ماله فصلبوه ولم يغيبوه ورجموه
وأجلسوا مكانه رجلاً فاضلاً في دينه
زهداً ورغبة في الآخرة وصلاحاً، فألقى
الله حبه في قلبي حتى حضرته الوفاة
فقلت: أوصني فذكر رجلاً بالموصل، وكنا
على أمر واحد حتى هلك فأتيت الموصل
فلقيت الرجل فأخبرته بخبري وإن فلاناً
أمرني بإتيانك، فقال: أقم فوجدته على
سبيله وأمره حتى حضرته الوفاة، فقلت
له: أوصني، فقال: ما أعرف أحداً على
ما نحن عليه إلا رجلاً بعمورية فأتيته
بعمورية (عمورية بفتح أوله وتشديد
ثانيه: بلد من بلاد الروم فتحها
المعتصم سنة 223 هجرية) فأخبرته بخبري
فأمرني بالمقام وثاب لي شيئاً واتخذت
غنيمة وبقرات فحضرته الوفاة فقلت إلى
من توصي بي؟
فقال:
لا أعلم
أحداً اليوم على مثل ما كنا عليه ولكن
قد أظلك نبيّ يبعث بدين إبراهيم
الحنيفية. مهاجره بأرض ذات نخل وبه
آيات وعلامات لا تخفى، بين منكبيه
خاتم النبوة يأكل الهدية ولا يأكل
الصدقة فإن استطعت فتخلص إليه، فتوفي
فمر بي ركب من العرب من بني كلاب فقلت
أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه
وتحملوني إلى بلادكم، فحملوني إلى
وادي القرى فباعوني من رجل من اليهود
فرأيت النخل فعلمت أنه البلد الذي وصف
لي فأقمت عند الذي اشتراني منه، وقدم
بي المدينة فعرفتها بصفتها فأقمت معه
اعمل في نخله وبعث الله نبيه (صلّى
الله عليه وآله) وغفلت عن ذلك حتى قدم
المدينة فنزل في بني عمرو بن عوف،
فإني لفي رأس نخلة إذ أقبل ابن عم
لصاحبي (كان ذلك في يوم الجمعة 16 من
ربيع الأول بعد وصول رسول الله إلى
المدينة بأربعة أيام كما في كتب
السيرة) فقال: أي فلان قاتل الله بني
قيلة (يعني بهم عرب المدينة)
مررت بهم
آنفاً وهم مجتمعون على رجل قدم عليهم
من مكة يزعم أنه نبي فوالله ما هو إلا
أن سمعتها، فأخذني القر فرجفت بي
النخلة حتى كدت أسقط ونزلت سريعاً
فأقبلت على عملي حتى أمسيت فجمعت
شيئاً فأتيته به وهو بقباء عند
أصحابه، فقلت: اجتمع عندي شيء أردت أن
أتصدق به فبلغني أنك رجل صالح ومعك
رجال من أصحابك ذوو حاجة فرأيتهم أحق
به فوضعها بين يديه فكف يده وقال
لأصحابه كلوا فأكلوا فقلت: هذه واحدة،
ورجعت وتحوّل إلى المدينة فجمعت شيئاً
فأتيته به، فقلت: أحببت كرامتك فأهديت
لك هدية وليست بصدقة فمد يده فأكل
وأكل أصحابه، فقلت: هاتان اثنتان،
ورجعت فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع
الغرقد (بقيع الغرقد: أصل البقيع في
اللغة الموضع الذي فيه أروم الشجر من
ضروب شتى وبه سمي بقيع الغرقد والغرقد
كبار العوسج، وبقيع الغرقد هو مقبرة
أهل المدينة وهي داخل المدينة) وحوله
أصحابه فسلمت وتحولت أنظر إلى الخاتم
في ظهره فعلم ما أردت فألقى رداءه
فرأيت الخاتم فقبلته وبكيت فأجلسني
بين يديه فحدثته بشأني كله كما حدثتك
يا ابن عباس، فأعجبه ذلك وأحب أن
يسمعه أصحابه ففاتني معه بدر وأُحد
بالرق فقال لي: كاتب يا سلمان عن
نفسك، فلم أزل بصاحبي حتى كاتبته على
أن أغرس له ثلاثمائة ودية فسيل أربعين
أوقية من ذهب، فقال النبي (صلّى الله
عليه وآله): أعينوا أخاكم بالنخل
بأعانوني بالخمس والعشر حتى اجتمع لي،
فقال لي: أنقر لها ولا تضع منها شيئاً
حتى أضعه بيدي، ففعلت فأعانني أصحابي
حتى فرغت فأتيته فكنت آتيه بالنخلة
فيضعها ويسوي عليها تراباً فانصرف
والذي بعثه بالحق فما ماتت منها واحدة.
حذيفة بن
اليمان:

مرقد حذيفة بن اليمان
المتوفى 36 هـ على مقربة من قبر
الصحابي الكبير سلمان الفارسي - سلمان
باك - عامر مجلل.
قتل
المسلمون في (أُحد) أباه خطأ يحسبونه
عدواً ولما علم بالحقيقة استغفر
للمسلمين قائلاً: (يغفر الله لكم وهو
أرحم الراحمين) ولما بلغ ذلك رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) ازداد
عنده مقاماً وأبلى بلاءً حسناً في فتح
نهاوند سنة 30 هـ وكان الفتح على يده
واشترك في فتح تستر سنة 33 هـ كل ذلك
في خلافة عمر بن الخطاب واستقر حذيفة
بالكوفة حتى ولاّه عثمان المدائن ولما
قتل أقره الإمام أمير المؤمنين على
ولايته وكتب إليه أهل المدائن كتاباً
ومما جاء فيه:
(وقد وليت
أموركم حذيفة بن اليمان وهو ممن ارتضى
بهداه وأرجو إصلاحه وقد أمرته
بالإحسان إلى محسنكم والشدة على
مريبكم والرفق بجميعكم).
دعا حذيفة
ابنه عند موته وقال:
(يا بني
إياك وطلب الحاجات إلى الناس فإنه فقر
حاضر وكن اليوم خيراً منك أمس، وإذا
أنت صليت فصلَّ صلاة مودع للدنيا كأنك
لا ترجع وإياك وما يعتذر منه).
وجاء في
فيضانات بغداد (كان... على ضفة نهر
دجلة قبران للصحابيين عبد الله
الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وعلى أثر
هذا التآكل الذي حصل في الضفة الغربية
بمياه الفيضان نقلت الحكومة بقايا
رفاتهما إلى مشهد سلمان الفارسي عام
1350 - 1931 وبنوا لهما رسم قبرين) 1
- 296.
طاق كسرى:

مر الإمام علي (عليه
السَّلام) بالمدائن ونزل بالطاق وصلّى
ركعتين ثم طاف جميع المواضع فلما رأى
جميع آثار كسرى قال رجل ممن معه:
جرت الـــرياح على
رسوم ديارهم فـــــكأنـــــهم
كــــــانوا على ميعاد
فقال
(عليه
السَّلام): (أفلا قلت: كم تركوا من
جنات وعيون وزروع ومقام كريم...
كذلك
وأورثناها قوماً آخرين، فما بكت عليهم
السماء والأرض وما كانوا منظرين).
ثم قال
(عليه السَّلام): كانوا وارثين
فأصبحوا موروثين لم يشكروا النعمة
فسلبوا دنياهم بالمعصية إياكم وكفر
النعم، تحل بكم النقم.
قنبر علي:
هو مولى الإمام علي
(عليه السَّلام) والعامة تسميه قنبر
علي لهذه المناسبة وقبره اليوم في
السوق المعروف باسمه في بغداد قتله
الحجاج بن يوسف الثقفي.
قال الشيخ
المفيد في (الإرشاد) أنه روى أصحاب
السيرة من طرق مختلفة، أن الحجاج قال
ذات يوم أحب أن أصيب رجلاً من أصحاب
علي أتقرب إلى الله بدمه فقيل له:
ما نعلم
أحداً، كان أطول صحبة لأبي تراب من
قنبر مولاه، فبعث في طلبه فأُتي به
فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم، قال أبو
همدان، قال: نعم، قال:
مولى علي
بن أبي طالب، قال الله مولاي وأمير
المؤمنين علي ولي نعمتي، قال:
ابرأ من
دينه، قال: إذا برأت من دينه تدلني
على دين غيره أفضل منه، قال:
إني قاتلك
فاختر أي قتلة أحب إليك، قال: قد صيرت
ذلك إليك، قال:
ولم ذلك،
قال: لأنك لا تقتلني قتلة إلا قتلتك
مثلها، ولقد أخبرني أمير المؤمنين
(عليه السَّلام) إن منيتي تكون ذبحاً
ظلماً بغير حق، قال فأمر به فذبح.
سامراء
تبعد عن بغداد 120 كم
شمالاً وفيها مرقد الإمامين علي
الهادي (عليه السَّلام) والحسن
العسكري (عليه السَّلام).
عمرت
سامراء 221 هـ وخربت 279 هـ وكان
يتوافد الزوار إليها حتى عمرت من جديد
وإليك لمحة عنها:
بين
العمران والخراب:
كان
المعتصم العباسي ابن هارون الرشيد
واسمه أبو الحسن محمد قد تولى الحكم
سنة 218
هـ وفحص عن
مكان يستقوي جيشه فمر على - سامراء -
وسأل بعض الرهبان في دير فيها عن اسم
الموضع (كما يرويه ياقوت) فقال له:
نجد في كتبنا المتقدمة أن هذا الموضع
سمي سرّ من رأى وإنه كان في مدينة سام
بن نوح وإنه سيعمر بعد الدهور على يد
ملك جليل مظفر منصور له أصحاب كأن
وجوههم وجوه خير الفلاة ينزلها
وينزلها ولده، فقال: أنا والله أنزلها
وينزلها ولدي).
فالمعتصم
هو الذي بناها وعمرها - بلا خلاف ثم
بعده ابنه الواثق سنة 227 هـ ثم ابنه
المتوكل الذي بنى المئذنة المعروفة
بالملوية والمسجد الجامع بجنبه.
جاء في
(وفيات الأعيان 2/435): (ولما كثرت
السعاية في حقه عند المتوكل أحضره من
المدينة وكان مولده بها وأقره بسر من
رأى، وهي تدعى بالعسكر لأن المعتصم
لما بناها انتقل إليها بعسكره فقيل
لها: العسكر ولهذا قيل لأبي الحسن علي
الهادي المذكور العسكري لأنه منسوب
إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة
أشهر، وتوفي بها يوم الاثنين لخمس
بقين من جمادى الأخرى سنة أربع خمسين
ومائتين ودفن في داره).
ولما
استقدم المتوكل - بعد تمكنه من العرش
- الإمام الهادي (عليه السَّلام) كان
مع أهله ومنهم الحسن العسكري (عليه
السَّلام) وكان تحت رقابته واسمه
المعتز في 254 هـ وفي السنة التي ولد
فيها المهدي بن الحسن وسم المعتمد
الإمام العسكري (عليه السَّلام) في
عام 260 هـ، قال ابن الجوزي: (إنما
أشخصه المتوكل من المدينة إلى بغداد
لأن المتوكل كان يبغض علياً وذريته
فبلغه مقام علي الهادي بالمدينة وميل
الناس إليه فخاف منه، فدعا ابن هرثمة،
وقال اذهب إلى المدينة وانظر في حاله
واشخصه إلينا، قال يحيى:
فذهبت إلى
المدينة فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجاً
عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على
علي، وقامت الدنيا على ساق لأنه كان
محسناً فجعلت أسكنهم وأحلف لهم إني لم
أؤمر فيه بمكروه، وإنه لا بأس عليه،
ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف
وأدعية وكتب علم فعظم في عيني وتوليت
خدمته بنفسي وأحسنت عشرته...).
قال
المفيد: (خرج معه يحيى بن هرثمة حتى
وصل إلى سامراء، فلما وصل إليها تقدم
المتوكل بأن يحجب عنه في يومه، فنزل
في خان يعرف بخان الصعاليك وأقام فيه
يومه ثم تقدم المتوكل بإفراد دارٍ له
فانتقل إليها).
وبالرغم من
هذه الرقابة المشددة وتلك القصور
المشيدة لا نجد ذكراً للخلافة
العباسية إلا مقروناً بالخلاعة
والمجون والظلم والطغيان.
عمران جديد:
عمرت
سامراء من جديد ببركة توافد الزوار
على قبر الإمامين (عليه السَّلام)
ولعل إليه يشير كلام الإمام الحسن
العسكري (عليه السَّلام) بقوله: (قبري
أمان لأهل الجانبين).
وظهر
التشيع جلياً بعد أن قام الإمامان
فيها وشاهد الناس ما لهما من علم
وخصال حميدة ومزايا دلت على أنهما
فرعان من شجرة النبوة، وارثان لذلك
العلم الإلهي على الرغم من مناواة
العباسيين لهما واجتهادهم في منع
الناس من الاجتماع بهما واجتماعهما
بالناس ولكن الشمس تشرق على القاصي
والداني أجمع، وإن حالت السحب دون ذلك
الشعاع ويشهد لتاريخ التشيع في سامراء
- ما ذكره اليعقوبي في تاريخه (3/225)
عن حوادث عام 254 هـ ووفاة الهادي
(عليه السَّلام) (3/225).
قال: (قضي
عليه في الشارع المعروف بأبي حمد فلما
كثر الناس وأجمعوا كثر بكاؤهم وضجتهم
فرد النعش إلى داره فدفن فيها)...
ولم يزل
التشيع فيها راسخ القدم إلى أن حاربه
الأيوبي في تلك الفترة واقتفى أثره
بعد أمد بعيد - السلطان سليم العثماني
- وجرت على ذلك السياسة العثمانية من
بعده.
وقد أشار
الشيخ السماوي إلى طرفه من ذلك في
كتابه (وشائج السراء في شأن سأمراء
طبعة النجف 1360 هـ).
ومما يذكر
في تاريخ هذه المدينة المقدسة قضية
انحصار التبغ وموقف فقيه عصره السيد
محمد حسن الشيرازي - وكان نزيل سامراء
آنذاك، فعارض السلطان ناصر الدين شاه
في إعطائه امتياز التبغ للأجانب في
سنة 1318 هـ وجعل البلاد تحت وصايتهم
الاقتصادية.
ففي سنة
1306 هـ وقعت الحكومة الإيرانية بعد
سفر ناصر الدين شاه إلى لندن عام 1306
هـ مع البريطانيين معاهدة بهذا الشأن.
فوافقت
الحكومة ورفض الشعب بقيادة العلماء
ذلك، وأصدر السيد فتوى هذا نصها:
(بسم الله
الرحمن الرحيم استعمال تنباكو وتتن در
حكم محاربة با امام زمان (عليه
السَّلام) است حرره الأحقر محمد حسن
الحسيني) 5/ربيع الثاني سنة 1309 هـ
وكان لهذه الفتوى أثراً عظيماً حتى في
البلاط نفسه حيث امتنع الخدم من تعاطي
الدخان استناداً إلى هذه الفتوى.
من تاريخ
المزار:
يقع مرقده
(عليه السَّلام) في داره في محلة
العسكر اشتراها الإمام الهادي وكان
بها حتى توفي فيها، قال الخطيب
البغدادي في ترجمة الهادي (عليه
السَّلام): (إنه
اشتراها من دليل بن يعقوب النصراني
وتوفي فيها).
فلما توفي
(عليه السَّلام) دفن في وسط داره ثم
دفن بجنبه الإمام الحسن العسكري ثم
نرجس ثم حكيمة (رض) ثم الجدة أم
الإمام الحسن العسكري ثم الحسين بن
علي الهادي، ومعهم أبو هاشم الجعفري
وجعفر ابنه وهذه القبور كانت مشهداً
لأهل الدار ولمن ورد عليهم.
قال المحدث
القمي: (والمشهور الآن أن الإيوان
المستطيل المتصل بالرواق خلف العسكري
عليهما السَّلام هو المسجد بل قيل إن
الرواق الواقع خلف القبر من المسجد).
والمحكي عن
الشيخ خضر شلال في مزاره قوله:
(لا ريب في
أرجحية التأخر عن ضريح الهادي (عليه
السَّلام) بمقدار ذراع أو أزيد عند
زيارته (عليه السَّلام) لما بلغني أنه
مقدم على الشباك المنصوب في عصرنا ومن
تواريخ هذه الروضة في عام 333 هـ شيد
ناصر الدولة الحمداني الدار والضريح
بالستور، وعام 337 هـ أكمل معد الدولة
البويهي بناء الحمداني وعمر القبة
والسرداب ورتبت القوام والحجاب.
وملأ
(البئر) التي كان العسكري يتوضأ به
أحياناً إذ كان الناس يأخذون الماء
منه للبركة.
وفي عام
368 هـ سيج عضد الدولة البويهي الروضة
بالسياج والضريح، وفي عام 445 هـ ترك
الأمير أرسلان بغداد إلى تكريت وعمر
القبة والضريح وعمل الصندوق من السياج
وجعل الرمان فيه من ذهب.
سنة 495
جدد بركيا روق السلجوقي الأبواب وسيج
الروضة ورمم القبة والرواق والصحن
والدار.
سنة 606
عمر الناصر العباسي القبة والمآذن
والسرداب وكتب أسماء الأئمة الإثني
عشر على نطاق العقد علي يد الشريف معد
بن محمد.
سنة
640
هـ وقع حريق في
المشهد فأتى على ضريحي علي الهادي
والحسن العسكري فتقدم الخليفة
المستنصر بالله بعمارة المشهد المقدس
والضريحين الشريفين وأعادتهما إلى
حالتهما، وكان الضريحان مما أمر
بصنعهما أرسلان البساسيري الذي خرج
على الخليفة القائم بأمر الله.
وأبدل
المستنصر الصندوق - بعد الحريق -
وجعله من السياج وعمر الروضة على يد
جمال الدين أحمد بن طاووس.
سنة 750 هـ
زين أبو أويس حسن الجلائري الضريح
وشيد القبة وعمل البهو وشاد الدار
ونقل المقابر التي في الصحن إلى
الصحراء.
سنة 1106
هـ قام شاه حسين الصفوي الروضة
بالسياج وعمل الشباك من الفولاذ.
سنة
1200
هـ عمر أحمد
الدنبلي سلطان خوي البرمكي الروضة
والسرداب وبدله بالصوان والرخام وكان
وكيله الميرزا السلماسي حتى أكمله
السلماسي سنة 1225 هـ.
سنة 1285
هـ جدد ناصر الدين شاه القاجاري
الشباك من الذهب وعمر الضريح والرواق
والقبة والصحن بنظارة شيخ العراقين
الشيخ عبد الحسين وكان منها زيادة
الساعة المنصوبة اليوم.
سنة 1349
هـ جلبت ماكينة كهربائية لإضاءة
الروضة العسكرية.
سنة 1390
هـ نصب الشباك الفضي الذي كان موضوعاً
للحضرة الحسينية فنقل من كربلاء إلى
سامراء بعد إصلاحه.
سنة
1367
هـ رمم محمد صنيع
خاتم الصندوق وفي سنة 1381 هـ تبرع
بالضريح الموجود اليوم ومقاسه
3×6×5×/2 متراً جماعة من الوجهاء منهم
الحاج علي الكهربائي والشيخ محمد حسين
المؤيد ودام صنعها خمس سنوات.
ومن
المزارات:
1 - حكيمة
بنت الجواد عمة الهادي المتوفاة 274
هـ.
2 - نرجس
زوجة الحسن العسكري أم المهدي (عليه
السَّلام) المتوفاة 260 هـ.
3 -
السرداب وإليك لمحة عن تاريخ هذا
المكان.
سرداب
الإمام (عليه السَّلام):
هو في غربي
صحن العسكري من جهة الشمال، كان هذا
المكان تابعاً لبيت الأئمة الهادي
والعسكري والحجة (عليهم السَّلام) مدة
بقائهم في سامراء، ولم يكن سرداباً في
حياتهم وإنما كان سطح دورهم فأصبحت
بمرور الزمان وتراكم الأنقاض مثل
السرداب ولكن الشيعة حافظت على هيئتها
القديمة تكريماً للإمام
(عليه
السَّلام) وخاصة بعد تجديد الخليفة
الناصر العباسي بناءها عام 606 هـ.
ولتاريخ
هذا السرداب تفصيل ذكره الشيخ ذبيح
الله المحلاتي في (مآثر الكبراء 1/288)
بقوله:
(كان هذا السرداب داخل البيت وطريقاً
في البناء القديم من وراء مرقد
العسكريين (عليه السَّلام) عند قبر
أمّ القائم الذي صار اليوم داخل
الرواق وكان الزائر بعد زيارة
العسكريين ينزل في الدرج ويمشي في أزج
حتى يدخل السرداب من جهة قبلته، وكان
الأمر كذلك إلى حدود عام سنة 1202 هـ
فلما تصدى لعمارة هذه البقعة المباركة
الملك المؤيد أحمد خان الدنبلي جعل
للسرداب باباً من جهة الشمال وسد باب
القبلة...
والباب
المشبك الخشبي المنصوب على الصفة في
السرداب في يومنا هذا من الآثار
الباقية للمستنصر العباسي وقد عمله في
سنة 606 هـ.
ذكر
العلامة النوري في كشف الأستار 43 طبع
سنة 1318 هـ أن الناصر لدين الله أحمد
بن المستضيء بنور الله من خلفاء
العباسية هو الذي أمر بعمارة السرداب
الشريف وجعل على السقيفة التي فيه
شباكاً منقوشاً عليه:
(بسم الله
الرحمن الرحيم [قل لا أسألكم عليه
أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف
حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور
شكور]، هذا ما أمر بعمله سيدنا
ومولانا الإمام المفترض الطاعة على
جميع الأنام أبو العباس أحمد الناصر
لدين الله أمير المؤمنين وخليفة رب
العالمين الذي طبق البلاد إحسانه
وعدله وعم البلاد رأفته وفضله قرب
الله أوامره الشريفة باستمرار النهج
والنشر وناطها بالتأييد والنصر وجعل
لأيامه المخلدة حداً لا يكبو جواده
ولآرائه المحمدة سعداً لا تخبو ناره
وفي عز تخضع له الأقدار فيطيعه
عواليها وملك خشع له الملوك فيملكه
نواصيها يتولى المملوك معد بن الحسين
بن معد الموسوي الذي يرجو الحياة في
أيامه المخلدة ويتمنى إنفاق عمره في
الدعاء لدولته المؤيدة استجاب الله
أدعيته وبلغه في أيامه الشريفة
أُمنيته من سنة ست وستمائة الهلالية،
وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلّى الله
على سيدنا خاتم النبيين وعلى آله
الطاهرين وعترته وسلم تسليماً).
ونقش أيضاً
على الخشب المذكور من داخل الصفة:
(بسم الله
الرحمن الرحيم محمد رسول الله أمير
المؤمنين علي ولي الله فاطمة، الحسن
بن علي، الحسين بن علي، علي بن
الحسين، محمد بن علي جعفر بن محمد،
موسى بن جعفر، علي بن موسى، محمد بن
علي، علي بن محمد، الحسن بن علي
القائم بالحق (عليهم السَّلام)).
قال
الجلالي: وقد رأيت الباب المذكور ولا
تزال قائمة وبها آثار الحريق والكتابة
بخط كوفي قرأت منها أسماء المعصومين
الأربعة عشر (عليهم السَّلام) وقد
نشرت مديرية الآثار العراقية رسالة
بعنوان (باب الغيبة) في سنة 1938 هـ
وأوردت النص المذكور كاملاً في ص7،
وبالجملة هذا الباب الخشبي الجميل من
الصناعة الدقيقة الجيدة ويمتاز
بالنقوش والكتابات البديعة الأثرية...
قال
السماوي:
ثــــــمّ أتـــــاها
الــــناصر العباسي يفـــــيض
جـــــــوداً وسنـــام باس
فــــــعمّر
الـــــقبة والمـــــــآذنــــــا
وزاد فــــــي تشـــــييدها المحاسنا
وزيـــــن الـــــروض
بما قد ابتهج وعقد الـــــسرداب في
صنع الأزج
وزبـــــــر
الأئــــــمة الإثــني عشر عــــــلى
نــطاق العقد فيما قد زبر
شبهة مدحوضة:
وقد أشاع
الحاقدون على الإصلاح الجذري الذي وعد
به النبي (صلّى الله عليه وآله) بظهور
الحجة (عليه السَّلام) لإقامة الحكم
العادل والثورة على الظلم وهم يعبرون
عن هذا (البيت)، (سرداب الغيبة) فإنه
لا أصل لهذا.
قال الشيخ
ذبيح الله المحلاتي:
(ليس
اشتهار هذا السرداب بسرداب الغيبة لأن
الحجة (عليه السَّلام) غاب فيه كما
زعمه من يجهل التاريخ بل لأن بعض
الأولياء تشرف بخدمته وحيث إنه مبيت
الثلاثة من الأئمة ومعبدهم طوال المدة
وحظي فيه عدة من الصلحاء بلقائه صار
من البقاع المتبركة فينبغي إتيانه
بخضوع وخشوع وحضور قلب والوقوف على
بابه والدعاء) (مآثر الكبراء 1/288) ط
الثانية سنة 1388 هـ.
ويقول
الشيخ النوري في (كشف الأستار ص43)
سنة 1318 هـ بهذا الصدد: (واختص ذلك
المكان بمزيد شرافة واحترام وتقبيل
والتبرك به... فلما رأت سدنته رغبة
المؤمنين إلى زيارة تلك البقعة جعلوا
يأخذون تراب ذلك المكان ويعطونه
الزائرين بإزاء دارهم معدودة فأدى ذلك
أن حفر تلك البقعة مقدار درجتين ثم
تصدى إلى طمها العلامة الكبير الشيخ
عبد الحسين الطهراني (ره)، ثم حفرها
بعض السدنة لمقاصدهم الخاصة وسموها
بئر صاحب الزمان... ومع ذلك فقد جعلوا
الآن قبة تحت الرخام بمقدار أن يدخل
الكف فيه لأخذ التراب وربما وضعوا
التراب فيها من الخارج لإعطائه
الزائرين الذين لا يعلمون حقيقة
التراب).
ولعمري أن
هذا من حيل بعض السدنة وهو جهل مفرط
سيطر على بعض الجهال من الزائرين،
والعلماء هم المسؤولون عند الله
لتركهم النهي عن المنكر وردع الجهال
عن مثل الخرافات التي ما أنزل الله
بها من سلطان وبراء منها كل شيعي خبير.
وما أحسن
كلام الشيخ المحلاتي: (إن الإمامية
تعتقد أن الحجة اسمه يطابق اسم رسول
الله كنيته كنيته وشمائله شمائله ولد
في سر من رأى في شعبان سنة 256 هـ...
فلما توفي أبوه غاب عن الأنظار لا أنه
دخل في السرداب وأُمه تنظر إليه كما
توجد هذه العبارة في بعض كتب العامة
وإن الشيعة الإمامية براء من هذه
المعتقدات التي يلصقها بهم من أراد
الحط من كرامة مذهبهم).
وذكر في
غاية المرام مائة وخمسة وستين حديثاً
من طريق إخواننا السنة المستخرجة عن
كتب مشاهير علمائهم بأن النبي (صلّى
الله عليه وآله) قال: يخرج من ولدي
رجل اسمه اسمي، كنيته كنيتي أشبه
الناس بي وهو مهدي هذه الأمة يظهر في
آخر الزمان ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً
بعدما ملئت ظلماً وجوراً، فإذا اعترف
أكثر من مائتين من الأساتذة الأعلام
من إخواننا السنة بصفة المهدي وحياته
وظهوره في آخر الزمان، فما ذنب
الإمامية في ذلك حتى يشنع عليهم بعضهم
بأقلامهم اللاذعة. ونسأل الله أن يجمع
كلمة المسلمين بحق محمد وآله الطاهرين.
السيدة
حكيمة بنت الإمام الجواد /274 هـ:
والسيدة
الجليلة حكيمة بنت الإمام الجواد
(عليه السَّلام) مدفونة مما يلي رجلي
العسكريين (عليه السَّلام) توفيت في
سنة أربع وسبعين ومائتين وهي عالمة
فاضلة جليلة واسطة بين الإمام والرعية.
قال
المجلسي (ره): (إن في قبة العسكريين
(عليه السَّلام) قبراً منسوباً إلى
الكريمة النجيبة العالمة الفاضلة
النقيبة الرضية حكيمة بنت أبي جعفر
الجواد (عليه السَّلام)، وما أدري لم
لم يتعرضوا لزيارتها مع ظهور فضلها
وجلالة قبرها وإنها كانت مخصوصة
بالأئمة (عليهم السَّلام) ومودعة
أسرارهم، وكانت أم القائم عندها وكانت
حاضرة عند ولادته وكانت تراه حيناً
بعد حين في حياة أبي محمد (عليه
السَّلام)، وكانت من السفراء والأبواب
بعد وفاته فينبغي زيارتها بما أجرى
الله على اللسان مما يناسب فضلها
وشأنها).
نرجس أم
القائم /260 هـ:
ترجمها في
(مآثر الكبراء): مفصلاً، وقال: دفنت
خلف الإمام العسكري (عليه السَّلام)
وقبرها مشهور.... 1/243.
وإن مضامين
زيارتها المروية تبرهن على علو شأنها
وناهيك شرفها بأنها (المودعة الملك
العلام والحاملة أشرف الأنام الصديقة
المرضية..).
السيد محمد
/حدود 252 هـ:
مرقده يبعد
عن (بلد) خمسة كم قال المحدث القمي:
(مزار مشهور هناك مطاف للفريقين وتجبى
إليه النذور والهدايا، وله ما لا يحصى
كثرة من الكرامات وخوارق العادات
وحسبك في جلالة شأنه صلاحيته لمنصب
الإمامة لأنه أكبر أولاد الإمام
الهادي (عليه السَّلام).
كان قدم
السيد محمد من المدينة لرؤية والده في
سامراء ولما أراد الرجوع بلغ بلد ومرض
وتوفي بها في حياة والده.
وكانت
وفاته صدمة للجماهير المؤمنة التي
كانت تعتقد وصول الإمامة إليه حيث لم
يظهر لهم العلم الإلهي المخزون
المعبَّر عنه بالبداء فقد روي عن
الإمام الصادق (عليه السَّلام) إن لله
علمين: علماً مخزوناً لا يعلمه إلا
الله هو ومن ذلك البداء، وعلماً
علَّمه ملائكته ورسله، إلخ. راجع
للتفصيل المعجم.
وبهذا
المعنى ورد في زيارة العسكريين
المختصرة: (السَّلام عليكما يا من بدا
الله في شأنكما) وإلى ذلك أشار الفقيه
الورع السيد محمد باقر الشخص في قصيدة
له في مديح السيد محمد المذكور ومنها:
إن كنـــــت
طـــــــالب حاجة ومراد فانخ
بـــــقبر مـــــحمد بن الهادي
ذاك الـــــــذي
مـــــا أمّه ذو حاجة إلا وفـــــــاز
بـــــنيل كـــــــل مراد
ذاك الــــــذي
لـــــم يستجر أحد به إلا وعــــــاد
بـــــــمنية المـــــرتاد
لــــك يا ابن خير
المرسلين مناقب جـــــــلت عــــن
الإحصاء والتعداد
لــــك فـــي عظيم
الذكر أي فضائل تــــــتلى مــــــدى
الأيــــام والآباد
وضـــــريح قدس دون
أدنى مجده هام الســــــهى
والكـــــوكب الوقاد
أضحـــــى مـــــلاذ
اللاجئين ومأمناً للخــــــائفين
وكعــــــــبة الــــوفاد
يكــــــفيك فـــضلاً
إن أتى بك معلناً خبــــر الـــبداء
مســــلسل الإسناد
إلى آخر القصيدة
الجليلة التي تضمنت الإشارة إلى مكارم
الآثار والكرامات ومناقب آل البيت
النبوي (عليهم السَّلام).
ومرقده
الطاهر في منطقة تسمى الدجيل ولهذا
السبب يُعبَّر في المحاورات عن السيد
بسبع الدجيل، أما اليوم فتسمى المنطقة
بالسيد محمد باسم صاحب المرقد وإن
كانت الحكومة تتنكر لمشاعر الشعب
والأهالي، وتعرف المنطقة إدارياً باسم
البلد.
وقد توالى
على مرقده الطاهر العمران والبناء
والتجديد، كلما توالت العمارات على
مرقد العسكريين (عليه السَّلام)، كما
تتوافد الزوار زرافات ووحداناً لزيارة
المرقد كلما زاروا سامراء.
وفي
(المراقد
2/263): (مرقده في سواد بلد في دجيل
من توابع سر من رأى مشيد عليه قبة
عالية البناء سميكة الدعائم، فقد
أشادها في عصرنا زعيم الطائفة السيد
ميرزا محمد حسن الشيرازي في سنة 1311
يحيط بمرقده الشريف صحن فيه الغرف
والاسطوانات أُعدت للزائرين والوفود
التي تهوي إليه من كل بلد....
إن الأعراب
التي حول مرقده تارة يلقبونه (سبع
الدجيل).
كان مرقده
مزاراً لسهولة الطرق وشملته البنايات
التي شملت سامراء حتى سنة 1208 هـ حيث
قام الشيخ إسماعيل السلماسي بتجديد
بنائه العمارات حتى قام السيد آغا
محمد القمي (ره) بالبناء من جديد سنة
1366 هـ.
عمرو
الخزاعي:
ومما ينبغي
الإشارة إليه مقتل الصحابي الجليل
عمرو الخزاعي في مدينة الموصل القريبة
من سامراء.
مرقده
بظاهر مدينة الموصل عند أعلى نهر دجلة
بالقرب منها ويتصل لمشهده مسجد بناه
آل حمدان عليه قبة بارزة وله ضريح
ومزار بارز.
وفي
الإشارات إلى أماكن الزيارات /70: في
ظاهر الموصل على الشرف الأعلى مشهد
عمرو بن الحمق به جثته، ورأسه حمل إلى
دمشق وهرب عمرو أيام ولاية زياد بن
أبيه مع صاحبه رفاعة بن شداد اختفيا
في جبل بضواحي الموصل، وأُخبرت عيون
معاوية بهما وسار الخيل لأخذهما قال
رفاعة: أُقاتل عنك يا أخي فقال عمرو:
وما ينبغي
أن تقاتل دوني انج بنفسك ما إن استطعت
فنجا رفاعة وقبض على عمرو ولما سألوه
عن اسمه قال: (أنا من أن تركتموه كان
أسلم لكم وإن قتلتموه كان أضر عليكم)
ولما أدخلوه إلى حاكم الموصل وهو ابن
أُخت معاوية أم الحكم عرفه ورفع خبره
إلى معاوية، فأمر بقتله وحمل رأسه إلى
معاوية وزوجة عمرو
(آمنة)
كانت محبوسة عند معاوية بدمشق فأمر
معاوية أن تلقى رأسه إليها ولما عرفت
الرأس، قالت: (واحزناه لعفرة في دار
هوان وظلم سلطان القيتموه عني طويلاً
وأهديتموه إليَّ قتيلاً، فأهلاً
وسهلاً كنت له غير قالية وأنا له غير
ناسية) ثم قالت للرسول قل لمعاوية:
(أيتم الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا
غفر لك ذنبك) وطلبها معاوية وسألها عن
قولها فقالت:
(نعم غير
نازعة عنه ولا معتذرة منه، ولا منكرة
له، فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء إن
نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء
العباد) راجع (بلاغات النساء) لابن
طيفور /64.
لقد كان
لمقتل الصحابي الجليل عمرو أثر بالغ
في المجتمع الإسلامي اليقظ وقد استنكر
الإمام الحسين (عليه السَّلام) في
رسالة كتبها لمعاوية جاء فيها
(أولست
قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله
العبد الصالح الذي قد أبلته العبادة
فنحلت جسمه وخطفت لونه بعد أن أمنته
وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو
أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل
ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافاً
بذلك العهد).
وهذه
الدماء التي أُريقت في سبيل تحقيق
العدالة وآلاف غيرها هي التي روت شجرة
الإسلام حتى أصبحت اليوم موثقة ثمارها
فلا بد من زيارة هذه المزارات
واستلهام البطولة والشجاعة والتضحية
منها.
من حياة
الإمام (عليه السَّلام):
تضم سامراء
مرقد إمامين هما الإمام علي الهادي
(عليه السَّلام) والإمام الحسن
العسكري (عليه السَّلام) بالإضافة إلى
أماكن أُخرى تجدد فيها ذكرياتهم من
المحبس ودار السكنى وإليك لمحة عن
حياتهما.
الإمام الهادي (عليه
السَّلام)



مولده منتصف ذي الحجة
أو الثاني من رجب سنة 214 هـ في قرية
الأبواء التي بناها الإمام موسى بن
جعفر (عليه السَّلام) على ثلاثة أميال
من المدينة.
ويكنى
(عليه السَّلام) بأبي الحسن الثالث
ويعرف بالهادي والنقي والعسكري.
وقال ابن
طلحة ألقابه. الناصح، والمتوكل،
والتقي، والمرتضى، وأشهرها المتوكل،
وكان يخفي هذا اللقب ويأمر أصحابه أن
يعرضوا عنه لكونه من ألقاب الخليفة.
وصفه في
الصواعق بـ (علي العسكري) ثم قال:
(سمي بذلك لأنه لما وجه لإشخاصه من
المدينة النبوية إلى سر من رأى أسكنه
بها وكانت تسمى العسكر فعرف بالعسكري
وكان وارث أبيه علماً وسخاء).
وفي
(المناقب): (كان أطيب الناس مهجة
وأصدقهم لهجة وأملحهم من قريب وأكملهم
من بعيد إذا صمت علته هيبة الوقار).
قال
المفيد: (كان الإمام بعد أبي جعفر
ابنه أبو الحسن علي بن محمد لاجتماع
خصال الإمامة فيه وتكامل فضله وأنه لا
وارث لمقام أبيه سواه وثبوت النص عليه
بالإمامة والإشارة إليه من أبيه
بالخلافة).
في سامراء
243 هـ:
في المناقب
عنه قوله: (أخرجت إلى سر من رأى
كرهاً، وخرجت عنها كرهاً... لطيب
هوائها وعذوبة مائها وقلة دائها).
ذكروا لسبب
خروجه (عليه السَّلام) أقوالاً:
ولعل
أوجهها ما ذكره سبط ابن الجوزي بقوله:
(قال العلماء: إنما أشخصه المتوكل إلى
بغداد، لأن المتوكل كان يبغض علياً
وذريته فبلغه مقام علي الهادي
بالمدينة وميل الناس، فخاف منه فدعا
يحيى بن هرثمة، وقال اذهب إلى المدينة
وانظر في حاله واشخصه إلينا).
قال
المفيد: بلغ أبا الحسن (عليه
السَّلام) سعي عبد الله بن محمد به،
فكتب (عليه
السَّلام) إلى المتوكل يذكر تحامل عبد
الله بن محمد عليه وكذبه، فيما سعى به
فتقدم المتوكل بإجابته عن كتابه
ودعائه فيه إلى حضور العسكر على جميل
من الفعل والقول في كتاب وجهه إلى
الإمام (عليه السَّلام):
ولما وصل
الكتاب إلى الحسن (عليه السَّلام)
تجهز للرحيل وخرج معه يحيى بن هرثمة.
والمتوكل
هذا من أشد العباسيين عداء للعلويين
هدم قبر الحسين (عليه السَّلام) وسواه
بالتراب.
ثم أمر
بحرث الأرض وزرعها لتضييع معالمه
وعليه لا أظن السبب في استدعاء الإمام
وشاية الوالي أو ما شابه.
وقد يكون،
ولكنها مفتعلة، إذ أن المتوكل كان
يخشى من المدينة كمركز ديني يجتمع فيه
الحجاج في كل عام ومن وجود الإمام
(عليه السَّلام) وهو ابن رسول الله في
هذا المركز الديني يحاول إبعاد الإمام
عن هذا المركز وجعله تحت رقابته وفي
قبضته، هذا هو السبب الحقيقي مهما
اختلفت الأسباب المفتعلة وسيرته معه
في سامراء تكشف عن نواياه.
وخاصة لما
جاءت رسالة المتوكل به قبلها الإمام
وأظهر أنه كان مجبوراً وإن كان الكتاب
يمهله في الظاهر.
وإليك نص
الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم أما
بعد، فإن أمير المؤمنين عارف بقدرك
راع لقرابتك، موجب بحقك، مؤثر من
الأمور فيك، وفي أهل بيتك، ما يصلح
الله به حالك وحالهم، وثبت عزك وعزهم،
ويدخل الأمن عليك وعليهم يبتغي بذلك
رضى ربه وأداء ما افترض عليه فيك
وفيهم، وقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد
الله بن محمد عما كان يتولاه من الحرب
والصلاة بمدينة الرسول (صلّى الله
عليه وآله) إذا كان على ما ذكرت من
جهالته بحقك واستخفافه بقدرك، وعندما
فرقك به ونسبك إليه من الأمر الذي قد
علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق
نيتك في ترك مجاوبته وأنت لم تؤهل
نفسك لما فرقت يطلبه وقد ولي أمير
المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن
الفضل، وأمره بإكرامك وتحليلك
والانتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى
الله وإلى أمير المؤمنين بذلك وأمير
المؤمنين مشتاق إليك يحب إحداث العهد
بك والنظر إليك، فإن نشطت لزيارته
والمقام قبله ما أحببت شخصت ومن اخترت
من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة
وطمأنينة ترحل إذا شئت وتنزل إذا شئت
وتسير إذا شئت كيف شئت، وإن أحببت أن
يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير
المؤمنين ومن معه من الجندية يرحلون
برحيلك ويسيرون بسيرك فالأمر في ذلك
إليك، وقد تقدمنا الله بطاعتك فاستخر
الله حتى توافي أمير المؤمنين فما أحد
من إخوانه وولده وأهل بيته وخاصته
ألطف منك منزلة ولا أحمد له أثره، ولا
هو لهم أنظر ولا عليهم أشفق وبهم أبر
ولا هو إليهم أسكن منه إليك،
والسَّلام عليك ورحمة الله وبركاته
وكتب إبراهيم بن العباس في شهر جمادى
الآخرة من سنة 243 هـ).
ويقول يحيى
بن هرثمة: (فلما دخلت على المتوكل
سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة
طريقته وورعه وزهادته، وإني فتشت داره
فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم
وإن أهل المدينة خافوا عليه فأكرمه
المتوكل).
قال
المفيد: (خرج معه يحيى بن هرثمة حتى
وصل إلى سر من رأى فلما وصل إليها
تقدم المتوكل بأن يحجب عنه في يومه
فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك وأقام
فيه يومه ثم تقدم المتوكل بإفراد دار
له فانتقل إليها... وأقام أبو الحسن
(عليه
السَّلام) مدة مقامه بسر من رأى
مكرماً في ظاهر حاله فجهد المتوكل في
إيقاع حيله به فلم يتمكن من ذلك).
وجاء في
(الإرشاد) عن نوعية مضايقاته للإمام
قوله: أن أمر المتوكل السعيد الحاجب
أن يهجم عليه ليلاً ويأخذ ما يجده
عنده من الأموال والسلاح ويحمله
إليه... قال الحاجب: صرت إلى دار أبي
الحسن (عليه السَّلام) بالليل ومعي
سلم فصعدت منه إلى السطح ونزلت من
الدرجة إلى بعضها في الظلمة فلم أدرِ
كيف أصل إلى الدار فناداني أبو الحسن
(عليه السَّلام) من الدار يا سعيد
مكانك حتى يأتوك بشمعة فلم ألبث إلى
أن أتوا بشمعة فوجدت عليه جبة صوف
وقلنسوة منها وسجادية على حصير بين
يديه وهو مقبل على القبلة، فقال لي:
دونك
البيوت فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها
شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم أم
المتوكل وكيساً مختوماً معها، فقال لي
أبو الحسن (عليه السَّلام): دونك
المصلى فرفعته فوجدت سيفاً من جفن
ملبوس فأخذت ذلك وصرت إليه، فلما نظر
إلى خاتم أمه على البدرة بعث إليها،
فخرجت إليه فسألها عن البدرة فأخبرني
بعض خدم الخاصة أنها قالت: كنت نذرت
في علتك إن عوفيت أن أحمل عليه من
مالي عشرة آلاف دينار، فحملتها إليه
وهذا خاتمي على الكيس ما حركه وفتح
الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار
فأمر أن يضم إلى البدرة بدرة أخرى،
قال: إني أحمل ذلك إلى أبي الحسن
(عليه السَّلام) واردد عليه السيف
والكيس بما فيه، فحملت ذلك إليه
واستحييت، فقلت له: يا سيدي عز علي
دخولك دارك بغير إذنك ولكني مأمور،
قال لي: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب
ينقلبون).
نقل في
(الشذرات الذهبية ص107) محادثة هامة
رأيت أن أنقله كما هي حيث تقدم صورة
حية لموقف الإمام (عليه السَّلام)
تجاه طغيان
الملوك وعبث الخلفاء.
فلقد وشى
الوشاة لدى المتوكل فقالوا: إن في
منزله سلاحاً وكتباً وإنه يطلب الأمر
لنفسه فوجه إليه بعدة من الأتراك
ليلاً فهجموا عليه في منزله على غفلة
فوجوده وحده في بيت مغلق، عليه مدرعة
من شعر وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو
مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن
بالوعد والوعيد ليس بينه وبين الأرض
بساط إلا الرمل والحصى، فأخذ على
الصورة التي وجد عليها وحمل إلى
المتوكل في جوف الليل فمثل بين يديه
والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس
فناوله الكأس التي كانت بيده، فقال:
يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي
قط فاعفني فأعفاه، وقال له: انشدني
شعراً استحسنه فقال: إني قليل الرواية
لشعر قال: لا بد أن تنشدني فأنشده:
بـــــاتوا على قلل
الأجيال تحرسهم غلب الرجال فـــــــلم
تنفعهم القلل
واســـــتنزلوا بعد عز
من معاقلهم وأودعوا حفـــراً يا بئس
ما نـزلوا
ناداهم صـــــــائح من
بعد ما قبروا أين الأســــــــرة
والتيجان والحلل
أين الوجـــــوه
التـــي كانت منعمة من دونهــا تضرب
الأستار والكلل
فافصــــح القبر عنهم
حين سائلهم تلك الــــــوجوه عليها
الدود تنتقل
قد طــال ما أكلوا
دهراً وما شربوا فأصبــحوا بعد طول
الأكل قد أُكلوا
فبكى المتوكل بكاء
شديداً حتى بلت الدموع لحيته وكل من
حضر معه ثم أمر برفع الشراب ورد
الهادي مكرماً.
آثاره
(عليه السَّلام):
روي عن
الإمام شيء كثير من العلم وقد جاء
إليهم لما هجموا عليه لم يجدوا شيئاً
سوى بعض الحاجيات (وكتب العلم) ولا
ريب أن أكثرها موروثة من آبائه، وكانت
السلطة الحاكمة تحاول مضايقة الإمام
(عليه السَّلام) بتوجيه الأسئلة
المختلفة من قبل عمال الحكومة والقضاة
وكان (عليه السَّلام) يجيب عليها
بدافع الحق وبيان الحقيقة ومنها ما
حصل من يحيى بن أكثم وقد أجاب (عليه
السَّلام) بما يأتي: (بسم الله الرحمن
الرحيم: وأنت ألهمك الله الرشد أتاني
كتابك فيما امتحنتنا به من تفننك لتجد
إلى الطعن سبيلاً إن قصرنا فيها والله
يكافيك على نيتك وقد شرحنا مسائلك
فاصغِ إليها سمعك وذلل لها فهمك واشعل
بها قلبك فقد رامتك الحجة والسَّلام:
1 - سألت
عن قول الله عز وجل: (قال الذي عنده
علم من الكتاب) فهو آصف بن برخيا ولم
يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف
ولكنه أحب أن يعرف أُمته من الجن
والإنس أنه الحجة من بعده وذلك من علم
سليمان أودعه آصف بأمر الله، ففهمه
ذلك لئلا تختلف إمامته ودلالاته كما
فهم سليمان في حياة داود فتعرف نبوته
وولايته من بعده لتأكيد الحجة على
الخلق.
2 - وأما
سجود يعقوب وولده فإن السجود لم يكن
ليوسف كما أن السجود من الملائكة لم
يكن لآدم وإنما كان ذلك طاعة لله
ومحبة منهم لآدم فسجود يعقوب وولده
ويوسف معهم كان لله تعالى باجتماع
شملهم، ألم ترَ أنه يقول في شكره في
ذلك الوقت (رب قد أتيتني من الملك)
الآية.
3 - وأما
قوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك
فسئل الذين يقرأون الكتاب)
فإن
المخاطب بذلك رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) ولم يكن في شك بما أنزل
الله ولكن قالت الجهلة كيف لم يبعث
الله نبياً من الملائكة، ولِمَ لَمْ
يفرق بينه وبين الناس في الاستغناء عن
المأكل والمشرب والمشي في الأسواق
فأوحى الله إلى نبيه (صلّى الله عليه
وآله) قال: فاسأل الذي يقرأون الكتاب
بمحضر من الجهلة هل بعث الله رسولاً
قبلك إلا وهو يأكل الطعام ويشرب
الشراب ويمشي في الأسواق ولك بهم
أُسوة يا محمد، وإنما قال: فإن كنت في
شك ولم يكن فيه شك. كما قال: (قل
تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا
ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل
فنجعل لعنة الله على الكاذبين) ولو
قال:
عليكم لم يجيبوا
إلى المباهلة وقد علم الله أن نبيه
مؤدٍ عنه رسالته، وما هو من الكاذبين
فكذلك عرف النبي (صلّى الله عليه
وآله) أنه صادق فيما يقول ولكن أحب أن
ينصف من نفسه.
4 - وأما
قوله: (ولو أن ما في الأرض من شجرة
أقلام) الآية فهو كذلك لو أن أشجار
الدنيا أقلام والبحر يمده سبعة أبحر
وانفجرت الأرض عيوناً لنفذت قبل أن
تنفذ كلمات الله، ونحن كلمات الله
التي لا تنفذ ولا تدرك فضائلنا وأما
الجنة فإن فيها من المآكل والمشارب
والملاهي ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين
وأباح الله ذلك كله لآدم، والشجرة
التي نهى الله عنها آدم وزوجته أن
يأكلا منها شجرة الحسد عهد إليهما أن
لا ينظرا إلى من فضل الله على خلافته
فنسي ونظر يعني الحسد ولم يجد له
عزماً.
5 - وأما
قوله: (أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً) أي
يولد له ذكور ويولد له إناث، يقال لكل
اثنين مقترنين زوجان كل واحد منها زوج
ومعاذ الله أن يكون عنى الجليل ما
لبست به على نفسك تطلب الرخص لارتكاب
المأثم (ومن يفعل ذلك يلقَ اثاماً
يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد
فيه مهاناً) إن لم يتب.
6 - وأما
شهادة امرأة وحدها التي حازت فهي
القابلة جازت شهادتها مع الرضا فإن لم
يكن رضا فلا أقل من امرأتين تقوم
المرأة بدل الرجل للضرورة لأن الرجل
لا يمكنه أن يقوم مقامها فإن كانت
وحدها قبل قولها مع يمينها.
7 - وأما
قول علي في الخنثى فهي كما قال تنظر
قوم عدول يأخذ كل واحد منهم مرآة
وتقوم الخنثى خلفهم عريانة وينتظرون
في المرايا فيرون الشيخ فيحكمون عليه.
8 - وأما
الرجل الناظر إلى الراعي وقد نزا على
شاة فإن عرفها ذبحها وأحرقها وإن لم
يعرفها قسم الغنم نصفين وساهم بينهما
فإذا وقع على أحد النصفين فقد نجى
النصف الآخر ثم يفرق النصف الأخر فلا
يزال كذلك، حتى يبقى شاتان فيقرع
بينهما أيهما وقع السهم بها ذبحت
وأُحرقت ونجى سائر الغنم.
9 - وأما
قول علي بشِّر قاتل ابن صفية بالنار
فهو لقول رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) وكان ممن خرج يوم النهروان فلم
يقتله أمير المؤمنين بالبصرة، لكنه
قتل في النهروان.
10 - وأما
قولك إن علياً قتل أهل صفين مقبلين
ومدبرين جهز على جريحهم وإنه يوم
الجمل لم يتبع مولياً ولم يجهز على
جريحهم ومن ألقى سلاحه آمنه ومن دخل
داره آمنه فإن أهل الجمل قتل إمامهم
ولم يكن لهم فتنة يرجعون إليها.
وإنما رجع
القوم إلى منازلهم غير محاربين ولا
مخالفين ولا منابذين فقد رضوا بالكف
عنهم فكان الحكم منهم رفع السيف والكف
عنهم إذ لم يطلبوا عليه أعوانا، وأهل
صفين كانوا يرجعون إلى فتنة مستعدة
وإمام منتصب يجمع لهم السلاح والدروع
والرماح والسيوف، ويسني لهم العطاء
ويهيئ لهم الأموال ويعود مريضهم ويجبر
كسيرهم ويداوي جريحهم ويحمل راحلهم
ويكسوا خاسرهم ويردهم فيرجعون إلى
محاربتهم وقتالهم، فإن الحكم في أهل
البصرة الكف عنهم لما ألقوا أسلحتهم
إذ لم يكن لهم فتنة يرجعون إليها
والحكم في أهل صفين أن يتبع مدبرهم
ويجهز على جريحهم فلا يساوي بين
الفريقين في الحكم لأمير المؤمنين
(عليه السَّلام) وحكمه في أهل صفين
والجمل لما عرف الحكم في عصاة أهل
التوحيد، انتهى الجواب.
فلما قرأ
ابن أكثم ذلك قال للمتوكل: ما يجب أن
تسأل هذا الرجل عن شيء بعد مسائلي هذه
فإنه لا يرد عليه شيء بعدها إلا دونها.
ومنها
رسالة في الجبر والتفويض مفصلة ينبغي
تحقيقها ودراستها. رواها في (تحف
العقول 341) و(التوحيد للصدوق ص291).
ومن كلماته
(عليه السَّلام) القصار:
1 - من
اتقى الله يتقِ ومن أطاع الله يُطع
ومن أطاع الخالق لم يبالِ بسخط
المخلوقين.
2 - من أمن
مكر الله أخذه تكبر حتى يحل به قضاؤه.
3 - من كان
على بينة من ربه هانت عليه مصائب
الدنيا ولو قرض ونشر.
4 - الشاكر
أسعد بالشكر منه بالنصيحة التي أوجبت
الشكر لأن النعم متاع والشكر نعم.
5 - اقبل
على شأنك فإن كثرة الملق يهجم على
الظنة وإذا حللت من أخيك محل الثقة
فاعدل عن الملق إلى حسن النية.
6 -
المعصية للصابر واحدة وللجازع إثنان.
7 - إياك
والحسد فإنه يبين فيك ولا يبين في
عدوك.
8 - خير من
الخير فاعله وأرجح من العلم عامله.
9 - إذا
كان زمان العدل فيه أغلب من الجور
فحرام أن يظن أحد بأحد سواءً حتى يعلم
ذلك منه وإذا كان زمان الجور أغلب فيه
من العدل فليس لأحد أن يظن بأحد خيراً
ما لم يعلم ذلك منه.
10 - قال
(عليه السَّلام) للمتوكل: لا تطلب
الصفاء ممن كدرت عليه ولا الوفاء ممن
غدرت به ولا النصح من صرفت سوء ظنك
إليه فإنما قلب غيرك كقلبك له.
11 - إن
الظالم الحالم يكاد أن يعفي على ظلمه
بحلمه وإن المحق السفيه يكاد أن يطفئ
نور حقه بسفهه.
12 - من
جمع لك وده ورأيه فاجمع له طاعتك.
13 - من
هانت عليه نفسه فلا تأمن شره.
14 -
الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون.
15 - من
رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه.
16 - الغنى
قلة تمنيك والرضا بما يكفيك.
17 - الناس
في الدنيا بالأموال وفي الآخرة
بالآجال.
18 - الحسد
ماحي الحسنات والعجب صارف عن طلب
العلم داعٍ إلى الغمط والجهل والعقوق
يعقب القلة وتؤدي إلى الذلة.
19 -
المرآء يفسد الصداقة.
20 -
المغالبة رأس أسباب القطيعة.
21 -
العتاب مفتاح الثقال.
22 -
والعتاب خير من الحقد.
23 -
العقوق ثكل من لم يثكل.
24 - الغضب
على من يحلمك لوم.
وفاته:
كان أسلوب
الدعوة الهادفة التي مارسه الإمام
(عليه السَّلام) في وجه الطاغية
العنيد المتوكل والمعتمد قد أزعج
الحكومة وما كانت تجد حيلة إلاّ أن
يقتلوه بالسم - كما في رواية ابن
بابويه - حتى قضى (عليه السَّلام) في
20 جمادى الثانية 254 هـ قال
المسعودي: (اعتل أبو الحسن علي الهادي
علته التي توفي فيها (عليه السَّلام)
فأحضر ابنه فسلم إليه النور والحكمة
ومواريث الأنبياء والسلاح وأوصى إليه).
قال
المسعودي: (لما توفي اجتمع في داره
جملة بني هاشم من الطالبيين
والعباسيين واجتمع خلق كثير من الشيعة
ثم فتح من صدر الرواق باب، وخرج خادم
أسود ثم خرج بعده أبو محمد الحسن
العسكري حاسراً مكشوف الرأس مشقوق
الثياب، وكان وجهه وجه أبيه لا يخطئ
منه شيئاً وكان في الدار أولاد
المتوكل وبعضهم ولاة العهود فلم يبقَ
أحد إلا قام على رجليه، ووثب إليه أبو
محمد الموفق فقصده أبو محمد فعانقه...
وأُخرجت الجنازة وخرج يمشي حتى خرج
بها إلى الشارع وكان أبو محمد صلّى
عليه قبل أن تخرج إلى الناس وصلّى
عليه لما اخرج المعتمد ثم دفن في داره
من دوره وصاحت سر من رأى في يوم موته
صيحة واحدة).
قال في
الصواعق: (توفي بسر من رأى في جمادى
الآخرة سنة 254 هـ. ودفن بداره وعمره
40 وكان المتوكل أشخصه من المدينة
إليها سنة ثلاث وأربعين فأقام بها إلى
أن قضى).
الإمام العسكري (عليه
السَّلام)



الحسن بن علي الهادي
ابن محمد الجواد ابن علي بن موسى
الرضا (عليهم السَّلام)
ولد في
8/ربيع الثاني/232 هـ وتوفي مسموماً
في 8/ربيع الأول/260 هـ.
قال
السمعاني: (العسكري نسبة إلى عسكر
سامراء الذي بناه المعتصم لما كثر
عسكره وضاقت عليه بغداد وتأذى به
الناس فانتقل إلى هذا الموضع بعسكره
وسميت العسكر وذلك في سنة 221 هـ).
وفي (إثبات
الوصية) للمسعودي: (شخص إلى العراق
بشخوص والده إليها وله أربع سنين
وشهور).
وفي
(المناقب):
(كان الحسن العسكري هو وأبوه وجده
يعرف كل منهم في زمانه بابن الرضا
وقال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر
الجنابذي يلقب بالعسكري). وعد من
ألقابه الصامت والخالص.
قال أحمد
بن عبد الله بن خاقان: (ما رأيت ولا
عرفت سر من رأى رجلاً من العلوية مثل
الحسن بن علي بن محمد بن الرضا (عليه
السَّلام) ولا سمعت به في هديه وسكونه
وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته
والسلطان وجميع بني هاشم، وتقديمهم
إياه على ذوي السن منهم والخطر وكذلك
القواد والوزراء والكتاب، وعوام
الناس، وما سألت أحداً عنه من بني
هاشم والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر
الناس إلا وجدته عندهم في غاية
الإجلال والإعظام والمحل الرفيع
والقول الجميل والتقديم له على أهل
بيته ومشايخه وغيرهم ولم أرَ له ولياً
ولا عدواً إلا وهو يحسن القول فيه
والثناء عليه).
وقال أبوه
عبد الله بن خاقان: (لو زالت الخلافة
عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد
من بني هاشم غيره فإنه يستحقها في
فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده
وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه).
وترجمة ابن
حجر في (الصواعق ص205) قائلاً: (أبو
محمد الحسن الخالص وجعل ابن خلكان هذا
هو العسكري ولد سنة 232 هـ... ولما
حبس أقام عزيزاً مكرماً وصلات الخليفة
تصل إليه كل وقت إلى أن مات بسر من
رأى، روى عن أبيه وعمه وعمره ثمانية
وعشرون سنة ويقال إنه سم).
قال
المفيد: (كان الإمام بعد أبي الحسن
علي بن محمد (عليه السَّلام) ابنه أبا
محمد الحسن بن علي (عليه السَّلام)
لاجتماع خلال الفضل فيه وتقدمه على
كافة أهل عصره فيما توجب له الإمامة
ويقتضي له الزعامة من العلم والزهد
وكمال العقل والعصمة والشجاعة والكرم
وكثرة الأعمال المقربة إلى الله جل
اسمه).
ثم لنص
أبيه عليه وإشارته بالخلافة إليه ثم
أورد نصوصاً بأسانيد متعددة أنه
(عليه
السَّلام) أوصى إلى ابنه الحسن وأشار
إليه بالأمر من بعده.
قال صبحي
في (نظرية الإمامة /94): ليس دوره في
الإمامة كدور أسلافه فلم ترو من
أقواله في الدين أو المذهب إلا النزر
اليسير ولعل ذلك راجع إلى قصر مدة
إمامته أو إلى أنه قضى معظم أيامه
حبيساً في سامراء، وقد ضيق العباسيون
عليه الخناق حتى تعذر على الشيعة
الاتصال به في أغلب الأحيان. وفي هذا
الكلام غفلة عن دور الإمام (عليه
السَّلام) في الحياة وإنها تقتصر على
الجانب العلمي فقط مع أنه يرعى العلم
والعمل معاً ولم يشغله العلم عن
الأمور الاجتماعية حسب الظروف، لذلك
نرى الروايات في عطاياه (عليه
السَّلام) كثيرة كان يرسل إلى بعض ذوي
الحاجة ويكتب إليهم (إذا كانت لك حاجة
فلا تستحي ولا تحتشم واطلبها فإنك ترى
ما تحب).
وكان أبو
يعقوب الكندي فيلسوف العراق قد أخذ في
تأليف يناقض القرآن فأرسل العسكري
(عليه السَّلام) من ينخرط في تلامذته
ويسأله: (إن هذا المتكلم بهذا القرآن
هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به
غير المعاني التي قد ظننت أنك ذهبت
إليها، فإنه سيقول لك إنه من الجائز
لأنه رجل يفهم فقل له فما يدريك لعله
قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فتكون
واضعاً لغير معانيه)
ولما وقف
الكندي على ذلك عدل عن رأيه.
ولما سجن
الإمام كانت سيرته قدوة للدعوة
الهادفة فقد روى أبو هاشم الجعفري أن
الحسن (عليه السَّلام) كان يصوم في
الحبس.
وجاء في
التاريخ أنه لما حصل قحط بسر من رأى
وكان قحطاً شديداً أمر الخليفة
المعتمد بن المتوكل بالخروج للاستسقاء
ثلاثة أيام فلم يسقوا، فخرج النصارى
معهم راهب كلما مدّ يده إلى السماء
هطلت ثم في اليوم الثاني كذلك، فشك
بعض الجهلة وارتد بعضهم فشق ذلك على
الخليفة فأمر بإحضار الحسن الخالص
وقال له: ادرك أُمة جدك رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) قبل أن يهلكوا
فقال الحسن: يخرجون غداً وأنا أُزيل
الشك إن شاء الله، وكلم الخليفة في
إطلاق أصحابه من السجن فأطلقهم فلما
خرج الناس للاستسقاء ورفع الراهب يده
مع النصارى غيّمت السماء فأمر الحسن
بالقبض على يده فإذا فيها عظم آدمي
فأخذه من يده وقال استسق فرفع يده
فزال الغيم وطلعت الشمس، فعجب الناس
من ذلك فقال الخليفة للحسن: ما هذا يا
أبا محمد؟ فقال: هذا عظم نبي ظفر به
هذا الراهب من بعض القبور وما كشفت من
عظم نبي تحت السماء إلا وهطلت بالمطر
فامتحنوا ذلك العظم فكان كما قال
وزالت الشبهة عن الناس.
وقد هم
المستعين باغتيال الإمام وأمر سعيد
الحاجب بحمله إلى الكوفة وأن يحدث
عليه في الطريق حادثة فانتشر الخبر
بذلك في الشيعة فأقلقهم وكان ذلك بعد
مضي أبي الحسن (عليه السَّلام) بأقل
من خمس سنين. ولكنه خلع بعد ثلاث من
هذا الحكم.
وقد روى
عنه جمع كثير ممن يأمنون الرقابة
العباسية آنذاك.
فقد جاء في
أنساب السمعاني: (أن أبا محمد أحمد
ابن الطوسي البلاذري الحافظ الواعظ
كتب بمكة عن إمام أهل البيت أبي محمد
الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى
الرضا (عليهم السَّلام).
وقد جمع
الخيري رسائل الإمام العسكري (عليه
السَّلام) في كتاب سماه (مكاتبات
الرجال عن العسكريين).
تفسير
العسكري (عليه السَّلام):
في البحار
(إنه من الكتب المعروفة واعتمد عليه
الصدوق وأخذ منه).
ورواه
الصدوق عن محمد بن القاسم المفسر
الاسترآبادي الخطيب عن أبي يعقوب يوسف
بن محمد بن زياد وأبي الحسن علي بن
محمد بن يسار.
قال ابن
شهر آشوب (خرج من عند العسكري في سنة
255 هـ كتاب ترجمة رسالة المنقبة تشمل
على أكثر علم الحلال والحرام، وأوله
أخبرني علي بن موسى).
ومن كلماته
القصار (عليه السَّلام):
1 - لا
تمار فيذهب بهاؤك ولا تمازح فيتجرأ
عليك.
2 - من
الجهل الضحك من غير عجب.
3 - أقل
الناس راحة الحقود.
4 - أروع
الناس من وقف عند الشبهة.
5 - من
يزرع خيراً يحصد غبطة.
6 - ومن
يزرع شراً يحصد ندامة.
7 - قلب
الأحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه.
8 - ما ترك
الحق عزيز إلا ذل ولا أخذ به ذليل إلا
عز.
9 - خصلتان
ليس فوقهما شيء الإيمان بالله ونفع
الإخوان.
10 - جرأة
الولد على والده في صغره تدعو العقوق
في كبره.
11 - رياضة
الجاهل ورد المعتاد عن عادته كالمعجز.
12 -
التواضع نعمة لا يحسد عليها.
13 - لا
تكرم الرجل بما تشق عليه.
14 - ما
أقبح المؤمن أن تكون له رغبة تذله.
15 - احذر
كل ذكي ساكن الطرف.
16 - أضعف
الأعداء كيداً من أظهر عداوته.
17 - حسن
الصورة جمال ظاهر وحسن الفعل جمال
باطن.
18 - من لم
يتقِ وجوه الناس لم يتقِ الله.
19 - من
أكثر المنام رأى الأحلام.
20 - جعلت
الخيانة في بيت وجعل مفتاحه الكذب.
21 - من
كان الورع سجيته والإفضال حليته انتصر
على أعدائه بحسن الثناء عليه.
22 - لا
يعرف النعمة إلا الشاكر.
23 - من
وعظ أخاه سراً فقد زانه ومن وعظه
علانية فقد شانه.
24 - أولى
الناس بالمحبة منهم من أمّلوه.
25 - من
مدح غير المستحق لقد قام مقام المتهم.
26 - إن
الإلحاح في المطالب يسلب البهاء ويورث
التعب والعناء.
27 - إن
للسخاء مقداراً فإن زاد عليه فهو سرف
وللحزم مقداراً فإن زاد عليه فهو بخل
وللشجاعة مقداراً فإن زاد عليه فهو
تهور.
وفاته
(عليه السَّلام):
قال المفيد
(مرض أبو محمد (صلّى الله عليه وآله)
في أول شهر ربيع الأول وتوفي في
الثامن منه) وفي (الكافي) رواية مفصلة
عن أحمد بن عبد الله بن خاقان وهو
عامل السلطان أنه ذكر في مجلسه سنة
278 هـ خبر وفاة الإمام (عليه
السَّلام) وقال: (ولقد ورد على
السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن
علي ما تعجب منه ما ظننت أنه يكون
وذلك أنه لما اعتل الحسن بعث إلى أبي
أن ابن الرضا قد اعتل فركب من ساعته
إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلاً مع
جماعة من خدم أمير المؤمنين كلهم من
ثقاته وخاصته، وأمرهم بلزوم دار الحسن
وتعرف حاله وبعث إلى نفر المتطببين
فأمرهم بالاختلاف إليه وبعهده صباحاً
ومساءً فلما كان بعد ذلك بيومين أو
ثلاثة أخبر أنه قد ضعف فركب حتى بكر
إليه وأمر المتطببين بلزوم داره، وبعث
إلى قاضي القضاة وأمره أن يختار عشرة
ممن يوثق بدينه وورعه وأمانته فبعث
بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه
ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتى
توفي فلما ذاع خبر وفاته صاحت سر من
رأى صيحة واحدة مات ابن الرضا ثم
أخذوا في تجهيزه وعطلت الأسواق وركب
بنو هاشم والقواد والكتاب والقضاة
والمعدلون وسائر الناس إلى جنازته،
فكانت سر من رأى يومئذ شبهاً بالقيامة
فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى
أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة
عليه فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا
أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على
بني هاشم من العلوية والعباسية
والقواد والكتاب والقضاة والمعدلين.
وقال:
هذا الحسن
بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه
على فراشه وحضره من خدم أمير المؤمنين
فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلانة
ثم غطى وجهه وصلّى عليه وكبر خمسة
وأمر عجلة فحمل من وسط داره ودفن في
البيت الذي دفن فيه أبوه (عليه
السَّلام)).
قال
الصدوق: (كان في ليلة وفاته قد كتب
بيده كتباً كثيرة إلى المدينة لم
يحضره في ذلك الوقت إلا صقيل الجارية
و...
وصلّى صلاة
الصبح على فراشه وأخذ القدح ليشرب
فأقبل القدح يضرب ثناياه ويده ترتعد
فأخت صقيل القدح من يده ومضى من ساعته
(عليه
السَّلام).
وروى أنه
(عليه السَّلام) مضى مسموماً سمه
المعتمد.
الإمام المهدي (عليه
السَّلام)

محمد بن الحسن العسكري
المهدي ولد ليلة الجمعة 15/شعبان/255
هـ قال ابن حجر في
(الصواعق)
(عمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن
آتاه الله فيها الكلمة وسمي القائم
المنتظر، قيل لأنه ستر بالمدينة
(سامراء) وغاب فلم يعرف أين ذهب ومر
في الآية الثانية عشرة قول الرافضة
فيه أنه المهدي) انتهى.
والمستند
في هذا الاعتقاد هو النص الصحيح -
وعلى الأقل من وجهة نظر المعتقد بها
-
والاعتقاد بحياته (عليه السَّلام)
إنما هو امتداد للاعتقاد بقدرة الله
تعالى الذي هو على كل شيء قدير
والنصوص في ذلك كثيرة منها:
رواية
الكليني بإسناده عن جماعة منهم محمد
بن عثمان العمري، قالوا: عرض علينا
أبو محمد الحسن بن علي ابنه (عليه
السَّلام) ونحن في منزله وكنا أربعين
رجلاً فقال: هذا إمامكم من بعدي
وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا
بعدي فتهلكوا في أديانكم أما إنكم لا
ترونه بعد يومكم هذا فما مضت إلا أيام
قلائل حتى مضى أبو محمد (عليه
السَّلام).
وذكر السيد
الأمين: جماعة ممن رآه في الغيبة وذكر
كثيراً من البلدان في (أعيان الشيعة
4/468).
وأما من
رآه ولم يعرفه إلا بعد المفارقة فقد
استقصى أحوالهم كل من اليزدي الحائري
في (إلزام الناصب) والنوري في كتابه
(جنة المأوى) وغيرهم في غيرها، وقد
أنكر المخالفون ذلك حتى اعتبره البعض
من اليوتيبيه في حين أن أشباه ذلك
واقع في التاريخ بنص القرآن فقد قال
الله تعالى في نوح النبي
(فلبث
فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً)
[العنكبوت: 14]، وعن أصحاب الكهف
(ولبثوا
في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا
تسعاً) [الكهف: 25]، وليس حال المهدي
أكثر من حال النبي عيسى الذي قال الله
فيه (زما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه
لهم) [النساء: 157]، وكذا الخضر النبي
والياس فإنهم أحياء بقدرة الله الذي
أوجد الأشياء من العدم، (والغريب) أن
التعصب الأعمى قد يعمي البصر
والبصيرة، قال ابن حجر في (الصواعق
ص166) (ثم إن المقرر في الشريعة
المطهرة أن الصغير لا تصح ولايته فكيف
ساغ لهؤلاء الحمقى المغفلين أن يزعموا
إمامة من عمره خمس سنين وإنه أوتي
الحكم صبياً) وغريب أن يوجه هذا
الإنتقاد الشديد والإتهام ويغفل عن
قوله تعالى : (وآتيناه الحكم صبياً)
[مريم:12].
ويبدو من
الضروري التلميح إلى أمر المهدوية في
الإسلام.
من تاريخ
المهدوية:
المهدي
والمسيح لفظان بمعنى واحد فالمسيح اسم
مفعول أي الذي مسحه للهداية والمهدي
اسم مفعول أي الذي هدى ولا أظن لفظه
استمر استعمالها جيلاً بعد جيل كلفظة
المهدي، روي عن النبي في الإصابة
1213، وأسد الغابة (4 - 31). (وإن
تؤمروا علياً ولا أراكم فاعلين تجدوه
هادياً مهدياً يأخذ بكم الصراط
المستقيم).
ووصف قائد
حركة التوابين سليمان بن صرد الإمام
حسين (عليه السلام) بالمهدي ابن
المهدي، والمختار الثقفي وصف ابن
الحنفية بالمهدي وعمر بن عبد العزيز
وصف بالمهدي وعن الإمام الصادق : كلنا
مهديون نهدي إلى الحق لما سئل أأنت
المهدي من آل البيت؟
والمهم أنه
ليس الإعتقاد بظهور مخلص مقصوراً على
الشيعة أو غير الشيعة من المسلمين إذ
أنه اعتقاد شائع في كثير من الديانات
الشرقية فلقد بشر أنبياء بني إسرائيل
بظهور محرر مخلص يبعثه الله ليخلص
البشر من الظلم والاستبداد.
وانصف مؤلف
نظرية الإمامة قائلاً: (ولا ينفرد
الشيعة الإثنا عشرية بمثل عقيدتهم في
المهدي إذ يشاركهم المسلمون إن نص
عليها القرآن ولم تدع صحة لمرتاب، بل
إن أهل الديانات الأخرى يشاركونهم في
مثل هذه العقائد فالمسيحيون فضلاً عن
المسلمين يعتقدون أن المسيح حي في
السماء وأما اليهود فيعتقدون أن
الياهو (الياس)
دعا الناس إلى التوراة ثم غاب خمسمائة
عام ثم ظهر ودعا إليها ثم غاب ولا
يزال حياً وقد تجاوز عمره ثلاثة آلاف
عاماً...).
ومن هنا
نعرف الغرابة في كلام أحمد أمين
المصري الذي يرى أن المهدوية،
اليهودية مستنداً إلى (عدم ورود هذا
اللفظ فضلاً عن العقيدة في القرآن)
ضحى الإسلام 3/235 في حين أن مادة
الهداية في القرآن كثيرة جداً.
صحيح أن
لفظ (المهدي) لم يرد في القرآن وهل
إلى هذا الحد وصل فهم أحمد أمين بأن
لا يؤمن بشيْ إلا أن يرد في القرآن
بلفظه وما أكثر المفاهيم التي يخلف
تعبير القرآن فيها عن تعابير عصرنا.
وقد عرفت
أن المهدوية والإصلاح في القرآن (إن
أُريد إلاّ الإصلاح... ولا تتبع سبيل
المفسدين).
وأما عقيدة
المهدوية فليس في نص القرآن وإنما هي
من السنة المطهرة، فهل يصح أن تنكر ما
ليس في القرآن من سنة النبي لمجرد
أنها ليست فيه وإن صحت رواية النبي
(صلى الله عليه وآله) وعلى الأقل نظر
المعتقد مع أن الزيدية تعتقد المهدوية
والإمامة شيئاً واحداً فالإمام هو
المهدي والإمام هو القاضي الشجاع
العالم الزاهد الخارج بالسيف، يدعو
إلى الحق ولا يزال التاريخ يحتفظ
بالحركات المهدوية التي قامت مستندة
إلى هذه العقيدة وهذه السلسلة
المترابطة من السنة النبوية.
المهدي في
السنة:
على ضوء ما
تقدم عرفنا أن الإعتقاد بالمهدي
المصلح إنما هو اعتقاد نابع مما روي
في السنة المطهرة عن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين،
لذلك ترى هذا الإعتقاد سائداً بين
علماء الطائفتين معاً السنة والشيعة -
على حد سواء - ونكتفي بهذا الصدد
ببيان بعض الكتب في الموضوع وإضمامة
من الروايات لعل طالب التفصيل يرجع
إليها.
فقد ألف
علماء السنة في إثبات المهدي:
(البيان في
أخبار صاحب الزمان للكنجي)، و(العرف
الوردي في اخبار المهدي للسيوطي).
و(القول
المختصر في علامات المهدي المنتظر
لابن حجر العسقلاني). و(عقد الدرر في
اخبار المنتظر ليوسف بن علي الدمشقي)،
و(في الفتوحات المكية لابن العربي3 -
265) (واعلموا أنه لابد من خروج
المهدي (عليه السلام) لكن لا يخرج حتى
تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملأها
قسطاً وعدلاً ولو لم يكن من الدنيا
إلى يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى
يلي ذلك الخليفة وهو من عترة رسول
الله من ولد فاطمة (عليها السلام)،
جده الحسين بن علي بن أبي طالب ووالده
الحسن العسكري بن الإمام التقي واسمه
رسول الله يبايعه المسلمون بين الركن
و المقام شبيه رسول الله في الخلق).
وروى ابن
حجر في (الصواعق 160) جملة منها وقال:
(ومن ذلك ما أخرجه مسلم وداود
والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون:
المهدي من عترتي من ولد فاطمة، وأخرج
أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة:
(لو لم
يبقَ من الدهر إلا يوم ليبعث الله فيه
رجلاً من عترتي - وفي رواية رجلاً من
أهل بيتي - يملؤها عدلاً كما ملئت
جواراً).
وفي رواية
لما عدى الأخير، لا تذهب الدنيا ولا
تنقضي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ
اسمه اسمي...
وجاء في
الهامش ص163 (أحاديث المهدي كثيرة
متواتر وألف فيها كثير من الحفاظ منهم
أبو نعيم وقد جمع السيوطي ما ذكره أبو
نعيم وزاد عليه في (العرف الوردي في
أخبار المهدي)، ولابن حجر أيضاً كتاب
(المختصر في علامة المهدي المنتظر)،
بالإضافة إلى ما ذكره العلماء
استطراداً في كتبهم في السنة النبوية.
فإن للحافظ
أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني
صاحب الحلية كتاباً اسمه (ذكر بعث
المهدي) وأورد فيه خبره...
وفي سنن
أبي داود (كتاب المهدي) والترمذي في
أبواب الفتن وابن ماجة في باب خروج
المهدي.
ثم إن نصوص
الأحاديث كثيرة ومفادها أن المهدي من
أهل البيت وإنه من ولد الحسين وإنه من
ولد فاطمة وذكر السيد محسن الأمين
قائمة بأسماء علماء قالوا بوجود
المهدي مع تراجمهم منهم:
1 - أبو
سالم كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد
الشافعي في (مطالب السؤول).
2 - أبو
عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي
في (البيان).
3 - نور
الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي
في (الفصول المهمة).
4 - شمس
الدين أبو المظفر يوسف غزاوغلي سبط
ابن الجوزي في (تذكرة الخواص).
5 - الشيخ
محي الدين أبو عبد الله محمد ابن
العربي في (الفتوحات المكية) ص442.
6 - نور
الدين عبد الرحمن أحمد الجامي في
(شواهد النبوة).
7 - الشيخ
عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المصري
المشهور في (اليواقيت) والجواهر في
بيان عقائد الأكابر.
8 - السيد
جمال الدين عطاء الله بن فضل الله
المحدث في (روضة الأحباب).
9 - الحافظ
محمد بن محمد البخاري المعروف بخادم
بارسا الحنفي في (فصل الخطاب).
10 -
العارف عبد الرحمن من مشايخ الصوفية
في (مرآة الأسرار).
11 - أبو
محمد بن إبراهيم البلاذري في (الحديث
المسلسل).
12 - أبو
محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن
الخشاب في (تواريخ مواليد الأئمة).
ولمؤلف كتاب (نظرية الإمامة) كلمة
وافية نكتفي بها: (لقد شارك في
الإعتقاد بالمهدية من أهل السنة من هو
أحق بحكم عدائه التقليدي للشيعة أن
يستنكر عقيدة المهدي استنكار عقائد
الشيعة أعني المذهب السلفي ولكن ابن
تيمية يعتقد بصحة الحديث الذي رواه
ابن عمر (ويخرج في آخر الزمان رجل من
ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملأ
الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وذلك هو
المهدي)، وقول النبي صلى الله عليه
وآله: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)
كما يرى
ابن تيمية أن أحاديث المهدي صحيحة
مستنداً إلى مسند أحمد وصحيح الترمذي
وابن أبي داود.
روايات
الشيعة:
وكذلك رويت
أحاديث كثيرة من طرق الشيعة وإن كانت
أقل بالنسبة إلى ما تحتويه كتب العامة.
وقد كان
هذا الإعتقاد موجوداً في تاريخ الشيعة
منذ القدم حتى جاء على لسان شاعر أهل
البيت دعبل الخزاعي حيث قال:
فلولا الذي أرخوه في
اليوم أو غد لقطع قـــــلبي اثرهم
حســــــــرات
خـــــــروج إمــــام
لا محالة خارج يقـــــوم عـــلى اسم
الله والبركات
يمـــــــيز فـــينا
كل حــــــق وباطل ويــــجزي على
النعماء و النقمات
قال الطبرسي في (أعلام
الورى): (وإذا كانت أخبار الغيبة قد
سبقت زمان الحجة بل زمان أبيه وجده
حتى تعلقت الكيسانية بها في إمامة ابن
الحنفية والناووسية وغيرهم قبل الصادق
والكاظم عليهما السلام وخلدها
المحدثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة
في أيام السيدين الباقر والصادق،
أثروها عن النبي صلى الله عليه وآله
لوجود هذه الصلة له والغيبة المذكورة
في دلائله)اهـ.
وممن أورد
نصوص أحاديث الغيبة النعماني أبو عبد
الله محمد بن إبراهيم والصدوق محمد بن
علي بن بابويه في (كمال الدين) والشيخ
الطوسي وإليك بعضاً منها:
روى الصدوق
بإسناده عن جابر عن رسول الله صلى
الله عليه وآله في بيان أولي الأمر
بعد الأئمة (عليهم السلام) واحداً ثم
قال: (ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه
وبقيته في عباده، ابن الحسن بن علي
ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على
يديه مشارق الأرض بإمامته إلا من
امتحن الله قلبه للإيمان.
فقال جابر
يا رسول الله فهل ينتفع الشيعة به في
غيبته فقال صلى الله عليه وآله وسلم:
(أي والذي بعثني بالنبوة إنهم ينتفعون
به ويستضيؤن بنور ولايته في غيبته
كانتفاع الناس بالشمس وإن جللها
السحاب).
وعن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من
ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه
الناس بي خَلقاً وخًلقاً يكون له غيبة
وحيرة تضل فيها الأمم).
وفي غيبة
النعمان عنه صلى الله عليه وآله وسلم:
(إن القائم الذي يخرج من آخر الزمان
فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً
وجوراً من ذريتك من ولد الحسين
(عليه
السلام).
وعن الإمام
علي (عليه
السلام) قال للحسين (عليه السلام):
(التاسع من ولدك يا حسين هو القائم
بالحق المظهر للدين الباسط بالعدل).
وعن الإمام
الحسن (عليه السلام): (ما منا أحد إلا
ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا
القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن
مريم خلفه فإن الله يخفي ولادته ويغيب
شخصه).
وعن الإمام
الحسين (عليه السلام): (قائم هذه
الأمة هو التاسع من ولدي وهو صاحب
الغيبة وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي).
وعن الإمام
السجاد (عليه السلام): (القائم منا
يخفي ولادته على الناس حتى يقولوا لم
يولد بعد ليخرج حتى يخرج وليس لأحد في
عنقه بيعة).
وعن الإمام
الباقر (عليه السلام): (مولود في آخر
الزمان هو المهدي من هذه العترة يكون
له حيرة وغيبة يضل فيها أقوام ويهتدي
فيها أقوام).
وعن الإمام
الصادق (عليه السلام): (إن في القائم
(عليه السلام) سنة من يوسف قلت كأنك
تريد حيرة أو غيبة قال لي وما تنكر من
هذا إن إخوة يوسف كانوا أسباطاً أولاد
أنبياء تاجروا بيوسف وباعوه وخاطبوه
وهم إخوته وهو أخوهم ، فلم يعرفوه حتى
قال لهم أنا يوسف فما تنكر هذه الأمة
أن يكون الله عز وجل في وقت من
الأوقات يريد أن يستره).
وفي رواية
الإمام الكاظم (عليه السلام) لما قيل
له: أأنت القائم بالحق؟، قال:
(أنا
القائم بالحق ولكن القائم الذي يظهر
الأرض من أعداء الله ويملأها عدلاً
كما ملئت جوراً هو الخامس من ولدي له
غيبة يطول أمرها خوفاً على نفسه يرتد
فيها أقوام ويثبت فيها آخرون).
وعن الإمام
الرضا (عليه السلام) لدعبل لما أنشأ:
خــــــروج
إمــــــــام لا محالة قائم
يقــــــوم عــلى اسم الله والبركات
وبعد الحسن ابنه الحجة
القائم المنتظر في غيبته، المطاع في
ظهوره لو لم يبق من الدنيا إلا يوم
واحد لطوَل الله ذلك اليوم حتى يخرج
يملأها عدلاً كما ملئت جوراً.
وعن الإمام
الجواد (عليه السلام): (القائم منا هو
المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته
ويطاع في ظهوره وهو الثالث من ولدي،
والذي بعث محمداً بالنبوة وخصنا
بالإمامة أنه لو لم يبقَ من الدنيا
إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم
حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً
كما ملئت ظلماً وجوراً).
وعن الإمام
الهادي (عليه السلام): (الخلف من بعدي
ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد
الخلف فقلت: لم جعلني الله فداك؟
فقال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم
ذكره باسمه قلت فكيف نذكره؟ قال: قل
الحجة من آل محمد).
وعن الإمام
العسكري (عليه السلام) كما في الكافي
بسنده عن علي زبلال قال: خرج إلي أبي
محمد الحسن بن علي العسكري (عليه
السلام) قبل مضيه بسنتين يخبرني
بالخلف من بعدك ثم خرج إليَّ من قبل
مضيه بثلاثة أيام يخبرني الخلف من
بعده.
وأيضاً عن
الإمام العسكري (عليه السلام) قال:
(إن الأرض لا تخلو من الحجة على خلقه
إلى يوم القيامة) لما سئل من الحجة
والإمام بعدك؟ فقال (ابني محمد وهو
الإمام والحجة بعدي من مات ولم يعرفه
مات ميتة جاهلية، أما إن له غيبة يحار
فيها الجاهلون ويهلك فيها المبطلون
ويكذب فيها الوقاتون ثم يخرج فكأني
أنظر إلى الأعلام البيض فوق رأسه بنجف
الكوفة) ويعتبر أوسع كتب المتأخرين في
الموضوع (إلزام الناصب في إثبات الحجة
الغائب)، تأليف الشيخ علي اليزدي
الحائري: عندنا منه نسخة مخطوطة
ذكرتها في (الصيانة) وقد طبع بأصبهان
سنة 1315هـ.
شبهات
المخالفين:
هناك شبهات
حول عقيدة المهدوية ترجع كلها إلى:
استبعاد طول العمر؟ وفائدة الغيبة.
وأما
غيرهما من الأسئلة والشبهات فراجعة
إليهما وبعضها تستند إلى دعاوى باطلة
ليس من عقيدة الشيعة من شئ إن ملخص
العقيدة (وجود محمد بن الحسن العسكري
وأنه المهدي الموعود في لسان الله كما
وردت به روايات الفريقين، وإن غيبته
بإرادة الله الذي على كل شئ قدير)
والمسلمون سنة وشيعة يعتقدون بوجود
النبي الخضر وحياة النبي عيسى، كل ذلك
استناداً إلى قدرة الله ومن التهم
الموجهة إلى الشيعة أن المهدي قد
اختفى في السرداب وإنه يظهر منها وما
انصف ما جاء في (خطط الشام ج5 - 248).
(وأما
القول بأنه يخرج من سرداب من سر من
رأى فلم يقل به أحد من الشيعة، وإن
نسبة إليهم من لا يعرف مذهبهم جهلاً
بحقيقة الحال).
ولادة
المهدي (عليه السلام):
إن الظروف
الحرجة التي مرت بالشيعة وكثرة
الأعداء والمناوئين دعت الإمام
العسكري (عليه السلام) أن يكتم ميلاد
الحجة عن العامة.
قال مؤلف
كتاب (نظرية الإمامة: 409) (ولقد أثار
معارضوا العقيدة المهدوية بمفهوم
الشيعة الشك في ولادة المهدي (عليه
السلام) فاستند ابن تيمية وابن حجر
الهيثمي إلى أن جعفر بن علي قد أنكر
وجود ولد لأخيه الحسن العسكري، وطالب
باستحقاقه ميراث أخيه ورفع الأمر إلى
السلطان العباسي وحمله على حبس جواري
الحسن العسكري للتأكد من عدم حملهن).
ففي
(إرشاد
المفيد) (خلف أبو محمد (عليه السلام)
ابنه المنتظر لدولة الحق وكان قد أخفى
مولده وستر أمره لصعوبة الوقت وشدة
طلب السلطان له واجتهاده في البحث في
أمره، ولما شاع من مذهب الشيعة
الإمامية فيه وعرف من انتظارهم له فلم
يظهر ولده في حياته ولا عرفه الجمهور
بعد وفاته، وتولى جعفر بن علي أخو أبي
محمد أخذ تركته وسعى في حبس جواري أبي
محمد واعتقال حلائله وشنع على أصحابه
بانتظارهم ولده وقطعهم بوجوده والقول
بإمامته وأغرى بالقوم حتى أخافهم
وشردهم وجرى على مخلفي أبي محمد يسبب
ذلك كل عظيمة من اعتقال وحبس وتهديد
وتصغير واستخفاف وذل ولم يظفر السلطان
منهم بطائل...).
قال الشيخ
الصدوق: (فلما دفن العسكري) وتفرق
الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب
ولده وكثرة التفتيش في المنازل والدور
وتوقفوا عن قسم ميراثه، ولم يزل الذين
وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا فيها
الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى
تبين لهم بطلان الحمل فقسم ميراثه بين
أمه وأخيه جعفر... والسطان يطلب أثر
ولد الحسن بن علي إلى اليوم وهو لا
يجد إلى ذلك سبيلاً وشيعته مقيمون على
أنه مات وخلف ولداً يقوم في الإمامة).
قال السيد
الأمين في (الأعيان ج4 ص 334): وقد
تضافرت الروايات على أن السطان طلبه
وفتش عليه أشد الطلب والتفتيش لما شاع
من قول الإمامة فيه وانتظارهم له ولما
سبق من آبائه من وصية السابق للاّحق.
...
والسلطان مع ذلك يفحص عن وجود ولد له
(للعسكري) فأخفى الله تعالى أمر ولده
المهدي عنهم حفظاً له من شرهم
وإنقاذاً لما يريده من طول عمره
والانتصار به لتمتلئ الأرض قسطاً و
عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وعن إنكار
جعفر الكذاب يقول الشيخ الطوسي في
(الغيبة):
(قد نطق
القرآن بما كان من ولد يعقوب (عليه
السلام) مع أخيهم يوسف (عليه السلام)
وطرحهم في الجب وبيعهم إياه بالثمن
البخس وهم أولاد الأنبياء وفي الناس
من قول: كانوا أنبياء فإذا جاز منهم
مثل ذلك مع عظم الخطأ فيه فلم لا يجوز
مثله من جعفر بن علي مع ابن أخيه أن
يفعل معه من الجور طمعاً في الدنيا
ونيلها وهل يمنع من ذلك إلا مكابر
معاند).
إن إخفاء
ولادة صاحب الزمان ليس بخارق للعادة
إذ جرى مثال ذلك فيما تقدم من أخبار
الملوك....
وقد نطق
القرآن بقصة إبراهيم (عليه السلام)
وإن أُمه ولدته خفياً وغيبته في
المغارة حتى بلغ وكان من أمره ما كان،
ومن قضية موسى (عليه السلام) فإن أمه
ألقته في البحر خوفاً عليه وإشفاقاً
من فرعون، نطق بذلك القرآن ومثل ذلك
قضية صاحب الزمان سواء، فكيف يقال إن
هذا خارج من العادات ومن الناس من
يكون له ولد من جاريه يتستر به من
زوجته برهة من الزمان حتى إذا حضرته
الوفاة أقر به، وكم وجدنا من ثبت نسبه
بعد موت أبيه في حين أن النسبة لم تكن
معروفة حال الحياة لأسباب عائلية.
طول العمر:
هذا هو
أساس الشبهات ولكن الكلام فيه كغيره
مما أقر الإسلام أن جمهور المسلمين
متفقون على حياة أربعة من الأنبياء
إثنان منهم في السماء وهما إدريس
وعيسى، وإثنان في الأرض هما الياس
والخضر وهم أكثر عمراً من المهدي
المنتظر. راجع هام (الصواعق:223) طبعة
سنة 1375هـ القاهرة.
ذكر النووي
في يتهذيب الأسماء أن أكثر العلماء
على أن الخضر حي موجود بين أظهرنا
وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل
الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع
به وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع
الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى
وأشهر من أن تذكر.
إن المسألة
إذن تعود إلى معرفة هل أن عقيدة
المهدوية ثابتة بالدليل أم لا، الشيعة
قاطبة وجمع كثير من أهل السنة عل ذلك
استناداً إلى روايات النبي صلى الله
عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام
وقد تقدمت الإشارة إليهما.
يقول
سبحانه: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه
فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً)
[العنكبوت: 14].
وقال في
أصحاب الكهف: (ولبثوا في كهفهم
ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً)
[الكهف: 25].
وقال:
(أو كالذي
مر لعلي قرية وهي خاوية على عروشها
قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها
فأماته الله مائة عام قال كم لبثت؟
قال لبثت يوماً أو بعض يوم، قال:
بل لبثت
مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم
يتسنه) إن القدرة العليا الخالقة
قادرة على تحقيق طول العمر، وأما من
الناحية التاريخية فالذين يثبت
التاريخ لهم طول العمر كثيرون راجع
كتاب (المعمرون) لأبي حاتم السجستاني
المتوفى سنة 250هـ طبعة القاهرة عام
1961م. وأما ما ألف بعده فكثير جداً
راجع (الفصول العشرة في الغيبة) للشيخ
الطوسي وكتب الغيبة الأخرى.
وأما من
الناحية العلمية فقد قال الشيخ كاشف
الغطاء في كتاب (أصل الشيعة وأُصولها)
ص111: (أقر بعض العلماء أنه في
الإمكان بقاء الإنسان حياً آلاف
السنين إذا لم تتعرض خلاياه وأنسجة
جسمه للتلف، فالإنسان لا يموت لكبر
سنه أو لبلوغه الثمانين أو التسعين
ولكن لأن عوارض طارئة كالجراثيم تنتاب
بعض أعضائه وتتلفها، فإن أمكن للعلم
إزالة العوارض لم يكن هناك مانع من
استمرار الحياة مئات السنين).
(شبهة
أخرى): قال ابن حجر في (الصواعق)
(والشيعة ترى فيه المنتظر القائم
المهدي وهو صاحب السرداب عندهم
وأقاويلهم فيه كثيرة وهم ينتظرون
خروجه آخر الزمان من السرداب بسر من
رأى دخله في دار أبيه وأمه تنظر إليه
سنة 265هـ وعمره حينئذ تسع سنين فلم
يعد يخرج إليها: وقيل : دخله وعمره
أربع وقيل سبعة عشر، انتهى ملخصاً.
وتعني هذه
الشبهة التشكيك في هذا الإعتقاد بعد
أن ثبت بالسنة المطهرة النبوية
- وعلى
الأقل في نظر المعتقد بها - وملخصها
أنه لا فائدة في الغيبة وينبغي أن
نكتفي في الجواب بما ورد من السنة عن
أهل البيت عليهم السلام.
ففي رواية
عن السجاد (عليه السلام) : (كما ينتفع
بالشمس إذا اختفت وراء السحاب) وفي
رواية عن الرضا عليه السالم: (لئلا
يكون في عنقه بيعة لأحد الحكام إذا
قام بالأمر).
وعن الصادق
عليه السالم: (لا ينكشف وجه الحكمة في
غيبته إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه
الحكمة لموسى حتى خرق صاحبه السفينة
وحين قتل الغلام وحين أقام الجدار إلا
وقت افتراقهما).
اتهام ظالم:
والنقطة
الجديرة بالملاحظة هي أن غيبة الإمام
تنافي وجوب الإمامة فإن الغرض من نصب
الإمام إنما هو بيان أحكام الإسلام
وتنفيذها ومن هنا نشأ اتهام الشيعة
باليوتيبية والغيبية البعيدة عن واقع
الحياة، ولكنه اتهام ظالم ذلك أن
طائفة عاشت برهة طويلة من التاريخ
واحتفظت بكيانها - رغم المضايقات - لا
يمكنها أن تعيش بدون نظام أو بنظام
غير صالح للتطبيق، حيث طبق فعلاً في
هذه الفترة من الزمن (ومن الناحية
النظرية) هناك نظرية اللطف القائلة
بأن وجوده (عليه السلام) لطف وتصرفه
لطف آخر وغيبته منا، كما تفصله كتب
العقائد.
ومن
الناحية العملية باشرت المرجعية
الدينية (الخاصة و العامة) في القيادة
الفكرية أداء دورها العملي وحتى ظهور
الحجة (عليه السلام).
المرجعية
الدينية: وبما أن القيادة الفكرية أمر
ضروري في حياة المسلمين ولها
مواصفاتها وشروطها المشروحة في الفقه
لذلك لم يخل تاريخ الشيعة في أي دور
من الأدوار من مرجع ديني يؤدي مهمته
الرسالية الدينية حسب الملابسات
والظروف ولهذه المرجعية دوران.
الدور
الأول: ويعبر عنه بـ (الغيبة الصغرى)
من سنة 260هـ إلى 329هـ وكانت
المرجعية لأربعة أشخاص يعبر عنهم بـ
(السفراء) والنواب كانت لهم نيابة
خاصة عن الإمام (عليه السلام) وكان
مركزهم بغداد وهم:
1 - أبو
عمرو عثمان بن سعيد العمري المتوفى
/280هـ،
2 - أبو
جعفر محمد بن عثمان بن سعيد الأسدي
المتوفى 305هـ.
3 - أبو
القاسم الحسين بن روح النوبختي
المتوفى 326هـ.
4 - أبو
الحسن علي بن محمد السمري المتوفى
329هـ.
الغيبة
الثانية: ويعبر عنها بـ (الكبرى)
وابتدأت بوفاة السفير الرابع السمري
329هـ
وانتقلت القيادة الدينية إلى المرجعية
في الإفتاء والحكم منذ ذلك العهد حتى
اليوم، ومما ينبغي الالتفات إليه أن
مسألة الإمامة في مفهومها الشيعي
يختلف عن مفهومها السني.
فالإمامة
في اعتقاد السنة هي منصب سياسي لا
يمكن أن يبقى شاغراً ويمكن أن يقوم به
كل بر وفاجر، لذلك لا يمكن أن يتقيد
بعدد خاص والإمامة في اعتقاد الشيعة
منصب إلهي لا يمكن أن يكون شاغراً
أبداً، ولكن قد يجتمع مع المنصب
السياسي وقد لا يجتمع وهي ثابتة
لأصحابها أقر به الناس أم لا؟ ولا
يقوم به سوى البر ولهذا يمكن للإمامة
الروحية أن تتحدد بعدد خاص كما روي
تحديدها بالفعل عن رسول الله صلى الله
عليه وآله سلم في إثني عشر خليفة كما
في صحيح مسلم وقد سموا هؤلاء الإثني
عشر في روايات الشيعة آخرهم محمد بن
الحسن العسكري.
روى الصدوق
عن السجاد (عليه السلام): (في القائم
منا سنناً من سنن الأنبياء عليهم
السلام سنة من آدم، وسنة من نوح، وسنة
من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من
عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد صلى
الله عليه وآله وسلم ، فأما من آدم
(عليه السلام)، ومن نوح (عليه السلام)
فطول العمر. وأما من إبراهيم
(عليه
السلام) فخفاه الولادة واعتزال الناس،
وأما من موسى (عليه السلام)
فالخوف
والغيبة، وأما من عيسى (عليه السلام)
فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب
فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد
(عليه السلام) فالخروج بالسيف).
وعن الصادق
(عليه السلام): ( إن لصاحب هذا الأمر
غيبة لا بد منها يرتاب فيها كل مبطل
فقلت له: ولم جعلت فداك.
قال:
الأمر لم
يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت: فما وجه
الحكمة في غيبته قال: وجه الحكمة في
غيبته غيبة من تقدمه من حجج الله
تعالى، وذكر أن وجه الحكمة في ذلك لا
ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه
الحكمة فيما آتاه الخضر
(عليه
السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام
وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام)
إلا وقت افتراقهما.
يا ابن
فضل: إن هذا الأمر أمر من الله وسر من
سر الله وغيب من غيب الله ومتى علمنا
أنه عز وجل حكيم صدقنا بأن أفعاله
كلها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف
لنا.
والذي يبدو
بعد التأمل في الأصل المتقرر عند
الشيعة من أن النبوة لا بد وأن تتبعها
الإمامة وإنهم إثني عشر وإنه لا فرق
بين النبوة والإمامة في القيادة سوى
الوحي الفارق بينهما.
إن السبب
الذي اقتضى بعثه النبي صلى الله عليه
وآله وسلم هو بنفسه يقتضي وجود الإمام
وهو (اللطف) من الله على العباد بوجود
الحجة على الأرض.
فإن على
الله سبحانه أن يوجد ما به صلاح عموم
العباد وحياتهم كالهواء والماء والليل
النهار، إذ لولاها لهلك الناس ولم
يتمكنوا من الحياة وكذلك الحجة على
الخلق كالعقل الذي هو حجة الباطن
والرسول أو الإمام اللذان هما حجة
الظاهر، فإن الأرض لا تخلو من حجة ولو
خليت لساخت بأهلها وقد أكثر سبحانه
على ذلك في الأنبياء حيث قال تعالى:
(وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)
[الأنفال:33].
وكذلك لم
ينزل العذاب من قبل على أمة لوط مثلاً
وهو فيهم وبما أن الإمامة في اعتقاد
الشيعة هي وصاية للنبوة فيكون كذلك
ولولا وجود الإمام (عليه السلام) لنزل
العذاب عند استحقاقه.
وما أشبه
الليلة بالبارحة فلو تأمل الإنسان في
أنواع المعاصي التي كانت ترتكب في عهد
النبي لوط (عليه السلام) والتي بسببها
استحق القوم العذاب لوجدها متقاربة في
هذا العصر المنكود.
وأجاب
الشيخ المفيد قائلاً: (المصلحة قائمة
في غيبته واستتاره ويرجع لتفصيل ذلك
إلى كتابة (الفصول العشرة:33).
هذا
والظاهر أن المنع من تسمية الإمام
(عليه السلام) التأكيد على إخفاء اسمه
وإنما كان فقط في الغيبة الصغرى التي
كان الخوف للسلطان سائداً.
وأما في
الغيبة الكبرى فلا مجال للقول بالخوف
كما توهم وإنما ذلك أمر أراده الله
فقد روي في كتاب (الإحتجاج). أنه ورد
عليه من الناحية المقدسة على يد محمد
بن عثمان (ره) في ذلك ما نصه.
(وأما علة
ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل
يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا
عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم) إنه لم يكن
أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعة
لطاغية زمانه وإني أخرج حين أخرج ولا
بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي، وأما
وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع
بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب
وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم
أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب
السؤال عما لا يغنيكم ولا تتكلفوا على
ما قد كفيتم، أكثروا الدعاء بتعجيل
الفرج فإن ذلك فرجكم والسلام عليكم يا
إسحق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى).
علامات
الظهور:
تظهر
السمات البارزة في الحركة الإصلاحية
التصحيحية التي يقوم بهاالإمام المهدي
في رواية عن الإمام الصادق (عليه
السلام) ونصها:
(إذا قام
القائم دعا الناس إلى الإسلام من جديد
وهداهم إلى أمر قد دثر فضل عنه
الجمهور، وإنما سمي القائم مهدياً
لأنه مهدي إلى أمر قد ضلوا عنه وسمي
بالقائم لقيامة بالحق).
وروي أن
الصحابة يجمعون من أقاصي الأرض يجمعهم
إليه بمكة (قزع كقزع الخريف)
والقزع
محركة قطع السحاب، وروي أن منهم خمسون
امرأة وهؤلاء هم خواص أصحابه وإن عدة
من يخرج معه أولاً ثلاثمائة وثلاثة
عشر رجلاً بعدد أهل بدر وقد استقصاهم
السيد الأمين في الأعيان
(4 - 540).
وهناك روايات
بعلامات الظهور منها:
ما عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا
يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذاباً
كلهم يقول أنا نبي). وعن الإمام علي
(عليه السلام) (من علاماته خروج
الدجال الذي هو من علامات الظهور إذا
أمات الناس الصلاة وأضاعوا الأمانة
واستحلوا الكذب وأكلوا الربا وأخذوا
الرشا شيدوا البنيان وباعوا الدين
بالدنيا واستتغلوا السفهاء وشاوروا
النساء، وقطعوا الأرحام واتبعوا
الأهواء واستخفوا بالدماء وكان الحلم
ضعفاً والظلم فخراً، وكانت الأمراء
فجرة والوزراء ظلمة والعرفاء خونة
والفقراء فسقة وظهرت شهادات الزور
واستعلن الفجور)إلخ.
وعن الباقر
(عليه السلام): (إذا تشبه الرجال
بالنساء والنساء بالرجال واكتفى
الرجال بالرجال والنساء بالنساء وركب
ذوات الفروج السروج وقبلت شهادات
الزور وردت شهادات العدل واستخف الناس
بالدماء وارتكاب الزنا وأكل الربا
واتقي الأشرار مخافة ألسنتهم فعند ذلك
يخرج السفياني (إلخ).
وفي رواية
أن السفياني يخرج من وادي اليابس
بفلسطين ويملك دمشق وفلسطين والأردن
وغيرها ويقتل الأصهب والأبقع بالشام
اللذين يطلبان الحكم ثم يرسل جيشين:
1 - إلى
المدينة والمهدي بها وينهب الجيش
ثلاثاً بالمدينة ويخرج المهدي إلى مكة
فيرسل آمر الجيش جيشاً إلى مكة فيخسف
بهم في البيداء.
2 -
وثانيهما إلى العراق ويصيب من شيعة آل
محمد قتلاً وصلباً ويرجع إلى الشام
فتلحقه راية هدى من الكوفة فتقتله كله
وما هم من السبي والغنائم.
ولما يصل
المهدي (عليه السلام) إلى مكة يجمع
عليه أصحابه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر
رجلاً عدة أهل بدر فإذا اجتمعت له هذه
العدة ظهر أمره فينتظر بهم يومه بذي
طوى ويبعث رجلاً من أصحابه إلى مكة
يدعوهم فيذبحونه بين الركن والمقام،
وهو النفس الزكية فيبلغ ذلك المهدي
فيهب بأصحابه عن عقبة ذي طوى حتى يأتي
المسجد الحرام فيصلي بهم عند مقام
إبراهيم أربع ركعات ويسند ظهره إلى
الحجر الأسود ويخطب في الناس ويتكلم
بكلام لم يتكلم به أحد، وروي أنه أول
ما ينطق به هذه الآية: (بقية الله خير
لكم إن كنتم مؤمنين) وإذا كمل له
العدد وهو عشرة آلاف خرج بهم من مكة
ثم يستعمل على مكة ويسير إلى المدينة،
فيبلغه أن عامله بمكة قد قتل فيرجع
إليهم فيقتل المقاتلة ثم يرجع إلى
المدينة فيقيم بها ما شاء.
ثم يخرج
حتى يأتي الكوفة وينزل نجفها ثم يفرق
الجنود منها في الأبصار وفيها يخرج
بضعة عشر ألف يدعون البترية
(المعارضة) فيقولون له: ارجع من حيث
جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة فيقع
فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم ويكون
منزله بالكوفة فلا يترك مسلماً إلا
اشتراه وأعتقه ولا غارماً إلا قضى
دينه، ولا مظلمة لأحد من الناس إلا
ردها حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما
ملئت ظلماً وجوراً).
قد ورد في
العلامات روايات كثيرة أنهاها السيد
الأمين (ره) إلى (118) علامة والمتفق
عليها خمس قال:
(فأما
المحتوم فقد اختلفت الروايات في
تعداده زيادة ونقيصة ففي بعضها خمس
علامات محتومات قبل قيام القائم (عليه
السلام):
1 -
السفياني من وادي اليابس بفلسطين من
ولد أبي سفيان لم يرَ مكة ولا المدينة.
2 -
اليماني من اليمن يدعو إلى الحق وفي
رواية (يخرج قبل خروج السفياني).
3 -
والمنادي من السماء باسم المهدي وعن
الإمام الصادق (عليه السلام) النداء
من المحتوم، وفي رواية (عام يسمعه كل
قوم بلسانهم) ولكثرة الروايات فيه قال
الأمين (4 - 49) (إن هذا النداء يكون
أربع مرات).
4 - ويخسف
في البيداء.
5 - وقتل
النفس الزكية.
قال
النعماني: (هذه العلامات التي ذكرها
الأئمة عليهم السلام مع كثرتها واتصال
الروايات بها وتواترها واتفاقها موجبة
أن لا يظهر القائم (عليه السلام)
إلا بعد
مجيئها إذ كانوا قد أخبروا أنه لا بد
منها، وهم الصادقون حتى أنه قيل لهم:
نرجوا أن يكون ما نؤمل من أمر القائم
ولا يكون قبله السفياني فقالوا: بلى
والله إنه لمن المحتوم الذي لا بد منه
ثم حققوا كون العلامات الخمس هي أعظم
الدلائل على ظهور الحق بعدها).
كلمة أخيرة
:
إن البشرية
تنتظر دولة عادلة قائمة على أسس العدل
والفطرة الإنسانية والخير والتعاون
والأمن، هذا ما تشير به العقيدة
بالمهدي المنتظر (عليه السلام)
كما جاءت
النصوص:
(إذا قام
القائم حكم بالعدل وارتفع في أيامه
الجور وآمنت به السبيل وأُخرجت الأرض
بركاتها ولا يجد الرجل منكم يومئذ
موضعاً لصدقته ولا بره وهو قوله
تعالى: (والعاقبة للمتقين).
فالاعتقاد
بالمهدي المنتظر (عليه السلام) ليس
إلا قوة واستعداد للثورة المسلحة في
وجه الظلم والطغيان لذلك نجد التأكيد
في روايات أهل البيت عليهم السلام على
استمرار هذه الروح روح الإستعداد
للجهاد.
كما عن
الإمام أبي جعفر (عليه السلام): (كذب
الوقاتون كذب الوقاتون كذب الوقاتون)
وتنمي هذه الروح سلسلة من الأدعية
المأثورة ونختم حديثنا عن المصلح
الإسلامي والمهدي المنتظر (عليه
السلام) بالدعاء المأثور:
(اللهم إنا
نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها
الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله
وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك
والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة
الدنيا والآخرة).
|