حبّّذا لو تحلّى
الفلسطينيون هذه الأيام بالهدوء التام، والقدرة
على البداية من البديهيات، والانطلاق من الواقع
المجرّد، والعقل السياسي البارد، فهذه وصفة لازمة
لقراءة الحاضر واستشراف النقلة القادمة، وعندما
نقول «الفلسطينيون»، فنحن بالقطع نعني هؤلاء الذين
لم يقبلوا أن يكونوا في تشكيلة «الجدد»، الذين
تخرّجهم في السياسة اليوم آلة وزارة الخارجية
الأمريكية، وفي الأمن شعبة إدارة الجنرال دايتون،
وفي الاقتصاد والاجتماع إدارة تشكيل السيد سلام
فياض ونظرياته الاختراقية في هذا المجال.
نحن فقدنا بصراحة
كل بصيص أمل في ارعواء هؤلاء، ومعها فقدنا أي
إمكانية لا لنصيحة ولا حتى لعتاب معهم، فقد
اختاروا، ولكلٍ دينه، ويكفينا ثلاث إشارات بسيطة
في بحر الأسبوع المنصرم، لكي تجعلنا نقرر فراق غير
وامق، فالذين أغلظوا الأيمان وكبّروا حجرهم في
موضوعة العودة إلى المفاوضات، وجدونا أن حجارتهم
ليست أكثر من عهن منفوش، وعلى الصفين منهم، الذين
ذهبوا للقاء بنيامين، أو الذين أرادوا أن يعلوا
تكتيك المزاودة السياسية، سمعوا من العدو الصهيوني
ما فضحهم وألجمهم، فدلفوا إلى حجرة المصافحة، كأن
لم يغنوا بالأمس لا بقول ولا بحول.
السيد محمود عباس
ومعه طاقمه المفاوض حتى تشييع المفاوضات إلى
مثواها الأخير، سمع من لبيرمان توبيخاً وتقريعاً
على قصة الملف المقدّم لمحكمة الجنايات الدولية،
وسمع تذكيراً بالمشاركة والتحريض على حرب غزة،
فسحب الملف، وسمع من بنيامين نتينياهو تذكيراً بأن
ملف «المغتصبات» لم يكن شرطاً طيلة عقد ونصف، وسمع
من وزارة الخارجية الأمريكية ما لم يصل آذان
الناس، فحواه أن العدو الصهيوني لا يصادر في
المنطقة «أ»، وأن الذي يجتهد السيد عباس والسيد
عريقات بقولهما أن هذه ليست شروط، بل التزامات
العدو في مبتدأ خارطة الطريق، هي التزامات تأتي
عقب أن ينهي طرفهم مستحقات سحق المقاومة نهائيا،
ووقف «التحريض»، وعندما ينهون ذلك، يتوقف الاغتصاب
مؤقتاً، ولكن بعد شرطين لا بد منهما، الاعتراف
بيهودية الكيان، والقبول بما سيقدمه العدو
الصهيوني كتسوية نهائية، يتم التوقيع عليها وعلى
عدم المطالبة لاحقاً بأية مادة عقب ذلك، على أن
تكون هذه الدولة القادمة منزوعة السلاح والكرامة،
حيث أوضح نتينياهو من جديد، أن هذه «أرض» آبائه
وأجداده، وهو إنما يقدم شيئا لمن صادف وتواجد
فوقها، رغبة في عملية سلام مع العالم العربي، لا
أكثر ولا أقل، والاستجابة من قبل السيد عباس
وفريقه التفاوضي، كانت واضحة، عودة من جديد، يبدو
أن العودة متحققة دوما هنا كمفاجئة لا علاقة لها
بالمفاجئات، حتى لو كان الباقي النهائي هو بطاقات
المرور الخاصة!
لا لزوم للف
والدوران، الصورة واضحة جداً ولا تحتاج كثيراً من
الجهد، المفاوضات عادت من جديد، ولكن هذه المرة،
بأفق، ومراحل، ونهاية، وضعتها حكومة نتينياهو-
لبيرمان، وحتى الذين أرادوا من الصف المقابل، أن
يطلقوا صوت مزاودة سياسية، جاءت على لسان السيد
أحمد قريع، تكفل باراك وبن اليعزر بالرد عليه
مباشرة وبكل وضوح، ربما حتى أوضح من تلامذة
الجنرال دايتون الجدد وهم يسيرون في حراسة عدد من
آليات العدو الصهيوني، التي حملت جنرالات زائرين
متفقدين لمدينة بيت لحم، وأوضح أيضا من الدهاليز
الملتوية التي يلجأ إليها السيد فياض في استكمال
عملية التحويل الجديدة، وعندما نقول «تحويل» نقصد
كل مدلولاتها العملية بالكامل، فهي عملية مستمرة
متجانسة، لا تقيم هياكل دولة، ولا حتى هياكل
مزرعة، بل تقيم هياكل تحويل شعب الجبارين خاصة
الراحل ياسر عرفات، إلى شعب الشحاذين والمتسولين
خاصة مرحلة إنتاج «الفلسطينية الجديدة» بكل
توابعها.
حسنا العملية
تتجه إلى انتهاء مرحلة كاملة من حياة هذا الشعب
ونضاله، اليوم فعلا لم يعد هناك أي إمكانية لما
شاع فترة طويلة من الوقت تحت اسم «حل
الدولتين»، ومعه انتهت مرحلة عنوانه الابتدائي،
النقاط العشر و«الحل المرحلي»، وانتهت اليوم بسلطة
حكم ذاتي مؤقت تحت إشراف الاحتلال في مناطق
«أ»، وما هي إلا
سنوات بسيطة ونكتشف أن هذه المناطق ذاتها، أصبحت
مجرد جيوب سكانية داخل مشروع الكيان الصهيوني
للهيمنة والتوسع والقضم الفعلي والنتائجي في
الفراغ والحوض العربي الإسلامي، المسألة لم تعد في
موضوعة التفاؤل أو التشاؤم، المسألة أصبحت في حكم
الانتظار، وكم من الوقت يلزم حتى الوصول إلى هذه
النقطة!
طبعا ثمة
«فلسطينيون قدماء»، أمامهم واحد من اثنين في
الخيارات لا ثالث لهما، اليوم أو غداً لا بد من
الشروع في السير بأحدها، فإما مسألة الدولة
الواحدة ومسارها الذي يأخذ الطابع الدوني، مصيبته
الكبرى تكمن في الجانب الثقافي والتاريخي، وبالذات
في جزء الرواية الفلسطينية التاريخية التي ستجد
نفسها مضطرة لأن تتوارى إلى الخلف، بحيث تصبح
مجرّد أيقونة تاريخية لن يكون سهلا لها أن تتموضع
في أي واقع من هذا النوع، ناهيك عن تواضع النتائج
التي سيتم حصدها في مقابل الزمن الطويل، وفي مخاطر
التطبيع الممكنة عربياً وإسلامياً، فإن ضمان
الصيرورة القومية أو حتى الإنسانية لهذه التجربة،
لن تكون سهلة على الإطلاق، وستجد عشرات الأفخاخ في
الطريق.
وأما الخيار
الثاني، فهو الخيار الوطني الحقيقي، أي خيار الحسم
التاريخي ونضال الشعوب التي استخدمت كتالوج «حرب
التحرير الشعبية»، بكل تفصيلاته وإرشاداته، وقيمة
هذا الخيار تبدأ منذ البداية، في تجنب كل أفخاخ
الخيار الأول، عدا عن كونه سيشكل بكل تأكيد جسر
عبور لمحاولة قومية جديدة في عالم المستقبل، هذه
الطريق هي الوحيد الكفيلة بتفعيل كوامنها وإطلاق
إمكاناتها المتحوصلة، ومثلما لن يكون الخيار الأول
سهلا، فإن هذا الثاني ليس هو الأقل صعوبة أيضا،
لكنه الخيار الأكثر واقعية نضالية، والأصوب في
الحتميات التاريخية، والأنسب لمراكز الاستناد
الفكري والروحي، لدى شعب مثل الشعب العربي
الفلسطيني، وهو الوحيد القادر على الوصول إلى
النتيجة التاريخية الأكثر أمناً لهذا الإقليم، في
تفكيك أوصال المشروع الصهيوني نفسه، وتحويله من
مشروع استعماري منتج، إلى مشروع استعماري خاسر
للأبد.
ثمة عدة طرق
للوصول إلى لحظة الخيار، واحدة منها كما جرت
العادة حتى الساعة، الانتظار حتى ساعة الحقائق،
وحتى ساعة فرض الواقع نفسه على الجميع، أو
المبادرة إلى استباق ذلك ولو في وقت متأخر، وعملية
إدارة هذه الحرب الطويلة المضنية، تبدأ أولا من
تحشيد وتجميع عناصر القوة الذاتية، والتي أولها
الوحدة النضالية والمجتمعية للشعب الفلسطيني،
والبرنامج السياسي العام القادر على صياغة
الاستراتيجيات والتكتيكات الناجحة، ومن ثم الأداة
النضالية الجبهوية التي تتيح ترجمة هذا كله إلى
واقع، وهنا تبدأ الحاجة إلى ضرورة عقد مجلس وطني
فلسطيني شامل، يقوم بالتقييم والمراجعة من جهة،
ويدرس الخيارات وينتخب قيادة فلسطينية حقيقية،
تستطيع افتتاح عصر جديد للشعب الفلسطيني وللأمة
العربية، ينقل هذا الشعب من براثن ومصير تجديد
«التسول» الذي يراد له أن يكون عليه، إلى تجديد
«الثورة» الحقيقي، وليس استخدام الكلمة المضحك هذه
الأيام لدى بعضهم، فهو يؤمن سيارة جنرال صهيوني
بطريقة « ثورية»، بالضبط كما يرفع شعار «ثورة لمن
صدق وليس لمن سبق»، والمهم هو صدق فيم، وصدق مع
من، ولصالح من ..
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com