تستخدم كلمة (ثقافة) في الأدبيات الاجتماعية
والسياسية للدلالة على معنيين متميزين ومترابطين
في آن. الاستخدام الأول يرتبط بالمعنى العام
للثقافة بوصفها مجموعة المفاهيم والقيم والخبرات
المشتركة للمجتمع الإنساني، والتي تتجلى عملياً من
خلال المؤسسات والقوانين وقواعد السلوك وأساليب
التنظيم والإنتاج. كما تستخدم كلمة ثقافة
استخداماً خاصاً لوصف الخصائص المحددة لجماعة
سكانية معينة، فنميز حينئذ بين ثقافة عربية وهندية
وصينية وغربية. وتتعدد الثقافات وتتكاثر ضمن
المجتمع الواحد. لذلك يمكننا تمييز ثقافات فرعية
داخل الثقافة العربية، كالثقافة المغربية والمصرية
والسودانية والنجدية والسورية. كذلك يمكن تمييز
ثقافات ثانوية داخل الثقافات الفرعية، إذ يغلب على
سلوك سكان مناطق معينة ضمن القطر الواحد أساليب
محددة في التنظيم والتعامل، تختلف عن تلك التي
تطبع سلوك أقرانهم في مناطق مجاورة. فقد يغلب على
سلوك السكان في إحدى المناطق الجد والدّقة في
المواعيد والحدّة في التعامل، بينما يتسم سكان
مناطق أخرى بالاسترخاء والميل إلى الدعابة وسعة
الصدر في التعامل. وهذا الفهم لطبيعة الثقافة
وعلاقتها بالسلوك الاجتماعي العام يدعونا إلى
تعريف الثقافة بأنها المحتوى الاخلاقي والفكري
الذي يوجه السلوك العام، ويحدد الفعل الاجتماعي
المشترك، لمجموعة سكانية محددة.
ولأن الثقافة ترتبط بالبعد النفسي والفكري لأفراد
المجتمع، فإن الخصائص الثقافية لجماعة سكانية
معينة متغيرة بتغير أحوالها المعيشية أو بتغير
أفكارها وقيمها السائدة. ولقد لاحظ المفكرون منذ
القديم التغيرات المستمرة التي تتعرض لها
الثقافات. فأفلاطون، الفيلسوف الإغريقي المعروف،
يعيد انحلال الدولة في كتابه الشهير (الجمهورية)
إلى تبدُّل الظروف الاجتماعية من جهة، وتراجع
القيم الأخلاقية من جهة أخرى. لذلك يعزو أفلاطون
انهيار مجتمع الفضلاء إلى تبدل نفسي قيمي يحولهم
إلى طبقة نبلاء تتنازع السلطة بحثاً عن المجد
والتوسع العسكري، ثم تتحول طبقة النبلاء إلى طبقة
أثرياء مع تزايد الثروات، وتوقف حركة التوسع
العسكري وانتقال التنافس من القوة إلى الثروة،
لتتحول بعد ذلك إلى دولة ديمقراطية إثر ثورة
الفقراء وتحكمهم بالأثرياء، لتنتهي أخيراً إلى
دولة مستبدة عندما يتولى السلطة فرد قوي يستفيد من
تنازع جمهور الناس، وغياب مراكز القوى المتمثلة
بالنبلاء ثم الأثرياء.
كذلك يربط ابن خلدون في (مقدمته) تغير أحوال الناس
العامة بتغير أحوالهم المعيشية وأخلاقهم النفسية،
ويعلل قيام الدولة وانهيارها بتغير الأحوال
النفسية لمؤسسيها. فالقوة النفسية والتضامن العضوي
يمكّن الآباء المؤسسين من إقامة دولتهم. ويعزو ابن
خلدون مصدر القوة النفسية والتضامن العضوي إلى
حياة البداوة الخشنة التي تطبع الإنسان على الصبر
والعزيمة والحزم، وتدفعه إلى التضامن مع عشيرته
للتغلب على الصعاب والتحديات. في حين يعزو انهيار
الدولة إلى حياة الدعة التي ترافق مراحل استقرارها
وتدفع الأبناء إلى الاستسلام للذّات في غياب
التحديات التي تشحذ الهمة وتقوي العزيمة.
وعلى الرغم من أن ابن خلدون، وأفلاطون من قبله، لا
يستخدمان كلمة ثقافة للإشارة إلى الخصائص النفسية
والفكرية التي تميز الجماعات السكانية، أو تفاضل
بين الأجيال المتعاقبة في المجتمع الواحد، فمن غير
الصعب ملاحظة تطابق توصيفهما للتغيرات النفسية
والفكرية ومفهوم الثقافة المستحدث.
فإذا انتقلنا من تحليل العلاقة بين الثقافة
والدولة إلى فهم العلاقة بين الثقافة والحضارة
فإننا نلحظ ارتباط البروز الحضاري بالثقافة
الناهضة. ومن المفيد لتوضيح هذا الارتباط التوقف
قليلاً عند الحضارتين الأخيرتين اللتين عرفتهما
البشرية، الحضارة الإسلامية التي تحولت إلى حضارة
عالمية بين القرنين الثاني والتاسع الهجريين،
والحضارة الغربية التي برزت في القرن الرابع عشر
الميلادي، وامتدت في القرن الثامن عشر، ولا زالت
مهيمنة حتى يومنا هذا.
إن المتأمل في التبدلات الثقافية التي رافقت
البروز الحضاري للحضارتين الإسلامية والغربية يلحظ
التشابه الكبير بين الأنساق العامة لآليات التغيير
الثقافي والاجتماعي. ويمكن تمييز مراحل ثلاث
أساسية:
1- مرحلة الإصلاح الثقافي: وهي المرحلة التي وافقت
في التاريخ الإسلامي نزول الوحي وتأسيس مجتمع
المدينة على أسس أخلاقية وتصورية توحيدية، من
تساوي الناس بالكرامة والحقوق، والتكافل
الاجتماعي، والتضام التعاقدي؛ ووافقت في التجربة
الغربية الحديثة حركة الإصلاح الديني في أوروبا
الغربية.
2- مرحلة العقلنة والتأسيس: التي حولت القيم
والتصورات الجديدة إلى مؤسسات اجتماعية وقوانين
تفصيلية، ورافقت في التاريخ الإسلامي عصر التدوين،
وفي التاريخ الغربي حركة الأنوار.
3- مرحلة التراجع الثقافي والتحلل الأخلاقي:
وواكبت في التاريخ الإسلامي سقوط بغداد في نهاية
الدولة العباسية، ودول الطوائف في الأندلس،
وأخيراً ولاية سليم الثالث في الدولة العثمانية.
ويرى كثير من المحللين أن القرن الحالي يشكل عتبة
هامة في الحركة التاريخية للمجتمع الغربي. وعلى
الرغم من صعوبة الحكم على حقبة تاريخية من داخلها،
فإن الأطروحات التي تحمل عنوان البعدية (ما بعد
الحداثة، ما بعد العقيدة، ما بعد البنيوية، ما بعد
الدولة..) تحمل ظلال التفكك والتآكل والتراجع.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com