صرنا نقرأ هذه الأيام عن
تسويات أجرتها الحكومة معرجال الأعمال الذين
هربوا من مصر بعدما عجزوا عن سداد مديونياتهم لسبب
أوآخر.
وكانت تلك التسويات مقدمة
لعودتهم واستئنافهم لحياتهم الطبيعية، وهوما رحبت به وسائل
الإعلام، وتحفظت
عليه في حينه، حيث دعوت إلى التحقق مناستعادتهم لاعتبارهم
أولا، لأنه من غير المستساغ أو المفهوم أن يهربالواحد منهم بفلوس
البلد أو يهدر الحقوق المعلقة في عنقه، ثم يعود
إلينابعد عدة سنوات، وقد أجرى تسوية
لا نعرف مضمونها، ويطالبنا بأن ننسى الذيفات، واعتباره كأن لم
يكن.
وأعترف
بأنني حين قلت هذا
الكلام،
كنت أحسن الظن بالتسويات التي عقدتولم يخطر على بالي أن
يتم استغفال الحكومة فيها، وهي التي باتت تعصرالمواطنين لكي تسترد
حقوقها، وتبتدع كل حين حيلة جديدة لكي تفتش في
جيوبهملتنتزع منها ما تريد،
لكنني اكتشفت لاحقا أن
إحسان الظن كان تعبيرا عن جهلبحقيقة ما يدور وراء
الكواليس وفي ثنايا الأوراق، وأن الحكومة التي
تتفننفي الاحتيال علينا واستعراض
شطارتها في التعامل معنا، تخرج من تلكالتسويات مضحوكا عليها
ممن هم أشطر وأخبر منها بفنون الاحتيال.
هذا الانطباع خرجت به حين
أتيح لي أن أطلع على نص عقدين للتسوية أبرمامع أحد رجال الأعمال
الذين عادوا إلى مصر أخيرا، ولم أصدق عينيّ حين
وقعتعلى بنود التسوية، حتى إنني لم
أستوعب ذلك المضمون إلا بعد القراءةالثانية،
ومع ذلك فمازلت غير مصدق
أن ممثلي الحكومة المصرية يمكن أنيوقّعوا على تلك
التسوية في ظروف عادية، ولا أخفي أنني من فرط
الدهشة لمأعد مشغولا بما في
التسوية من استهبال واستغفال، بقدر انشغالي بطبيعةالظروف التي وقّع فيها
ممثلو الحكومة على العقدين.
خلاصة القصة أن رجل الأعمال
العائد كان مدينا لأربعة بنوك في مصر بمبلغ
2 مليار و860 مليون
جنيه، إلا أنه في بداية المساومة تم إسقاط 600
مليونجنيه عنه مرة واحدة، ومن ثم
بدأ الكلام في التسوية عن مبلغ مليارين و260مليون جنيه، وبعد الأخذ
والعطاء أعفي صاحبنا من مبلغ مليار و285 مليونجنيه.
أما
المبلغ الذي تبقى بعد ذلك (950 مليون جنيه)، فقد
اتفق في العقدينعلى سداده على مدد
تتراوح بين ست وعشر سنوات، وتم احتساب الفائدة على
أساس7 ٪،
في حين أن أقل سعر للاقتراض هو 12 ٪، أي إن البنوك
بمقتضى الاتفاقخسرت 5 ٪ من استحقاقها
سنويا.
بعملية حسابية بسيطة نجد أن
ممثلي الحكومة المصرية وافقوا على إسقاطوإعفاء رجل الأعمال
المذكور من مبلغ مليار و885 مليون جنيه،
وإذا أضفت فرقسعر الفائدة للسداد
المؤجل الذي يعادل 300 مليون جنيه، فسنجد أن رجلالأعمال المحظوظ أعفته
حكومتنا السنية من مبلغ مليارين ومئة وخمسة
وثمانينمليون جنيه.
ولكي
تدرك المدى الذي ذهبت إليه في «التسامح» مع رجل
الأعمال الهارب،فربما يفيدك أن تعلم
بأن المذكور لن يؤدي المبلغ المتبقي عليه نقدا،
ولكنهسيسدده من خلال عقارات مغالى
في قيمتها، وموجودة تحت يد البنوك فعلا،وبيعها لم يتم!
«المسخرة»
تبدو أكثر وضوحا في اتفاق التسوية الذي تم مع أحد
البنوك فيإطار الصفقة التي نحن
بصددها،
إذ اتفق على اعتبار الرصيد
المدين ملياراو540 مليون جنيه، وهذا
المبلغ أسقطت منه فوائد عن أكثر من خمس سنوات تقدربمبلغ 700 مليون جنيه
على الأقل، فضلا عن نص الاتفاق على أنه في حالةالتزام صاحبنا
بالتسوية، فإنه يعفى من مبلغ إضافي قدره 800 مليون
جنيه، أيإن الرجل أعفي عمليا من
مليار ونصف المليار جنيه. أما ما تبقى منالمديونية (733 مليون
جنيه)، فتسدد كالتالي: 138 مليونا تسدد خلال ثلاثةأشهر من حصيلة عقارات
مرهونة للبنك ـ الباقي (595 مليون جنيه) بسدد علىأقساط خلال فترة تتراوح
بين 8 و10 سنوات.
ألا يحق لنا أن نتساءل بعد
ذلك، عما إذا كان ممثلو الحكومة المصرية فيكامل وعيهم حين وقّعوا
على هذه التسوية، وعن نوع «المياه الصفراء» التيقُدِّمت إليهم قبل
التوقيع،
وإذا صح أن ممثلي الحكومة
كانوا في وعيهم حين «وقعوا»،
فإن ذلك يستدعي سؤالين هما:
هل تتعامل الحكومة بنفس
الكرموالأريحية مع جميع المتعثرين؟
ثم، لماذا تتسامح إلى حد
التفريط في الحقوقمع الذين نهبوا أموال
الشعب، في حين تستقوي ولا تستخدم إلا لغة السحقوالقمع مع معارضي
النظام وخصوم السلطة؟!
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com