سامي عبد الرؤوف عكيلة : ناشط في
مجال التنمية البشرية
تاريخيا فإن أخطاء الأمة شهدت حملة تبريرات هي
الأعنف, فرأينا كيف بررت الأمة حادثة سقوط النهضة
الإسلامية في بلاد الأندلس ببيت شعرٍ على لسان أبي
البقاء الرندي "لكل شيء إذا ما تم نقصان ** فلا
يغر بطيب العيش إنسان", نهضة دامت ثماني قرون ورفع
لها العالم القبعة ينتهي التحليل في أسباب سقوطها
إلى ذاك البيت من الشعر!!
إن أحد أهم الأسباب التي تقف خلف حالة الضعف التي
تعيشها الأمة يعود إلى ثقافة التبرير التي تتغلغل
في عقول ونفوس الجيل, فما إن تُوجه نقدا لأحدهم
حتى تنهال عليك المبررات المعدة مسبقاً.
لماذا لا نحب أن نعترف بأخطائنا؟ لماذا لا نجرأ
على مواجهة عثراتنا؟ إلى متى ستبقى الأمة تعتبر
الإعلان عن الفشل درباً من دروب المذلة
والانحطاط؟!
ماذا كلفت ثقافة التبرير الأمة؟! لقد أنفقت الأمة
وقياداتها وأفرادها من الوقت الذي لو وجّه إلى
التحليل العلمي لما كان حال الأمة هو الحال, انكفأ
الرواد إلى سَوْق التبريرات تلو التبريرات ظنا
منهم أنهم بذلك يحمون الناس من الفتنة والانهيار
وفقدان الثقة, ولم يواجهوا الشعوب العربية
والإسلامية بحقيقة ما جرى, وأمة لا تجيد فن النقد
والتحليل المنطقي لا يمكن لها أن تتوصل لحلول لأي
من التحديات التي تعصف بها.
لقد غاب عن المنهاج المدرسي العربي والإسلامي
الكتاب الواضح والجريء الذي يشرح الفتنة التي حدثت
في عهد الصحابة وأدت إلى مقتل عثمان وعلي والزبير
وطلحة وعمار وعدد من الصحابة الأجلّاء, طغى صوت
التبرير على صوت النقد فماذا كانت النتيجة؟! تسابق
المغرضون في نشر أباطيلهم في أوساط الجيل المسلم,
فوقع الناس في حيص بيص, لذا فنجد فتنة الصحابة
تتكرر في كل عام مرة أو مرتين في بقاع الأمة.
وحديثا سقطت فلسطين مهد الرسالات عام 1948م فماذا
كان تبرير الأمة؟! تارة إن الأسلحة كانت فاسدة,
وتارة مؤامرة كبيرة دُبرت بليل ضد العرب, وتارة
الدعم العالمي غير المسبوق لليهود, ولم تعترف مرة
بالأسباب الحقيقية والمتعلقة بأزمة القيادة
والتنظيم والاستعداد والتخطيط, فتكررت الهزيمة في
1956 وفي عام 1967.
لقد ابتلى الله تعالى نبيه والمؤمنين معه يوم أحد
فكان الإعلان القرآني الواضح والصريح والذي وضع
النقاط على الحروف دون لبس أو مجاملة قاطعا بذلك
الطريق على كافة التبريرات فقال تعالى :"
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ
أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا
قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
آل عمران: 165
"قل هو من عند أنفسكم" الدواء الداوي لعلاج النفوس
التبريرية ليجرها إلى لوم ذاتها كنقطة للتحول
الحقيقي من الهزيمة إلى الانتصار.
ثقافة التبرير هي درب من دروب الكذب وخداع الذات
والشعوب والجيل بأكمله, وهي سمة من سمات الظالمين
الذين تحدث عنهم الله تعالى قائلا :" إن
الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم
كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن
أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم
وساءت مصيرا"
النساء : 97" .
الأولى/
المنتفعون والمصلحون في الأمة المستفيدون من بقاء
الحال على ما هو عليه
الثانية/
المتسترون خلف ورقة التوت, يخافون سقوطها حتى لا
تنكشف عوراتهم أمام العامة من الناس فيدفعون ثمن
أخطائهم وسقطاتهم.
الثالثة/
المتكاسلون الذين يغطون في الشهوات والنوم العميق
يخشون الحقيقة حتى لا يقعون تحت ضوء العمل
والعطاء.
يجب أن تهدأ نبرة التبرير في خطابات القيادات في
الأمة لتكون أكثر احتراماً لعقول الشعوب
وإنسانيتها, ما عادت الخطب التسكينية تحدث ذات
القدر من التخدير في جسد الأمة كما كانت تفعل قبل
قرن أو قرنين, الجسد بدأ يتمرد على كل محاولات
الخداع والتزييف وما عادت العقول تتلقف كل ما
صنعوا.
وعلى كاهل أهل التربية حمل ثقيل لمعالجة آثار
التبرير أولا, ومن ثم العمل على سحب تلك الثقافة
من المقررات والمناهج الدراسية, وإحلال ثقافة
النقد والتحليل والمراجعة مكانها, ومن بعد من
الممكن أن تبدأ الأمة في الانتصار على الذات
ومواجهة التحديات ومصارعة الأمم الأخرى في ميادين
النهوض .. فهل أنتم فاعلون يا قوم؟!
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com