قضية
المقاومة فقدت أولويتها ووهجها في الرؤية
الاستراتيجية رغم أهميتها للأمن الوطني
-
لا غرابة في أن يشيع السخط والغضب في أوساط
المجتمع باختلاف شرائحه إزاء ما يحدث
حينينعقد اجماع أغلب
المصريين على فقدان الثقة في الحاضر وتزايد القلق
علىالمستقبل، فإن ذلك يعيد إلى
الأذهان مشاهد مفصلية في تاريخ مصر الحديثبعضها في أواخر العهد
الملكي، والبعض الآخر عقب هزيمة يونيو عام 1967.
(1)
عقبعودة الملك فاروق من
رحلته إلى الخارج في صيف عام 1950 وجه إليه زعماءالمعارضة رسالة شهيرة،
قيل إنها من أصرح ما تلقاه منذ تقلد منصبه.
إذتحدثت الرسالة عن إفساح
مكان «في الحاشية الملكية لأشخاص لا يستحقون هذاالشرف، فأساءوا النصح
وأساءوا التصرف». وأشارت إلى أن «النظام النيابي
قدأضحى حبرا على ورق». ثم وجهت
تحذيرا من أن «احتمال الشعب مهما يطل فهولابد منته إلى حد.
واننا لنخشى أن تقوم في البلاد فتنة لا تصيبن
الذينظلموا وحدهم، بل تتعرض فيها
البلاد إلى إفلاس مالي وسياسي وخلقي».
هذاالكلام لم يأت من فراغ،
لأن الغيوم التي تجمعت في الأفق السياسي كانتواضحة لدى رموز الحياة
السياسية في ذلك الوقت. إذ لم يمض وقت طويل حتى
حدثحريق القاهرة في 25 و26 يناير
عام 1952، الذي انكشف فيه النظام السياسي،وأدرك الجميع أن عجزه
قد بلغ مداه، وأنه لم يعد قادرا على السيطرة علىالوضع العام في مصر.
ويذكر الدكتور يونان لبيب
رزق في كتابه عن تاريخالوزارات المصرية أن ما
جرى بعد ذلك أكد أن النظام قد تسيب وأن الأشهرالستة اللاحقة كانت
بمثابة مرحلة الاحتضار، التي تشكلت فيها أربع
وزاراتظلت تتخبط في أدائها،
ولم تستطع أي منها أن تنجز شيئا مما وعدت به،
فوزارةعلي ماهر باشا شغلت
بالتحرير وتحقيق الوحدة الوطنية لكنها لم تستمر
لأكثرمن شهر.
ووزارة نجيب الهلالي باشا
اعطت الأولوية للتطهير حتى اصطدمتبالفساد في رأس النظام.
وتحدث البعض عن صفقة مالية دفعها عبود باشا إلىالقصر للتخلص من حكومته
بعد مضي أربعة أشهر.
بعدها جاءت حكومة حسين سريباشا التي رفعت شعار
الإصلاح الاقتصادي، ولم تستمر أكثر من عشرين يومااضطر بعدها إلى
الاستقالة بسبب أزمة حل مجلس إدارة نادي الضباط،
التي كانتمن إرهاصات قيام الجيش
بثورة يوليو،
ولانقاذ الموقف المتسيب
أعيد تكليفالهلالي باشا بتشكيل
الوزارة يوم 22 يوليو من العام ذاته (1952) لكنه
لميهنأ بمنصبه، لأن الثورة قامت
بعد 18 ساعة من إعلان التشكيل، لتدخل مصرمرحلة جديدة في تاريخها.
(2)
مثلما كان حريق القاهرة
في مستهلعام 1952 مؤشرا على عجز
النظام الملكي عن السيطرة على الحكم في مصر، فإنهزيمة يونيو 1967 كانت
إعلانا عن انكشاف النظام المصري وسقوطه في اختبارالمواجهة العسكرية مع
إسرائيل.
وكما اهتزت ثقة المصريين في
نظام الملكفاروق عقب حريق
القاهرة، فان تلك الثقة عاودت الاهتزاز في نظام
الرئيسعبدالناصر بعد ما سمي
بنكسة يونيو. وتجاوزت الصدمة حدود الثقة في نظامه،لأنها ضربت في الوقت
ذاته ثقة الجماهير في المشروع الذي تبناه.
وقد سعىالرئيس عبدالناصر إلى
احتواء تلك الصدمة وامتصاص آثارها من خلال عرضهالتنحي عن السلطة
وتقديم عدد من قادة القوات المسلحة إلى المحاكمةلمساءلتهم على تقصيرهم،
والمسارعة إلى بناء القوات المسلحة، على نحو مكنهامن أن تخوض حرب
الاستنزاف ضد إسرائيل بعد أشهر قليلة من الهزيمة.
كما أنهأطلق فيما بعد ما سمي
ببيان 30 مارس الذي كان بمثابة محاولة إعادة الوضعالسياسي الداخلي. لكن
القدر لم يمهله لكي يكمل مشوار استعادة الثقة،
لأنهانتقل إلى رحاب ربه في عام
1970.
(3)
اللا يقين الذي ساد في
مصربعد حريق يناير 1952 وعقب
هزيمة يونيو 67 هو ذاته المخيم على مصر هذهالأيام. ذلك أن الثقة
في الحاضر تراجعت إلى حد كبير، كما أن الحيرة في
شأنالمستقبل تتزايد حينا بعد حين.
ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن رموز المعارضةالمصرية الآن (الحقيقية
وليست المغشوشة) إذا قدر لهم أن يوجهوا رسالة إلىالقيادة السياسية عن
الأوضاع الراهنة فانهم سوف يستخدمون في وصف الوضعالداخلي نفس العبارات
التي أوردها زعماء المعارضة إلى الملك فاروق بعدعودته من الخارج في سنة
1950.
وإذا كان المؤرخون قد
شهدوا بأن الأشهر التيأعقبت حريق القاهرة قد
كشفت عن حقيقة عجز النظام عن إدارة البلد، فبوسعناأن نخلص إلى نفس
النتيجة حين نتابع سجل الأداء الحكومي خلال
السنواتالأخيرة. وهي السنوات
التي تفجرت فيها مشكلات الخبز والمياه الملوثةوانهيار خدمات التعليم
والصحة والمواصلات، وصولا إلى الفشل المدهش فيالتعامل مع السحابة
السوداء ومشكلة القمامة وكارثة السيول، ومرورا
بحوادثالفتنة الطائفية وكارثة
إهدار الثروة العقارية للبلد، إلى جانب ارتفاعمعدلات الغلاء الفاحش
والبطالة، والعجز المخيف في ميزان المدفوعاتوالارتفاع الصاروخي في
مؤشرات القروض والديون.
لا نستطيع أن نتجاهل فيهذا السياق المؤشرات
التي أعلنتها مؤسسة الشفافية الدولية، التي وضعت
مصرفي المركز الحادي عشر بين 19
دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنحتهاالمرتبة 111 من 180
دولة على مستوى العالم في مؤشر الفساد لعام 2009.
وخلصت من التقرير إلى أن
الفساد مستشرٍ في مصر، وانه يتعين وضع قيود مشددةتضبط عملية الاعتماد
على رجال الأعمال في المناصب العامة.
إزاء ذلك فلاغرابة في أن يشيع السخط
والغضب في أوساط المجتمع المصري باختلاف شرائحه.
وان تتوالى الإضرابات
والاعتصامات التي اتخذت من الرصيف المجاور لمجلسالشعب قبلة لها. صحيح
أن أولئك المتظاهرين أو المعتصمين خرجوا إلى
الشارعمطالبين بتحسين أحوالهم
المعيشية، إلا أننا ينبغي ألا ننسى أن هؤلاءأنفسهم اعتادوا أن
يبتلعوا الغضب ويختزنونه، لكن وطأة الظروف القاسية
التييعيشون في ظلها فاقت قدرتهم
على الاحتمال. إلى جانب هؤلاء، فإن أيمتابع للمدونات ورسائل
الإنترنت وكتابات الفيس بوك يستطيع أن يلحظ أن ثمة
«نفسا» جديدا بين
المتعاملين مع تلك الساحات، القاسم المشترك الأعظم
بينهمهو رفض الوضع الراهن بشخوصه
وسياساته،
ذلك واضح أيضا في موقف
حركاتالاحتجاج السياسي المتعددة
التي ظهرت تباعا خلال السنوات الأخيرة. وكانذلك النفس أشد وضوحا في
استقبال الدكتور محمد البرادعي والتفاف العديد منالقطاعات حوله، ليس فقط
تأييدا له كوجه مستقل قادم من خارج الخرائطالتقليدية المرسومة،
ولكن أيضا تعبيرا عن رفض البديل المفروض على
البلد،والمتمثل في هيمنة
الحزب الوطني ومصادرته للحاضر والمستقبل.
والذي لاشكفيه أن مرض الرئيس
مبارك والشائعات التي مازالت تدور حول طبيعة المرضواحتمالاته استدعت بقوة
ملف المستقبل وبدائله. ورغم أن عودة الرئيس إلىالوطن أثارت قدرا نسبيا
من الارتياح، فإنها لم تبدد تماما الشائعاتالمتداولة في البلد،
حول فترة نقاهته وتطورات علاجه. صحيح أن تصريحاتوتسريبات عدة تحدثت في
الأسبوع الماضي عن احتمال ظهوره وعودته التدريجيةإلى ممارسة نشاطه، إلا
أن المتداول في الأوساط الطبية المعنية أن ذلكالظهور ستعقبه مرحلة
أخرى من العلاج يؤمل أن يتعافى الرئيس بعدها تماما. أياكان نصيب هذه الشائعات
من الصواب أو الخطأ، فالشاهد أنها ابقت على ملفالمستقبل مفتوحا
بأسئلته القلقة والحائرة، خصوصا أن مصر مقبلة على
ثلاثجولات انتخابية ستحدد بعضا من
معالم خريطة المستقبل خلال السنوات القليلةالمقبلة، سيتم خلالها
انتخابات مجلسي الشعب والشورى، قبل الانتخاباتالرئاسية في العام
المقبل بإذن الله.
(4)
في عام 1967 هزم مشروعالمواجهة العسكرية مع
إسرائيل. وفي الوقت الراهن هزم مشروع التسويةالسلمية معها. الأمر
الذي يعني أنها انتصرت في الحالتين. لكننا إذا
نظرناقليلا إلى الوراء فسنجد أن
الوضع قبل أربعين عاما كان أفضل بكثير.
إذوقتذاك كان التحدي
عنوانا كبيرا للموقف المصري. أما الآن فإن التحدي
صارمدانا ومتهما (ثمة خصومة مع
سوريا الممانعة). وأصبح «الاعتدال» عنوانابديلا استخدم لتغطية
الانصياع والامتثال. ولم يكن كل من العنوانين رمزالاسلوب التعامل مع
إسرائيل فحسب، وإنما صارا عنوانين لمسار الأداء فيالداخل أيضا، وما إذا
كان يُتحرى الاستقلال عن الخارج أو التبعية له.
إضافةإلى ما سبق، لا يفوتنا
أن نلاحظ أن الرؤية الاستراتيجية في عام 67 كانتأوضح منها الآن. فالعدو
الإسرائيلي المدعوم أمريكيا كان أمره محسوما، ونهجالتعامل مع العدو لم
يكن يكتنفه أي لبس («ما أخذ بالقوة لا يسترد إلابالقوة»). بذات القدر
فان الصف العربي كان متماسكا، والتضامن الذي عبرتعنه لاءات الخرطوم كان
من بين تجليات ذلك الموقف.
الذي لا يقل أهميةعما سبق أن الاعتراف
بالهزيمة العسكرية في عام 1967، استتبع بذل جهد
حثيثلإزالة آثار العدوان وإعادة
بناء القوات المسلحة المصرية، التي عبرتالقناة بعد ذلك في عام
1973.
لكن من الواضح أن هزيمة
مشروع التسويةالسياسية (الذي لا
يختلف أحد على وقوعها) لم تحرك شيئا في بحيرتناالراكدة. ومن الواضح أن
ثمة تهوينا من شأن تلك الهزيمة، وتراخيا مشهودا فيالتعامل مع معطياتها.
رغم ما تمثله من تهديد للأمن الوطني المصري
والقوميالعربي.
ولا تفسير لذلك سوى أنه دال
على أن القضية برمتها فقدت أولويتهاووهجها في الرؤية
الاستراتيجية المصرية. وإن الانشغال بتثبيت وتجميد
أوضاعالبيت في الداخل قد حجب كل ما
عداه، الأمر الذي جعلنا أمام مأزق حرج لايخلو من تعقيد.
فالسلطة فقدت السيطرة على
الوضع في الداخل، كما أنها فقدتالقدرة على التحرك
الإيجابي في الخارج. وفي الوقت ذاته فانها توصد
الأبوابأمام احتمال ظهور بدائل
أخرى تستطيع أن تنهض بما عجزت هي عن القيام به. منثم يصبح الخيار الوحيد
المتاح أن يقبل الجميع بما هو قائم، وأنيكونالشعار الوحيد المرفوع
هو:
الاستمرار هو الحل!
لتطبيق ذلك الشعار
نلاحظأن ثمة تربصا بأي بديل يلوح في
الأفق، وانقضاضا شرسا على أي بادرة للخروجمن قبضة الحزب الحاكم
والاخلال بهيمنته.
وعمليات الاعتقال شبه
الأسبوعيةلعناصر الإخوان
المسلمين تبعث برسالة تأديب وتحذير للجميع.
ثم إن ما جرىفي التعامل مع الدكتور
محمد البرادعي يبعث برسالة أخرى في ذات الاتجاه.
فإلى جانب التشهير
المستمر به ومحاولة اغتياله معنويا في المطبوعاتالحكومية فإن أصابع
الأجهزة الأمنية لم تكن بعيدة عن محاولة سحب
البساط منتحت أقدام جماعته، من
خلال تشجيع أحزاب المعارضة الحكومية على القفز إلىمقدمة الصفوف، فجأة
ودون سابق انذار، لخطف شعار «التغيير» من فريقالبرادعي.
والأصابع ذاتها هي التي
استدعت بعض ممثلي الأحزاب المجهولةوحثتها على تقديم عريضة
اتهام ضد الرجل إلى النائب العام، لتصعيد حملةتلويث سيرته وصورته،
ومن ثم «حرق» ما بدا وكأنه بديل محتمل.
إلى جانبإجهاض البدائل وتشويه
احتمالاتها، فإن أبواق النظام الغانم أطلقت حملةلتجميل الوضع القائم
وتسويق «انجازاته»، واعتباره فتحا جديدا في مسيرةالعمل الوطني نقل مصر
من مرحلة الحكم الشمولي إلى مرحلة «ما بعدالفرعونية»، إلى غير
ذلك من الرسائل التي استهدفت اقناعنا بأنه ليس فيالإمكان أبدع مما كان،
وأن الوضع القائم «قدر» كتب علينا،
وأن مصر بناسهاوأرضها ونيلها تحولت
إلى «وقف» مكتوب باسم الحزب الوطنى. وهو ما يدعونيإلى استعادة فقرة من
رسالة زعماء المعارضة إلى الملك فاروق التي قالوافيها:
«إن احتمال الشعب مهما يطل
فهو لابد منته إلى حد. وإننا لنخشى أنتقوم في البلاد فتنة لا
تصيبن الذين ظلموا وحدهم، بل تتعرض فيها البلادإلى إفلاس مالي وسياسي
وخلقي».
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com