مات زعيم الكلاب وقائدهم
الذي كان يدير أمورهم وينظم حياتهم ، ويجمعهم حول
كلمة واحدة ، وطلب كل كلب من بعده أن يدير القطيع
ويكون سيده وقائده وزعيمه ، وأن يكون له الأمر
والمشورة والحكم والنهي ، و اختلفت الكلاب فيما
بينها على صفات قائدهم وزعيمهم ، ورفضت تعيين
قائدا من بعده ، وتعمق بينهم الانقسام ، وساد
بينهم العداء ، وتفرقوا وتخاصموا فلم تجتمع لهم
كلمة من بعده .
في يوم من الأيام طلب
أكبرهم الاجتماع بهم جميعاً وقال لهم مخاطباً : إن
حمل الأمانة ثقيل وعبئها كبير ، وتحتاج إلى رجل
حكيم قوي ذكي ، فمن يرغب منكم بحمل أمانة
المسئولية ، وأن يكون قائدنا وكبيرنا ومعلمنا
وملهمنا فعليه تنفيذ الشروط الآتية :
1-أن يُحضر لنا من
الغابة أسداً .
2-أن يأتي إلينا
راكباً على ظهره .
3-أن يربطه في الشجرة
.
قال أحد الكلاب الصغار (
جرو ) : أنا أوافق على هذه الشروط ، وانطلق مسرعا
إلى الغابة يبحث عن عرين الأسد ، وبعد رحلة طويلة
شاقة ، كابد بها الكلب الصغير (الجرو ) جميع أنواع
الأخطار من جوع وعطش وخوف وتعب ، وأخيراً اهتدى
إلى العرين فدخله خلسة ليجد الأسد وزوجته اللبوة
وصغارهم نائمين .
وضع الجرو الصغير ( الكلب )
نفسه بين صغار الأسد وتظاهر بالنوم ، انتبهت الأم
فجأة إلى الجرو ، واندهشت من وجوده نائماً بين
أبنائها ، ولكنها كانت حليمة هادئة فلم تغضب ، إلا
أنها رفضت عندما رأته أن يعيش عنصر غريب بين
أبنائها ، سألت اللبوة الكلب الصغير : ماذا تفعل
هنا ؟ وما الذي جاء بك بيننا ؟ .
قال الجرو متمسكناُ وقد
تظاهر بالعناء والضعف والجوع : أنا صغير وضعيف
وجائع ولا مكان لي لكي آوي إليه ، وبدأ يستجدي
الأم بأن يعيش مع صغارها ، يلعب ويلهو ويأكل ويشرب
، فوافقت الأم على ذلك ولم تكترث لوجود الجرو بين
أبنائها ؛ لأنها اقتنعت أنه لا يشكل خطراُ على أحد
منهم .
بعد ساعة انتبه الأسد الذي
كان نائماً من قبل ، وحملق بالجرو غاضباً ، وفتح
فاه المرعب وبدأ بالغضب ، لكن زوجته اللبوة قالت
له : اهدأ وتمهل قليلاً ، إنه جرو صغير ولن يضيرنا
وجوده بيننا في شيء ، فنحن ملوك الغابة والغابة
لنا ، اتركه يلعب مع صغارنا .
وافق الأسد ملك الغابة على
ما قالته اللبوة ، ولم يكترث أيضاً بوجود الجرو
بينهم وفي عرينه .
بعد مدة من الزمن أصبح
الكلب جزءا من أسرة الأسد وأحد أفراد حاشيته ،
ونال احترام وتقدير الأسد واللبوة والحيوانات كلها
في الغابة ، وفي يوم من الأيام قال الجرو للأسد :
يا ملك الغابة ، إن لي قصة مأساوية محزنة وأريد
منك مساعدتي ، فقد خرجت من موطني مطروداً من
الكلاب التي كانت تنهش جسدي ، واعتدوا عليّ ،
واغتصبوا حقوقي ، وإنني أرغب بأن أعود إلى موطني
مؤيدا مُعزّزا مُكرّما برفقتك وتحت حمايتك .
وافق ملك الغابة على مساعدة
الجرو وحمايته وقال له : اطمئن وستعود إلى موطنك
مؤيداً معززاً بكرامتك واحترامك بين أقربائك ...
وإنني مستعد لخدمتك وحمايتك .
انطلق الجرو والأسد إلى
موطن الجرو ، وفي الطريق كان الجرو يتلذذ بجميع
أنواع اللحوم التي كان يأكلها مع الأسد ، من بقر
وغزلان وأرانب وغير ذلك .
وعندما اقترب الجرو من
موطنه وبدأ يشاهد أقرباءه من قطيع الكلاب قال
للأسد : يا ملك الغابة وزعيمها وقائدها ، لقد تعبت
كثيرا من طول الطريق ، وانت صاحب الجود والكرم
والشهامة والنخوة ، أريد أن أستريح قليلا من المشي
فأركب فوق ظهرك لعلي أحظى بقسط من الراحة ، عطف
الأسد على الجرو وجعله يصعد فوق ظهره ليستريح من
عناء المشي ومشقة الطريق ، وعندما اقتربا كثيراً
من موطن قطيع الكلاب أراد الأسد أن يودعه وينصرف
عائداً ، فقال له الجرو وهو جالساً على ظهر الأسد
: يا ملك الغابة إنني لا زلت في خطر ، وإنني أخشى
من عقاب قطيع الكلاب لي ، فلا تتركني وحيدا وتنصرف
إلا بعد أن أشعر بالأمان والاطمئنان ، فقد صنعت
معي صنيعا لن أنساه لك أبدا ولم يبق إلا القليل ،
لقد آويتني وأكرمتني وجعلتني أعيش بين زوجتك
وأبنائك وفي مملكتك وداخل عرينك ، وخدمتني أجل
وأعظم خدمة حيث جئت بي إلى هنا مؤيدا مكرما ،
وإنني أخشى إن دخلت الآن إلى أقربائي الكلاب أن
يفتكوا بي ويقتلوني بعد أن تعود إلى عرينك فلا أجد
لي حامياً ولا نصيرا ، أرجو منك يا ملك الغابة أن
تكمل معروفك وإحسانك لي بأن أربطك في هذه الشجرة
لكي أطمئن أنك لن تتركني وحيداً .
قال له الأسد : افعل ما
يروق لك ولا تقلق ، وسأبذل كل جهدي من أجل راحتك ،
وأرجو ألا تمكث كثيراً فتتركني مقيداً وانت بعيداً
عني .
اقترب الأسد من الشجرة ،
ومنح ثقته للكلب الصغير لكي يُجسّد الإخلاص بأسمى
معانيه ، وتمكن الجرو من ربطه وشد وثاقه ، وذهب
إلى أقربائه الكلاب الذين كانوا يشاهدون الموقف
كاملاً بدهشة كبيرة وكأن أعينهم لا تصدق ما يجري
أمامهم .
، فقد نجح هذا الجرو الصغير
من تحقيق الشروط الثلاثة ، فأحضر الأسد ، وركب على
ظهره ، وربطه في الشجرة ، وصار الجرو كبير الكلاب
يحكم ويأمر وينهى ، وله الأمر والمشورة في كل
هاربة وواردة .
وبينما كان الأسد مربوطاً
في الشجرة ، أقبل إليه فأر صغير ضعيف لا قيمة ولا
وزن له ، فحياه بالسلام وقال له : يا ملك الغابة :
ما رأيك بأن أنقذك من هذه المصيبة التي ألمَّت بك
مقابل أن تعطيني نصف مملكتك ( الغابة ) ؟
وافق الأسد على هذا الشرط
وقال للفأر : بل أعطيك كل مملكتي ، وبدأ الفأر
بقرض الحبل وعاد الأسد إلى عرينه ، وسألته زوجته
اللبوة عما أصابه فقد ألم به الضعف والإعياء وبلغ
منه الإرهاق مبلغه ، ورفض أن يخبر زوجته وأولاده
حقيقة ما حدث به من ويلات الزمان ، فقال لها : لقد
أصابني المرض والإسهال من كثرة ما أكلت من اللحوم
، حتى صرت هكذا كما تشاهدين .
بعد أيام هجم ألوف الفئران
على الغابة التي أصبحت ملكا لهم ، فطلب الأسد من
زوجته وأبنائه الرحيل قائلا لهم : لا مكان لي في
بلد الكلاب فيه تربط والفئران تحل ...
ويسلم لي القارئ يارب .
وعاش تراثنا الشعبي الفلسطيني .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com