تحتفي معظم بلدان العالم
المتقدمة علمياً بعلمائها (رجالاً ونساءً) الذين
يشكلون المادة الأساس في تركيبة ونمو الحركة
العلمية المعتمد عليها في بناء الصرح الحضاري و
التكنولوجي لتلك البلدان ، ولا غرابة ان نرى و
نسمع بين الحين والأخر مناسبات التكريم لهؤلاء
العلماء والإشادة بجهودهم المعطاء في مجالات البحث
وتقديم كل ما هو جديد في ميادين العلم والمعرفة ،
وليس من قبيل الصدفة أيضا ان تخلد ذكرى الرموز
العلمية عن طريق إعمال النصب التذكاري معتبرين
إياه رمزاً شاخصاً وطنياً ساهم في بناء جزء من
حركة التاريخ لتلك الأمم ، ولعل في قصة العالمة
الشهيرة (مدام كوري) وزوجها اللذين افنيا حياتهما
من اجل خدمة البشرية في اكتشافهم لمادة
(اليورانيوم المشع ) وما تناقلته الأجيال بعدهما
هو خير دليل على ان الشعوب قبل الحكومات هي من
تخلد ذكرى علمائها الأفذاذ.
ليس من السهولة بمكان تقييم
انجازات هؤلاء العظماء من العلماء او اختزال
حركتهم في موضع دون أخر ، فهم (العلماء) قد غيروا
وجه الحضارة وبفعل جهودهم استبدلوا ظلمة الفكر
والعقل بنور المعرفة والعلم ، وأناروا الطريق
للأجيال التي جاءت بعدهم ولم يقتصر حقل المعرفة
التي ساهموا فيها على اتجاه او شعبة واحدة بل هي
حالة مفتوحة ومتعددة ولا يمكن حصرها .
فمن مناّ يستطيع ان يتصور
شكل العَالم منذ الخليقة والى ألان إن لم تشمله
العناية الربانية ونجعل من جهود هؤلاء الأفذاذ سمة
ونبراساً للتطور الإنساني والحضاري وبمختلف
ميادينه ؟
كم مناّ يستطيع ان يقاوم
الظروف الطبيعية وقسوتها لولا التطور العلمي في
مجالات الطب والصيدلة والاختراعات الهائلة
والاكتشافات العظيمة في هذين المجالين الرائدين
ويمكن القياس وبذات النمطية على باقي العلوم
وميادين المعرفة ومن ثم يستقرىء الحالة لكل ما هو
جديد .
يشهد العالم اليوم برمته
نهضة علمية وتطور تكنولوجي هائل يتسع باتساع
الرقعة الجغرافية على كوكب الأرض ، ولا تستطيع ان
ترى زاوية صغيرة في ابعد نقطة من العالم الا وترى
فيها اثراً لذلك الاختراع او لتلك الاكتشافات
الخلاقة والمتألقة ، وهذا يعني ان الأرض عامرة
بوجود هذه النخب من العلماء والعباقرة ولعل الرحمة
الالهية تستنزل بفضل الصلحاء لأنهم عمروا الأرض
وأناروا فيها الدرب للأجيال وخدموا الإنسانية
جمعاء بغض النظر عن اللون والعقيدة والانتماء
والوطن ، فهم علماء بلا حدود وما قدموه هو لصالح
البشرية عامة دون تميز .
العراق بلد غني بحضارته
وزاخر بالأفذاذ من علمائه الذين كان لديهم قدم سبق
في المعرفة والاكتشافات العلمية والمعرفيه ، ولا
نكران في ذلك ولم يقتصر الحقل المعرفي بالجانب
العلمي ألمختبري او ميدان الاكتشافات التي تعتمد
على التجربة العملية العلمية بل هناك الميدان
الثقافي والاجتماعي واللغوي والفضاءات الخاصة
بالحوزة العلمية .... ابن الهيثم و الرازي وابن
سينا وجابر بن حيان الكوفي والفراهيدي والسيد
الفيلسوف (محمد باقر الصدر) ، وحسين علي محفوظ ،
وعلي الوردي ، ومصطفى جواد ، خالد الرحال ،.....
وآخرين ممن صنعوا تاريخ العراق ومجده الثقافي
والعلمي والحضاري ..... .
فالمرء يشعر بالأسى عندما
يرى غياب العقول العلمية عن الساحة العراقية بسبب
ظروف متعددة تجعل من التواصل لغة مستحيلة مفضلة
الهجرة والاغتراب في بلاد أخرى لأنها تقّيم
العلماء وتجعلهم نصب الأعين في الرعاية والاهتمام
وتفتح لهم سبل العيش الرغيد الذي يحترم شخصيتهم
ومكانتهم وتوفر لهم كافة مستلزمات ومتطلبات العمل
الذي يطور قابليتهم وتجعلهم في مصافِ علمائها
الآخرين .... وهذا دليل قاطع على ان بلداننا لا
تكرم علماءها ولا تنظر إليهم نظرة التقدير
والاحترام ولا تستشعر الآخرين بأهميتهم باعتبارهم
كنوز الأرض وعمّارها ، وهذا يرجع الى أسباب عديدة
ولعل من أبرزها هو تقلد غير المؤهلين زمام الأمور
ومقاليد القرار الذي يلغي الأخر (بشخطة قلم) دون
توفر ادني معرفة ، ولقد سئمنا النظام البائد الذي
حطّم جدران المعرفة وخرب سدودها بقتله العلماء
وسحب الدرجات العلمية بحجج واهية ، مسيساً لمراكز
العلم وميادينه مما فقد هذا الميدان ثوابته
ومستحكماته القائمة على التدرج العلمي والأكاديمي
وتقديم الأطروحات العلمية في الميادين شتى .... .
وبالامس القريب تناقلت
الاخبار عن إقالة لشخصية علمية هنا أو طرد أو
إحالة على التقاعد لشخصية علمية فذة هناك دون مبرر
او سبب يذكر ، يجعلنا في حيرةٍ من أمرنا وتخالج
أنفسنا حالة من الحسرة وعدم الارتياح .... ونسأل :
إلى متى يبقى العراق الجديد لا يحترم علماءه ؟
ولماذا تكون الولاءات لذلك الطرف اكبر من البحث
والدراية والمعرفة ! ولماذا نجعل من صروح الجامعات
العلمية الميدان الأول للتجربة في الإلغاء
والإقصاء ؟ والى متى يستمر الوزير الفلاني يحرك
أجندته الخفية باتجاه عدم جعل الأجواء أمنه وفق
مرتكزات العلم وخدمة الجيل الجديد ؟ وهل
المستنصرية ورئيس جامعتها المقال كان سبباً في
التدني العلمي والمعرفي ! لا نريد إن نتبنى
الدفاع عن شخصية ما غير مؤهلة او كفوءة ، قدر
سؤالنا الى من هم في مركز القرار، إلى متى تستمر
(شخطة القلم بالإعفاء) هي الحاكمة بدلاً من
الرعاية والاحتضان ...إلى متى !!! .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com