هناك عوامل كثيرة تساهم في
التشكل الثقافي لدى افراد المجتمع وفي واحدة من
هذه العوامل هو المتبع بانشاء المدن وكيفية
التساكن الاجتماعي في انماط متنوعة يساهم كل نمط
منها في تشكيل مفاهيم ورؤى وسلوكيات مغايرة عن النسق
الثقافي العام للمجتمع والمفترض حصوله بحسب الرؤية
المتحضرة في التثقيف المديني الحديث بمقدار
البيئة المتماسة مع واقع الحال فينتج من ذلك وعي
بحدود معينة سلبيا كان او ايجابيا.
وفي الواقع العراقي تساهم
الدولة ومنذ امد بعيد في تاكيد نمطية سلبية
ارتجاعية في الجانب الثقافي وان كانت مقاصدها
ظاهريا مقاصد انسانية او خيرية فكثير من المدن
تكون الدولة تابعة للاختيار المجتمعي لتلك المدن
او الاحياء السكنية والدولة انما تقرر واقع حال
ليس الا في انشاء المدن الجديدةاو انها تجد نفسها ازاء
ازمة سكنية خانقة فتحلها كيفما اتفق وبالطريقة
المتبعة ذاتها دونما اي دراسة ولا معيار ثقافي
متحضر اسوة بتجارب الغير، وان كانت قد بادرت
بانشاء مدن باختيارها فانما يتم ذلك بنمطية
مستدامة تقليدية وقد نشات في العراق مدن كثيرة منذ
1958 والتي جرى تسميتها الاحياء رغم انها مدن
واسعة وهي معروفة من مسمياتها حي الاطباء حي
المهندسين حي التجار حي الفقراء حي العامل حي
المعلمين حي الموظفين حي الشرطة حي الضباط حي
العسكريين حي الاكراد ...الخ.
وكأن الامر لايتعدى تقسيم
اجتماعي وتكوين مربعات منعزلة عن بعضها البعض
ومغيبة عن اللحمة الاجتماعية الاصيلة العامة وقد
انتج من هذه المربعات المنعزلة ثقافات سلوكية
محددة في كل مربع فصار كل اهل حي يرون انفسهم هم
الافضل في المعيار الاجتماعي من غيرهم في الجانب
المادي او المكانة المعنوية، وهذا بدوره الغى
عمليا الحوار الاجتماعي وجعله في حدود ضيقة اي ان
المربع لايتحمل المربع الآخر كشريك فاعل في السلوك
الاجتماعي او العملي وولد تزييفا في المشاعر
ومسوغات للكذب وتدليس والغش.
ان تعدد المرايا الاجتماعية
هذه جعلت من الفرد الا يرى نفسه الا في واحدة
منها لاغير فيما تكون المرايا الاخرى مرايا غير
صحية في اقل وادنى التقديرات التي يقدرها الفرد
فهو لايرى سوى المربع الذي ينتمي اليه في مجمل
الاحوال ولذا فان هناك صعوبة على نحو ما في تقبل
الاختلاف والراي مع المربعات الاخرى المقسمة نمطيا
وهذا يعود بالاساس لمخلفات الكيفية التي انشأت
فيها المدن وهو الفعل الذي يشرعن نفي وتغييب الآخر
وقد انعكس ذلك سياسيا في الصورة الواضحة التي آلت
اليها القضية السياسية المناطقية باعتبارها المرآة
التي عكست التربية المنسوخة من فعل التخصصات
السكنية لانشاء المدن إضافة لاسباب اخرى.
فالطائفية والمناطقية
والمحاصصة كلها نواتج مرت في حضن نمطية انشاء
المدن بدرجة مؤثرة تعاضدت مع ظروف مساعدة كثيرة
وهي بالتالي رغبة دفينة من الشعور بالحيف من
المربعات الاخرى التي استولت على الحقوق. ومن هذا
الشعور انطلقت تعبيرات كانت المتنفس المعبر عما
تكنه النفوس الغاضبة بعضها على البعض الآخر اخرى
فاهل مدينة كربلاء مثلا يقولون عن الاحياء الشعبية
الموجودة ضمن ادارتها بانهم ( لفوّة ) اي بمعنى
انهم ليسو سوى طارئين قسرا على المدينة من متنوع
مناطق العراق ويقول سكنة الاحياء عن اهل المدينة
بانهم غشاشين او عجم وهناك الكثير عن تبادل هذه
الاحقاد انها ببساطة تبادل كراهية مضمرة مسكوتا
عنها منذ ازمان لكنها سمعت بقوة بعد التغيير 2003
وحالات الغزو والحرق ونهب المحلات واسواق المدينة
وحتى القتل بدافع الكراهية والحسد والانتقام في
فترة الانفلات التي عمت البلاد انذاك.
فساكن المنطقة في الحي
الفقير شامت متحمس لما يحصل لاهل المدينة من كوارث
او مشاكل فهو سعيد في الاوقات التي تتعرض المدينة
للفيضان او الحرائق فالكوارث هي التي استرجعت
الحيف الذي لحقه من اهل المدينة وفي الوقت نفسه لا
يستطيع ان يحدد نوعية او كمية الحيف الذي لحقه من
المدينة على وجه التحديد!. ويكون ساكن المدينة
سعيدا جدا لو جرى تهديم دور الفقراء رغم استفادته
منهم كايدي عاملة او متسوقين محتملين لبضاعته او
مروجين لها في الاسواق الرصيفية.
وقد رأينا عندما التحق
البعض بقوى سياسية قد كانت وصمتهم واضحة بحرق
الاسواق وقد طال ذلك حتى المراقد المقدسة وفي فترة الحرب
العراقية الايرانية في بداية التجاوز السكني من
قبل الفقراء كانت بلديات المحافظات ترفع توصياتها
الى المقرات العامة لاستحصال موافقات التهديم
للسكن الطارئ غير المخطط له وان خدماتها لاتستوعب
الكم الاضافي لكن مطالباتها تلك قد مسحتها الحرب
رغم حيوية تلك المطالب وقيام البلديات بتهديم شطر
كبير من التجاوزات وهي قصص مؤلمة على كل حال لو
اخذت بالتفصيل والتدقيق.
وطالما ان للسكن من تاثير
في التجديد الثقافي او على الاقل بالاصلاح الثقافي
فانه من الجدير ان ينظر بعين واعية من قبل
المختصين بانشاء المدن وفق معايير متحضرة بعيدا عن
خلق مربعات تفضي الى التناحر الاجتماعي وتربية
الاحقاد والغل المضمر او العلني.
فمن خلال المدينة المختلطة
او حتى العمارة السكنية الواحدة التي تحوي في
شققها الكردي والعامل والمسيحي والسني والشيعي
والمعلم والمهندس والمتكسب والموظف وموزع البريد
والبائع المتجول من خلال ذلك نعيد التثقيف بصورته
الفاعلة تثقيف يتماس مع كل الشرائح الاجتماعية وهو
قطعا خلط للآراء الذي ستؤول الى التقارب والتفاعل
والتلاقح والانسجام.
وليست عمارة تكون بمثابة
مربع لفئة محددة منغلقة عن التماس الاجتماعي لاتعي
سوى كينونتها في وسط يراد له ان يتحاب ويتقبل
الراي المخالف ويتبادل رؤى متنوعة تخدم الحياة
الحرة الكريمة.
اننا صناع الكراهية في مجمل
حياتنا التي مررنا فيها وآن لنا ان نجرب الحب فهو
الشئ الوحيد الذي لم ينل من ابداعنا مثلما ابدعنا
بامتياز في الكراهية والغضب من الآخرين رغم الصلة
الدينية اوالعرقية واللغة المتينة افتراضيا.
ان السعي بايجاد مدن متحضرة
مختلطة انما نؤسس لثقافة جديدة مطالبون بها ونحن
نخوض تجربة الديمقراطية وبكون الديمقراطية ثقافة
بالدرجة الاساس فلا بد من وجود بنى وقواعد تحتية
ومستلزمات ومن هذه المستلزمات اولا الاختلاط
والتفاعل بين كل المكونات الجماهيرية للشعب
العراقي ومع كافة التخصصات الوظيفية والدرجات
المادية والمعنوية وبهذا الجو المنفتح لن يستطيع
الكروزوما ان يقرا الجنجلوتية في الرؤوس التي لا
ترى الا مربعاتها. فالديك يظن الشمس لا تشرق الا
من اجل صوته الجميل. ذلك لانه لا يسكن الغابة،
لكنه لو اسكن تلك الغابة سيتعلم ان صوته من بين
الصوت الجمعي وان الشمس تقصد الغابة برمتها بكل
تاكيد.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com