من حكايات التراث الشعبي
الفلسطيني : الشطارة في الصبر
على لسان الوجهاء والمخاتير
جمع وبحث
أ . تحسين يحيى حسن أبو عاصي *
غزة – فلسطين *
Tahsseenn2010@hotmail.com
*** *** ***
***
كان أيام البلاد في
الثلاثينات ، وفي قرية من قرى جنوب فلسطين اسمها
قرية الكوفخة ، وهي قرية تقع بين مدينتي غزة وبئر
السبع ، كان ثلاثة من الجيران
لكل منهم مارس من الأرض أو
مِقْتاة ( قطعة أرض كبيرة ) ، يُقدر بثلاثين دونما
، كان الثلاثة يسكنون في مارسهم ، يخرجون كل يوم
من بزوغ الفجر إلى غروب الشمس يزرعون ويحصدون ،
ويفلحون ويعيشون الحياة الهادئة الآمنة ، يسود
بينهم الحب والتآلف والاحترام ، يأكلون ويبيعون من
إنتاج الأرض ، ويُربُّون الطيور والحيوانات ، ولا
يحتاجون السوق في كثير ولا قليل ، وكان لكل واحد
منهم مجموعة من الشباب الأقوياء ، هم أبنائه وثمرة
فؤاده .
وفي يوم من الأيام ، أقبل
راع ٍ بقطيع ٍ من الأغنام على المارس الأوسط ،
فعاث به فسادا ، انتبه صاحب المارس إلى الراعي
والغنم يعيث في زرعه تخريبا ، ولم يتكلم ببنت شفه
، وفجأة طلب صاحب المارس من الراعي أن يبيعه رأسا
وافيا من رؤوس الأغنام ، وافق الراعي وأخذ ثمن ما
باعه وانصرف عائدا بأغنامه ، نادى الرجل صاحب
المارس على أبنائه الشباب ، وكانوا في مكان من
المارس يبعد عنه قليلا بحيث لم يروا ما حصل من
الراعي ، نادى عليهم وقال لهم : يكفي اليوم عمل ،
انهوا أعمالكم وتعالوا للطعام ، تساءل أبناؤه
بينهم عن أمر لم يعتادوا عليه من قبل ، فمنذ سنوات
طويلة وهم يعملون من الفجر وحتى غروب الشمس ، أما
اليوم فالأب يطلب منهم أن ينهوا أعمالهم وقت الضحى
، واعتبروا ذلك أمرا غريبا ، سألوا أباهم عن الأمر
فأجابهم : نريد أن نتناول طعام الغداء ونأخذ قسطا
من الراحة معا .
وفي اليوم الثاني أقبل
الراعي ذاته ، على مارس الأرض المجاورة للرجل من
ناحية اليمين ، وفعل بأغنامه ما فعله مع الجار
السابق بالأمس ، صرخ عليه صاحب المارس مزمجرا
متوعدا : كيف تدخل بأغنامك مارسي وتعيث بزرعي
تخريبا وتحطيما ؟ جاء الراعي مسرعا وصفع الرجل
صاحب المارس على وجهه ، رأى أولاده الشباب ما حدث
مع أبيهم فانطلقوا إليه مسرعين وأردوه قتيلا .
سمع الجار الأوسط بالخبر،
وهو الذي عاث الراعي بالأمس في أرضه ، جمع أولاده
وقال لهم : انظروا ، هذا بالأمس كان يريد أن يموت
على أيدينا ولكن الله سلَّم ، والشطارة في الصبر
.
وفي مرة ثالثة ، أقبل فارس
فوق فرسه : واقتحم مارس الجار الآخر الذي عن يساره
، ترجل الفارس من على فرسه ، وبدأ بقطف من الثمار
ويضع في سرج فرسه ، على مرآى ومسمع من صاحب المارس
، لم يتكلم صاحب المارس بكلمة واحدة ، وطلب من
أبنائه التزام الهدوء وعدم التعرض له ، حمل الفارس
ما جمع من الثمار فوق ظهر حصانه وسلاحه عن يمينه ،
ثم سار مسافة مائتي متر وإذ بصوت طلقات من الرصاص
تدوي في المكان ، انطلق الرجل وأبناؤه نحو صوت
الرصاص ليجدوا الفارس جثة هامدة يسبح في دمه ،
بسبب عبثه في سلاحه ، قال الأب لأبنائه : انظروا
لو لم تصبروا عليه قليلا لمات على أيديكم ،
والشطارة في الصبر .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com