عادة
يستعمل تعبير البدعة في الثقافة
الدينية، ويعني كل خروج على ثوابت الدين، والبدعة
في الدين ضلالة وكل ضلالة مصيرها
النار. في أنظمة الحكم الشرقية القديمة،
عُرفت
ثوابت متعددة أهمها هو إن الحاكم مركز الدولة
يتصرف بها
وبشعبها وأرضها كما يشاء، ويستمر في حكمها طالما
هو على قيد الحياة، ومتى بلغ من
العمر عتيا، ولايغادرها إلا عند موته أو قتله بيد
توصف دوما بـ (الغادرة).في العصر
الحالي تخلت معظم البلدان الحديثة عن هذا الذي صار
ثابتا سياسيا ورفضته لأنه مناف
في نظرها لروح العصر، وحذت حذو البلدان المتقدمة
والمتطورة في تطبيق نظام الحكم
الديمقراطي وآلياته التي يكون تداول السلطة
أهمها.ولكن أنظمة الحكم العربية الحديثة
التي تأسست خلال القرن الماضي ، شذت عن القاعدة
وبقيت مخلصة وحريصة جدا على تطبيق
الثابت السياسي المتعلق بمركز الحاكم بجميع
دلالاته الشرقية المنقرضة، فقد تبنت هذه
الأنظمة وقت تأسيسها خلال القرن الماضي النظام
الملكي المطلق لا الدستوري أو تبنت
نظام الأمارة أو السلطة المطلقة.من المعروف
تأريخيا أن مثل هذه الأنظمة وراثية ،
حتى في أوروبا ، تحكمها سلالة الأسرة . بعد سقوط
عدد من الانظمة الملكية خلال
خمسينيات وستينيات القرن الماضي على يد (التحرريين
الثوريين) تأسست أنظمة جمهورية
ومن الغريب أو المضحك في السياسة العربية، أن هذه
الانظمة استمرت هي الأخرى في
أخلاصها المتشدد الى ثابت الحاكم المركز والمطلق،
بل أن الحكم اصبح للأبناء
والأحفاد، وهذا أمر غير متعارف عليه في تأريخ
الجمهوريات ، ويعد براءة اختراع تسجل
في عالم السياسة للحكام العرب الجمهوريين، او
للحكم العربي الجمهوري الوليد. هذا
يعني أن تمسك الحكام العرب، بمختلف عناوينهم،
بمبدأ الحاكم المطلق وتوريثه لأسرته
من بعده يعد نوعا من التقديس السياسي، وصار الخروج
عليه بدعة سياسية والبدعة
السياسية ضلالة وهذه الضلالة السياسية تؤدي الى
خراب بيوت الحكام العرب وأسرهم
،وهذا أمر لايمكن السكوت عليه. هكذا تختلط
المصطلحات الدينية بالسياسية أو تستثمر
الهيئة السياسية الحاكمة مفاهيم ومصطلحات دينية
لصالحها.هذا يفسر كل أشكال العداء
والتآمر من قبل معظم الحكام العرب على عراق مابعد
نيسان 2003 ، لأن شعب العراق
وحكامه اتفقوا على مبدأ تداول السلطة ، وثبتوه في
دستورهم ، بعد أن عانوا الويلات
من ثابت أحتكار السلطة . الحكام العرب كذبوا ،
عندما ضللوا شعوبهم بقولهم أن موقفهم
العدائي من العراق الجديد هو العداء للمحتل ، لأن
الجميع يعرف جيدا قوة وعضوية
علاقتهم السياسية بالذين احتلوا العراق. إن السبب
الحقيقي غير المعلن هو عداؤهم
المسعور لمبدأ تداول السلطة الذي يعدونه بدعة
البدع في ثقافتهم السياسية لأنهم
يخشون المصير اذا ترسخ هذا التقليد في أذهان
العراقيين ، أنهم يخافون عدوى الانتقال
والتأثير فهو لابد أنه سيزحف الى اذهان شعوبهم
،وهذا يعني انتهاء هيمنتهم على كل
شيء، وهو الأمر الوحيد الذي يحرصون عليه، وليس
مصلحة الشعب والوطن كما يدعون.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com