في
الاسبوع الماضي عانت مدينة جدة السعودية من
الامطار الغزيرة، و التي استمرت لبضع ساعات فقط،
ولكنها تسببت في فيضانات عارمة، والى وفاة أكثر من
500
شخص. وللتخفيف من الإحراج، فإن التقارير الرسمية
قلصت عدد الوفيات الناجمة عن الفيضانات الى ما
يقارب
100.
الكثير من المواطنين
السعوديين تسألوا باندهاش كيف يمكن لهذه الكارثة
ان تحدث في واحدة من أغنى بلدان العالم وفي ثاني
أكبر وأهم مدينة في البلاد....؟!!!!
كانت الكارثة اكبر
وأسوأ كارثة مرتبطة بالطبيعة واجهتها السعودية،
أكبر مصدر للنفط في العالم، على مدى السنوات ال
50
الماضية. لكن السبب الحقيقي للموت والدمار الذي
وقع الأربعاء الماضي هو الفساد المستشري في
الحكومة السعودية.
مدينة جدة مثال رئيسي
للفساد، فهذه المدينة التي تضم أكثر من 4
ملايين نسمة لا تزال تفتقر إلى نظام الصرف الصحي
ومحطة لمعالجة المجاري. إن الأمطار التي سقطت لم
تجد مكانا تذهب إليه سوى ان تغمر الشوارع
والأحياء، محدثة الدمار والموت في طريقها.
مئات الجثث جرفها
تيار السيول وربما يكون هناك مايصل الى 11
ألف مفقود حسب تقرير لجريدة اليوم السعودية قبل
يومين. هذا الرقم ربما يكون مبالغا فيه لكنه
بالتأكيد .ان
عدد القتلى والمفقودين يصل الى المئات، وربما يصل
عدد القتلى الى مايزيد على ال
1000 قتيل. بالمقارنة
قتل إعصار كاترينا في الولايات المتحدة حوالي
1800 شخص.
وجاءت ردة فعل الحكومة
السعودية على الكارثة ضمن الصيغة المعتادة بدءا
بالإنكار وإلقاء اللوم على الضحايا لعدم اتباع
أوامر الحكومة. فبدلا من تحمل المسؤولية، ها هو
الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة،
والتي تشمل مدينة جدة، أنحى باللوم على "البناء
العشوائي" للأحياء، وليس لعدم وجود نظام للصرف
الصحي. وسائل الاعلام السعودية، والتي هي في
معظمها أما مملوكة بالكامل أو تسيطر عليها الأسرة
الحاكمة، حذت حذوه مشيرة بإصابع الإتهام إلى
المواطنين الذين اشتروا الأراضي وبنوا المنازل في
المناطق العشوائية. !!
ما حدث قد سلط الضوء
على حقيقة آخرى من حقائق الحياة في المملكة
العربية السعودية، حيث معظم المواطنين غير قادرين
على شراء منزل. إن نسبة السعوديين البالغين الذين
لا يملكون منازل حوالي 80 ٪.- وذلك في تناقض حاد
مع غيرها من دول الخليج مثل قطر والكويت
والإمارات، حيث ان معدلات ملكية المنازل تتجاوز
80
٪، والفضل في ذلك يعود
للبرامج الحكومية هناك.
إن السبب في انخفاض
ملكية المنازل هو ارتفاع أسعار الأراضي. وهذا أمر
مستغرب في مثل هذا البلد الضخم، وصاحب تعداد سكاني
صغير نسبيا. ولكن هذا الإستغراب يزول عندما نعلم
ان الأراضي الشاسعة قد تم الاستيلاء عليها من قبل
أعضاء الاسرة الحاكمة. المثير من المواطنين
السعوديين أستيقظوا يوما ما ليجدوا أن الأرض التي
كانوا قد ورثوها او دفعوا المال لشرائها قد تم
الاستيلاء عليها من قبل أحد أفراد أسرة آل سعود.
واصبح صك الأرض التي يملكه المواطن بلاقيمة، ولن
تقبل أي محكمة مناقشة هذه القضية. واذا زدت في
شكواك ايها المواطن فمصيرك السجن.
نحن السعوديين شهود على
عمليات الاستيلاء الواسعة على الأراضي في جميع
أنحاء هذا البلد القاحل، حيث قام الإمراء بتسوير
مئات الكيلومترات المربعة. ومدينة جده هي الأكثر
شهرة في عملية الاستيلاء على الأراضي من قبل أعضاء
الاسرة الحاكمة. ويقوم الامراء من دون تنفيذ
عمليات التخطيط المطلوبة والبنية التحتية اللازمة
مثل الصرف الصحي والكهرباء والماء والهاتف، ببيع
هذه الاراضي على المواطنين الذين يتطلعون لبناء
منازل.
لقد أمر الملك عبد الله
بتشكيل لجنة تحقيق، يرأسها حاكم مكة نفسه الأمير
خالد الفيصل رئيسا لها!!. وكما هو معروف فإن هذه
اللجنة لن تعقد أي جلسة استماع علنية، ولن تخضع أو
تُسائل أي فرد من افراد الأسرة الحاكمة المعصومة.
هذه هي المملكة العربية السعودية، حيث أسرة آل
سعود تعتبر فوق القانون. وكما هي العادة بالنسبة
لجميع أوامر الملك، وسياساته، وخطبه، وأي عمل يقوم
به، فقد أستقبل أمر الملك عبد الله بالمديح من قبل
وسائل الاعلام السعودية، حيث أشارت إلى بعد رؤيته
وحكمته في التعاطي مع الازمات.
ومع ذلك، فإن الحقائق
تقدم صورة مختلفة جدا. الملك عبد الله كان لديه ما
يكفي من المال والوقت لتلبية الإحتياجات التنموية
لمدينة جدة وغيرها من المدن، وبناء نظام اساسي
للصرف الصحي وغيرها من البنى التحتية لكل مدينة من
المدن الكبرى، لكنه لم يفعل. يبدو واضحا أن
الاحتياجات الأساسية للرعايا لا تعني شيئا في نظر
الحاكم المطلق. ويبدو كذلك بأن شعب العربية
السعودية لا يعني الا القليل بالنسبة للحكومات
العربية والدولية التي لم تتقدم لحد الآن بالتعازي
أوتبدي تعاطفا مع الضحايا.
لقد تم اكتشاف النفط في
المملكة العربية السعودية قبل 71
عاما، في سنة
1938. ومنذ ذلك الوقت
فإن حكومات الملوك فشلت في استخدام عائدات النفط
لبناء بنية تحتية لائقة في جدة وغيرها من المدن.
إن قبيلة آل سعود التي حكمت منذ منذ عام
1932، وبقيادة الملك،
تتحمل كامل المسؤولية عن كارثة جدة وجميع إخفاقات
الحكومة في ال 80
سنة الماضية.
لا ينبغي لأحد أن يلوم
الكسالى من عمال البلدية أو المقاولين الغشاشين،
أو حتى كبار المسؤولين الحكوميين الذين يعملون تحت
سلطة آل سعود. ببساطة، يجب أن نوجه اللوم للزعيم،
الزعيم الكبير حيث انه هو المسئول الفعلي عن هذه
المأساة. وهو من يتحمل اللوم وحده.
ان بحيرة المسك في جدة هي
افضل تصوير لحالة بلادنا، حيث تقوم
1200 ناقلة مليئة
بالنفايات البشرية بصب حمولتها من البيارات يوميا
ولمدة السنوات ال 25
الماضية. ان تسمية هذا الحفرة القميئة ب( المسك)
يعكس مدى قدرة الحكام السعوديين على تشويه أبسط
الحقائق. إن بحيرة المسك ليست البحيرة الوحيدة من
النفايات البشرية في البلاد، وهي مصدر للأمراض مثل
حمى الضنك، والذي قتل العشرات واصيب به عشرات
الآلاف في السنيين الماضية.
في نهاية المطاف، فإن
نظام الحكم الملكي المطلق في السعودية سيعفي نفسه
من أي مسؤولية، وينزه نفسه من التقصير. وسيواصل
الإمراء العيش حياة البذخ والرفاهية دون اي اهتمام
حقيقي بما يحدث لأبناء الشعب. دعائي لضحايا كارثة
جدة أن يرحمهم الله وأن يرقدوا في سلام، وادعو
الله أن يربط على قلوب اقاربهم وأن يجدوا في بعضهم
البعض الطمأنينة والراحة.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com