أكثر
من خمس سنوات مضت اليوم على تحرير العراق من
طاغيته ولسقوط العراق بين مطرقة الإرهاب وسندان
الفساد الإداري والمالي ، بين خطرين شديدين
بإمكانهما القضاء على نظام الحكم في أي دولة وخاصة
اذا كانت حديثة العهد والتشكيل ، والفساد الإداري
الذي يعني كما هو معروف إساءة استخدام السلطة
والمنصب الوظيفي لتحقيق مكسب خاص أو مصالح سياسية
واقتصادية ذاتية فيكون الفساد نابعا عن فرد واحد
أو مجموعة معينة وهو الخطر الأكبر حين تنتشر شبكات
مترابطة مع بعضها في بلد واحد يكون أساس عملها
قائم على الفساد الذي يمكن ان يأخذ إشكالا متعددة
كالسرقة والرشى والابتزاز والنصب والاحتيال
وأساليب مختلفة كالتلاعب بأشكال وأنواع العقود
الرسمية أو قيمتها أو شراء مواد تالفة مع العلم
بها أو عقد الصفقات الوهمية.
وعلى
الرغم من ان مطرقة الإرهاب شديدة ومؤثرة إلا ان
سندان الفساد اخطر وأكثر تأثيرا لكون الإرهاب
معلوم الجهة التي تتعامل معها الأجهزة الرسمية
الحكومية كما انه واضح الاسم ومعروف الشكل ، أما
الفساد الإداري فهو غير معروف الرموز وتعمل أجندته
في الخفاء وتحت عناوين ومسميات رسمية للتضليل
والتغطية على نشاطاته _ وهنا تكمن الخطورة_
فالإرهاب ان كان ( أميرا) أو مرتزقا صغيرا فهو
إرهابي أولا وأخيرا والتأمل معه واحد واللهجة التي
يتبناها واحدة ، في حين ان المشمولين بصفة
الفاسدين يكونون موظفين في درجات متفاوتة صعودا أو
نزولا كمدراء ورؤساء أقسام وربما يستمر لدرجة وزير
كما رأينا ذلك في حالة أيهم السامرائي وغيره من
المسؤولين التي تطرح عنهم ملفات خطرة واتهامات
أخرى، وهذه هي الكارثة الكبرى حين يكون المسؤول
والراعي عن رعيته فاسدا وسارقا يتلاعب بقوت وأموال
العامة ، وللفساد الإداري أسبابا تتباين بين الطمع
والجشع الماديين والصراعات والتجاذبات السياسية
والمنظماتية التي تهدف الى تحقيق مطامحها وأغراضها
، ومع انه (الفساد) ليس وليد هذه المرحلة بل يمتد
في جذوره وبداياته إلى مرحلة النظام البائد وحروبه
والحصار الاقتصادي والمستوى المعيشي المتدني
لموظفي الدولة آنذاك إلا انه قد نما وازدهر بعد
سقوط ذلك النظام والأسباب واضحة ، ومع تباين أسباب
وجود الفساد الإداري فان النتائج التي تؤدي اليها
وخيمة وخطيرة تؤثر على المواطن وعلى النظام وعلى
المجتمع بصورة عامة فيؤدي الى عدم احترام حقوق
الإنسان وانعدام المساواة ويقضي على الأسلوب الجيد
والمهني في الإدارة وفقدان المصداقية وحجب الحقيقة
عن الناس بواسطة الإعلام الفاسد مما يؤدي أخيرا
الى انعدام ثقة المواطن بالدولة والقانون وثم الى
تفكك المجتمع.
هذه
النتائج تتحقق حين تتاح لأنظمة الفساد الإداري
والمالي بالعمل دون رادع رغم وجود المؤسسات
الكثيرة لمعالجته والقضاء عليه مثل مفوضية النزاهة
أو ديوان الرقابة المالية وانتشار موظفي المفتشية
العامة في دوائر ووزارات الدولة إلا ان الفساد بلغ
حدا جعل منه ان يكون الخطر الأكبر الذي يهدد البلد
والتقدم في العملية السياسية والديمقراطية وتحقيق
الحرية والكرامة الإنسانية ، ومع ان هيئة النزاهة
وغيرها من الدوائر الأخرى قد أخذت على عاتقها
التصدي لغول الفساد الإداري وهي تسعى سعيا حثيثا
للحفاظ على أموال الشعب من سارقيه لتكشف بين فترة
وأخرى عن عدد كبير من الأسماء والمناصب والأرقام
الفلكية التي سرقوها وتقديمهم للمساءلة عن مصدر
أموالهم الوفيرة، لذلك فأن ما تقوم به النزاهة
العامة من واجبات وطنية ومهام جليلة ينبغي للسادة
المسؤولين النظر اليها على مستوى عال من الاهتمام
وتقديم يد العون والمساعدة فالسرقات الكبيرة التي
يعلن عنها ويتم اكتشافها او التي لم تكتشف بعد هي
ملايين من الدولارات التي يمكن بها بناء مؤسسات
ومرافق حيوية كما يمكن بها إعداد جيش متكامل
وتوجيهه لتوفير الامن وبسط يد القانون، وعلى الرغم
من
كثرة انعقاد
المؤتمرات
المتنوعة
لمكافحة الفساد الإداري والمالي التي تقيمها
الحكومة
والمنظمات المدنية ووسائل الإعلام إلا
انه لم تظهر بصورة واضحة حتى اليوم الإجراءات
العملية التي تم اتخاذها لتطويق هذا الوباء الخطير
والتهديد الكبير، مع انه يتم
خلال
هذه
المؤتمرات
بحث
محاور مكافحة الفساد وتطوير بناء القدرات الوطنية،
وفرض القانون، ودور المؤسسات غير الحكومية
والإعلام ومنظمات المجتمع المدني والتواصل
الجماهيري اضافة الى التنسيق والتعاون في مواجهة
الفساد
إلا ان النتائج ما زالت ليست بالمستوى المطلوب.
الصفحة
الأولى
من حرب الدولة العراقية الحديثة على عصابات
الإرهاب القاعدي والجريمة المنظمة قد أصبحت قاب
قوسين أو أدنى من نهايتها بعد النجاحات الأمنية
المتحققة في عامة البلاد مما يستدعي الآن تحشيد
كافة الجهود الحكومية والجماهيرية من أجل البدء
بالصفحة الأخرى من هذه الحرب والتي ستكون بالضد من
آفة وغول الفساد الإداري والمالي ومرتزقته
وعصاباته ومساندة الحكومة في اتخاذ الإجراءات
اللازمة وللاتفاق على أساليب جديدة لتطوير عملية
مكافحة الفساد يشكل لا يؤثر في حملة الحكومة
للارتقاء بالاقتصاد العراقي ليكون باستطاعتها جعل
العام الحالي مخصصا للبناء والعمران والقضاء على
الفساد في كافة المؤسسات الحكومية ودوائرها كونه
آفة خطيرة تهدد المجتمع بقدر يتجاوز الآثار
الكارثية التي
يسببها الإرهاب الدموي ضد الوطن، فهو يخلق قاعدة
وسلوكاً عاماً في بنية الدولة تصعب معالجتهما بعد
استفحالها ووصولها حد نخاع العظم وأسس البناء مما
يعني ان أي عملية بناء لا يمكن ان تتم بوجود آفة
الفساد كما لا يمكن إعطاء البناء صفة النجاح
والازدهار في أي مجتمع وهو يعاني من تغلغل أيادي
الفساد الإداري والمالي في كافة مفاصل الدولة.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com