شهد التاريخ على مر العصور أحداثا كثيرة كان
لوسائل الإعلام الدور البارز واليد الطولى في
نقلها للناس من أجل وضعهم في الصورة، وكانت عمليات
تغطية الأحداث وما زالت تندرج تحت مرتكزين أساسيين
لا ثالث لهما، إما النقل النزيه الأمين القائم على
الحياد والموضوعية، أو النقل المشبوه الذي تتحكم
فيه يد التشويه والتدليس! فلو تأملنا القصص
القرآني على سبيل المثال لرأينا أمانة النقل تتجسد
بأروع صورها وأصدق معانيها، لأن الناقل هو الله
سبحانه وفي قرآنه الكريم الذي لَا يَأْتِيهِ
الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ، إذ لا مجال للتحريف والتزييف!
أما إذا تدخل السلاطين والحكام وأصحاب النفوذ في
عمل وسائل الأعلام، فإن الحق ينقلب و بقدرة قادر
باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر
معروفا! الأمر الذي يتسبب في إخفاء الكثير من
الحقائق عن الناس ونشر كم هائل من الأنباء الكاذبة
والتي يُروّج لها بهدف إسقاط الطرف المقابل
أخلاقيا وأمام أنظار شعوب العالم أجمع! وهذا
بالضبط ما تعانيه وسائل الإعلام العربية بمختلف
أنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة..
فبعض الإعلام العربي وللأسف أخذ ينحو بعلم أو من
دون علم تجاه هذا المنحى الخطير في تعامله مع
القضايا التي تحدث في الساحة العالمية والإسلامية
على وجه التحديد! راسما لنفسه صورة طبق الأصل من
الإعلام الغربي الذي لا يتوانى لحظة واحدة في نصب
العداء للإسلام والمسلمين.. حتى صار المتابع
العربي لا يفرّق بين تعاطي الإعلام العربي للقضايا
الإسلامية وتعاطي الإعلام الغربي لذات الأمر!
فما جرى قبل مدة من الزمن في الجمهورية الإسلامية
في إيران من أحداث شغب ومظاهرات واكبت العملية
الانتخابية الديمقراطية فيها، أثبت لنا وبشكل قاطع
أن الحركة الإعلامية التي تعيشها المنطقة العربية
اليوم ما هي إلا حركة مقيدة بدائية لا ترقى إلى
المستوى المطلوب، وأنها تحتاج إلى المزيد من الوقت
حتى تتمكن من التحرر من القيود التي فرضتها على
نفسها والتي صار من الصعب جدا التخلص منها!
فعندما يقوم بعض هذا الإعلام بتصوير ما جرى في
الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أنه « عاصفة
ستدمر إيران» أو أنه «ثورة مخملية ستقلب النظام
الإسلامي وتأتي بنظام منفتح على الغرب» أو أن
«الشعب الإيراني يستحق قيادة أفضل من الحالية»
فإنه يعطي انطباعا لدى المشاهد أو القارئ بأن
القائمين على هذه المؤسسات والوسائل الإعلامية لا
يفقهون «ألف باء الإعلام» وكيفية التعاطي مع كافة
الملفات خصوصا الحساسة منها والتي لا تحتمل
التضخيم والتهويل!
وقد يتساءل الكثير منا عن الأسباب الحقيقية
الكامنة وراء هذا التضخيم غير المبرر لما يجري في
الساحة الإسلامية من قبل معظم وسائل الإعلام
العربية، وعن المستفيد الأكبر من وراء نشر هكذا
تقارير كاذبة وبعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع،
بحيث يُستغفل المشاهد أو القارئ العربي بكل جرأة
ومع سبق الإصرار والترصد!
باعتقادي، قد يكون السبب وراء انتهاج بعض وسائل
الإعلام العربية هذا النهج الخاطئ هو أن السياسة
التي تحكم هذه المؤسسات الإعلامية قد تُملي عليها
وجوب تشويه الحقائق والعبث بها من دافع الكُره
والحقد الطائفي وعداء الطرف المقابل ليس إلا! بغض
النظر عن استفادة الكثير من المتربصين بالوحدة
الإسلامية سوءا أم لا! وإلا.. فما معنى أن تقوم
هذه المؤسسات الإعلامية بتضخيم الخطر الإيراني
وتحجيم الخطر الإسرائيلي؟! وما معنى السكوت عن قمع
الحريات ومحاصرة المساجد في بعض البلدان واعتقال
الكثير من الوجهاء الدينيين واضطهاد أتباع المذاهب
الأخرى ومحاربة كل من يحمل فكرا مناهضا للفكر الذي
تدين به المؤسسة الحاكمة والتركيز على ما يجري في
إيران وتصوير نظامها الحاكم وكأنه نظام مستبد يحكم
شعبه بيد من حديد وأخرى من نار! وكأن أبناء الشعوب
الأخرى في المنطقة يعيشون في رفاهية من العيش
وادعين فاكهين! لا تنقصهم سوى مصافحة الملائكة!
ولست أدري.. إلى متى ستظل هذه المؤسسات الإعلامية
تنصّب نفسها على أنها مدافعة عن الحريات وعن حقوق
الإنسان وهي التي تعمل في الوقت ذاته لحساب أنظمة
«الخارج منها مولود والداخل فيها مفقود»!.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com