خلال الأسابيع القليلة التي
تلت الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية، شهدتالعاصمة الإيرانية
طهران عدداً من التظاهرات الاحتجاجية. في ظاهرها،
عبرت التظاهراتعن اعتقاد قطاع من
الإيرانيين بأن نتائج الانتخابات خضعت للتلاعب،
وأن المرشحالمعارض مير حسين
موسوي، لا الرئيس محمود أحمدي نجاد، كان الفائز.
خلال الأيامالقليلة الأولى من
اندلاع الحركة الاحتجاجية، كانت التظاهرات
الإيرانية كبيرة الحجمنسبياً. قليلاً قليلاً،
تضاءل عدد المتظاهرين، سواء بفعل التعامل الأمني
الحاسم، أوانصياعاً لأوامر المرشد
الأعلى، ليقتصر على قطاع صغير من الشبان وأبناء
الشرائحالعليا من الطبقة
الوسطى. ولكن التظاهرات لم تتراجع قبل أن يسقط في
غمارها قتلى: 12من المتظاهرين، و8 من
قوات الأمن.
ليس ثمة شك في أن الأزمة
التي فجرتهاالانتخابات الرئاسية
الإيرانية هي واحدة من أكبر وأعقد الأزمات التي
تواجههاالجمهورية الإسلامية
منذ تأسيسها. ما يؤكد هذا التعقيد أن الأزمة لم
تنته بعد،بالرغم من أن طابعها
الحاد والأمني قد انتهى. أحد الأسباب الرئيسية خلف
هذا الـتأزمفي الوضع الإيراني أنه
جاء حصيلة انقسام في الطبقة الحاكمة نفسها، قبل أن
يكونانقساماً في الشارع. وربما لا
يمكن توجيه اتهام محدد لأي من الشخصيات الرئيسية
فيمعسكر موسوي الانتخابي بعلاقة
مشبوهة مع قوى خارجية، أو بمسعى لإطاحة نظام الحكموتقويضه؛ ولكن هذه هي
الصورة التي أخذتها الحركة الاحتجاجية بالفعل.
وثمة من يعتقدأن حملة التشكيك في
شرعية النتائج قد خطط لها حتى قبل انعقاد
الانتخابات؛ بمعنى أنمعسكر موسوي بنى
استراتيجيته على أساس الفوز بمقعد الرئاسة بأصوات
الناخبين، أوالفوز بالمقعد عن طريق
إثارة الرأي العام. الأدلة على وجود مثل هذا
المخطط عديدة.
سارع موسوي، مثلاً، إلى
إعلان فوزه في الانتخابات قبل أن تنتهي سلطات
وزارةالداخلية المختصة بفرز ولو
عشرة بالمائة من الأصوات؛ وقد حرص موسوي على إعلان
فوزهفي مؤتمر صحافي، ساعياً إلى
تحضير الأجواء لاتهام النظام بالتلاعب في النتائج
فيحال خسارته. بل أن مصادر
إيرانية أفادت أن حملة موسوي الانتخابية كانت أجرتاستطلاعات رأي خلال
الأيام الأخيرة للحملة، جاءت بأرقام مخيبة للآمال.
ما أنأعلن فوز نجاد، حتى
بدأت اتهامات التشكيك في التصاعد، مصحوبة بدعوة
الشارع إلىالاحتجاج. وقد صاحب
حركة الاحتجاج ما بدا أنه تشكيك في شرعية كل
مؤسسات الحكمالرئيسية. الادعاء
بوجود تزييف انتخابي كان يتضمن بوضوح اتهاماً
لدوائر وزارةالداخلية، مركزياً وعلى
مستوى الدوائر الانتخابية. الأخطر، كان رفض
الانصياع لدعوةالمرشد بالتوقف عن
التظاهر ولجوء المعترضين للوسائل القانونية؛ وهو
الموقف الذيصاحبته اتهامات إلى
مجلس حراسة الدستور بالانحياز، واتهامات لقيادة
الحرس بدعمالرئيس نجاد، والإحجام
عن اللجوء إلى القضاء. في الوقت نفسه، بل وحتى بعد
أسابيعطويلة على إعلان
النتائج، لم تتقدم حملة موسوي الانتخابية، ولا
أوساط المرشحالإصلاحي الآخر
المتحالف معه، مهدي كروبي، بأية أدلة ملموسة على
وجود تلاعب فيالعملية الانتخابية أو
فرز الأصوات. كل الاتهامات بالتلاعب أو التزييف
تناولت مايعرف بالأدلة الظرفية،
مثل صدور تصريحات منحازة من هذه الشخصية أو تلك،
ومثل ظواهرغير معتادة في توجهات
المقترعين في دوائر معينة. المثير للاهتمام أن عدد
الدوائرالانتخابية الثابته
تجاوز 47 ألفاً، يضاف إليها أكثر من 13 الف مركز
انتخابي متنقلبين القرى والقصبات؛
وهو ما يعني وجود عشرات الآلاف من المسؤولين
الانتخابيين. ولكنأحداً من هؤلاء لم
يتقدم، لا تصريحاً ولا تسريباً لوسائل الإعلام
الإيرانية غيرالرسمية أو الأجنبية،
بشهادة تفيد بوجود تلاعب ما، بالرغم من أن نفوذ
المعسكرالإصلاحي في أوساط
الحكم والدولة هو نفوذ ملموس.
ومن المعروف أن استطلاعاً
لرايالإيرانيين، أجراه مركز أبحاث
امريكي أثناء العملية الانتخابية، انتهى إلى
التوقعبفوز الرئيس نجاد على
منافسه الأبرز موسوي بنسبة اثنين إلى واحد، وهي
النسبة ذاتهاالتي تضمنتها النتائج
الرسمية بعد ذلك. مهما كان الأمر، وبغض
النظر عن وجودتلاعب محدود هنا أو
هناك، فمن المؤكد أن الحركة الاحتجاجية الإيرانية
أخذت صورةتقويض النظام، أو على
الأقل دفع البلاد إلى حالة بالغة من عدم
الاستقرار. وبالنظرإلى الخطر الذي حملته
الأزمة على وضع البلاد ومستقبلها، فإن الإجراءات
الأمنية التيتبناها النظام لم تكن
على درجة استثنائية من العنف، ربما لأن النظام وضع
فيالاعتبار أن الأزمة تتعلق في
أحد أبرز تجلياتها بالانقسام في صفوف النخبة
الحاكمة. ولكن رد الفعل العالمي، سيما
رد الفعل الغربي والإسرائيلي على الأزمة الإيرانية
كانهائلاً. قادة أوروبيون كبار،
من غوردن براون ونيكولا ساركوزي، إلى أنغيلا
ميركيل،أطلقوا تصريحات تنديدية
صارخة ضد نظام الحكم الإيراني، وأعربوا عن دعم
صريحللمتظاهرين.
وبالرغم من أن الرئيس
الأمريكي أوباما التزم الحذر في الأيام الاولىللأزمة، فسرعان ما
التحق بمعسكر التنديد الغربي، سواء بدافع تأجيج
الأزمة أو لخضوعهلضغوط الدوائر التي
اتهمته بتجاهل الحراك (الديمقراطي) الإيراني.
محطات تلفزةوإذاعة غربية وضعت
الحدث الإيراني في صدر نشراتها، وصحف غربية رئيسية
كرست صفحاتكاملة لتغطية مجريات
الحدث، بتفاصيل لم تكن دقيقة وموضوعية دائماً.
وحتى بعد شهر منالانتخابات، لم تزل
إيران تغطي باهتمام بالغ من وسائل الإعلام
الغربية. هذا، إضافةإلى الدور الذي لعبته
وسائل ومواقع الاتصال الحديثة على الإنترنت (سيما
الأمريكيةمنها) في تصعيد حركة
الاحتجاج.
بعد أقل من شهر على اندلاع
الأزمة الإيرانية،انفجرت في الصين أحداث
الصدام الإثني في مدينة أورومتشي بمقاطعة سينكيانغ
ذاتالأغلبية الإسلامية التركية.
السبب المباشر خلف الأحداث كان قيام عمال من قوميةالهان الصينية الكبرى
بالاعتداء على عمال أيغوريين مسلمين في منطقة
كوانغدينغ منمقاطعة يونان الشرقية
الوسطى. وجود العمال الأيغوريين في مدينة شرقية
بعيدة عنمناطق سكناهم الأصلية
هو جزء من سياسة الدولة الصينية بتشجيع الأيغوريين
على الهجرةإلى مناطق النشاط
الاقتصادي الكبير من البلاد؛ ولكن هذه السياسة
ولدت توترات إثنيةفي صفوف العمال، سيما
بعد تصاعد الضغوط التي أطلقتها الأزمة الاقتصادية
العالمية. وقد أثارت شائعة (أكدت السلطات
عدم مصداقيتها) بأن العمال الأيغوريين اغتصبوا
فتاةمن الهان في إطلاق شغب أدى إلى
مقتل عدد غير محدد من الأيغوريين، وهو الحادث الذيولد بدوره مظاهرات
أيغورية في سينكيانغ، تطالب بإجراءات عادلة
لمعاقبة قتلة إخوانهمالعاملين في كوانغدينغ.
ولكن الأوضاع في سينكيانغ كانت متوترة أصلاً، وقد
جاءتأحداث كوانغدينغ لتطلق غضباً
متراكماً، سبق أن انفجر من قبل في عدة مناسبات منذمطلع التسعينات.
المشكلة في سينكيانغ لا تنبع من نزعات إسلامية
انشقاقية، كما تقولأوساط الحكومة المركزية
في بكين، ولكن من سياسة استيطان منهجية تتبعها
الدولةالصينية طوال العقدين
الماضيين لتحويل سينكيانغ من مقاطعة أكثرية
إسلامية تركية إلىأكثرية من الصينيين
الهان. وبالرغم من أن بكين أعطت سينكيانغ الحق في
الحكم الذاتيمنذ 1955، فقد ظل هذا
الحق حبراً على ورق.
حظرت السلطات الصينية تغطية
أحداثأورومتشي داخلياً، أو سمحت
بالتغطية في شكل محدود، ولكنها وعلى غير العادة لم
تحظرالصحافيين الأجانب من التغطية.
بعض الصور التي نشرتها وسائل الإعلام الغربية
أظهرتالعديد من الجثث في شوارع
المدينة؛ ولكن الرواية الرسمية قدرت عدد الضحايا
بأقل منمائتين من القتلى وعدة
مئات من الجرحى، أغلبهم من قوميةالهان. المصادر التي
تشككفي الرواية الحكومية تقول بأن
الهان باتوا يشكلون أكثرية السكان في أورمتشي، وأنالتقارير التالية ليوم
انفجار الأحداث، تظهر جموعاً من الهان المسلحين في
شوارعالمدينة، مما يوحي بأعداد أكبر
من الضحايا الأيغوريين. هذه، على الأقل، هي روايةالنشطين الأيغوريين في
الخارج. مهما كان الأمر، فإن ما شهدته أورومتشي
كان أكثرمدعاة للاهتمام مما
شهدته إيران، سيما أن ثمة ميراثاً طويلاً وعريضاً
من الاضطهادالصيني للمسلمين
الأيغور، وأن مطالب هؤلاء لا تتعلق لا بإطاحة
الدولة والصينية ولاتهديد استقرارها. ما
يحركهم هو مطالبة بسيطة وأولية بالمعاملة العادلة،
بتطبيق فعليللحكم الذاتي، وبوضع
نهاية لسياسة الاستيطان المخططة، التي تستهدف
تحويلهم إلىأقلية في وطنهم
التاريخي. ولكن الحدث الصيني بالرغم من ذلك لم
يستدع ولا جزءاً منالاهتمام الذي أولته
الأوساط السياسية والإعلامية الغربية للحدث
الإيراني. تفسيرهذا التباين الصارخ في
الموقف الغربي لا يحتاج، بالطبع، إلى ذكاء كبير؛
فالصين دولةكبرى، تملك وسائل
اقتصادية ومالية هائلة للانتقام من خصومها، دولاً
كانوا أومؤسسات. كما أن
المسلمين الأيغور لا يحتلون موقعاً هاماً على جدول
الأولوياتالغربية، على الأقل ليس
حتى الآن.
بيد أن هناك مسألة لا تقل
أهمية، وهي تلكالمتعلقة بتاريخ طويل
من السياسات الغربية تجاه الأنظمة والدول التي لا
ينظر إليهابعين الرضا والاطمئنان.
في القرن التاسع عشر والنصف الأول من العشرين،
كانت سياسةالسفن المسلحة هي
المعتمدة لإطاحة هذه الدول واحتلالها.
وقد استمرت هذه السياسة بعدذلك كلما سنحت الفرصة،
كما شهد العالم مؤخراً في أفغانستان والعراق.
عندما لم تسنحالفرصة، استخدمت وسائل
وأدوات أخرى: الدعاية، الإعلام، تجنيد العملاء،
التخريب،تأسيس الشبكات
السياسية، تشجيع المعارضة وتمويلها، وهكذا. وربما
كانت هذه الوسائلالأخيرة هي المقصودة
عندما رصدت واشنطن 400 مليار دولار قبل عامين
لتشجيع 'الديمقراطية'
في إيران. مثل هذه السياسات لا بد أن تكشف، أن
تواجه، وأن تنتهي. دولة مهما أوتيت من قوة
وإمكانيات لا يجب أن تقرر مصير دولة وشعب آخر،
سيما إن كانسجل الأولى لا يوحي
دائماً بثقة العالم. الأمم والشعوب لا بد أن تترك
حرة لتقررمصيرها بيدها.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com