يقول أيوجين روستو (رئيس
قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ،
ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط حتى سنة
1967م):
يجب أن ندرك أن الخلافات
القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ، ليست خلافات
بين دول أو شعوب ، بل هي خلافات تعتمد على صراع في
الوعي بين الحضارتين ، بين الحضارة الإسلامية
والحضارة المسيحية .
ويتابع قائلاً : إن الظروف
التاريخية تؤكد ، أن أمريكا إنما هي جزء مكمل
للعالم الغربي ، فلسفته ، وعقيدته ، ونظامه ، وذلك
يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي ،
بفلسفته وعقيدته المتمثلة في الدين الإسلامي ، ولا
تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف المعادى ،
للعروبة والإسلام إلى جانب العالم الغربي ،
والدولة الصهيونية . انتهى .
يعتبر الوعي عبر التاريخ
الإنساني الطويل وعند كل الأمم والجماعات والشعوب
من أهم العوامل المؤئرة في حسم الصراعات والخلاقات
التي تقع بينها ، كما انه المصب الذي تتبلور فيه
الأفكار والرؤى والأهداف وما إلى ذلك من مفردات
....
ولا اقصد هنا بالوعي من
منظار معيَّن ، كأن نقول الوعي الديني بكل مشاربه
، أو الوعي العلماني بكل توجهاته ، أو الوعي
القومي والاشتراكي أو ما شابه ذلك ؛ من اجل عدم
اختزال مفهوم وجوهر الوعي البشري ، بل قصدت بالوعي
هو ذلك الوعي الذي يجمع كافة الأفكار والمشارب
والاتجاهات ، التي تهدف إلى تحقيق الحد الأدنى من
الكرامة العربية ، من خلال جبهة موحدة قادرة على
التصدي والتغيير ، باعتبار انه ربما وبفعل تأثير
الأحداث المتلاحقة والضاغطة ، أن يلتقي جميع شرفاء
الكلمة والضمير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال تلك
الجبهة الموحدة ، ومن الطبيعي أن نتفهم ولو بغض
النظر قليلا ، بأن كل فكر يعتبر نفسه هو الأجدر
على بناء الوعي العربي ، وانه السبيل الوحيد من
أجل الكرامة والبناء والتحرير ، ولكن ما لا يمكن
أن نتفهمه هو المواقف السلبية المتشابه لجميع تلك
القوى والأحزاب الفاعلة ، على الساحتين العربية
والإسلامية ، والذي لا يتبلور عنه جهد مشترك أو
رؤية دافعة موحدة ، تؤدي إلى تشكيل جبهة فاعلة
موحدة ، تهدف إلى الضغط من أجل إيجاد حالة من
التغيير المنشود ، بخطة يحكمها شكل من أشكال الوعي
المشترك ، بين جميع المشارب والأفكار
والأيديولوجيات والاتجاهات ، من خلال القواسم
المشتركة التي يلتفون حولها .
بعض العلماء اعتبروا ووفق
معادلتهم الخاصة : أن الخلل في الوعي هو بالضرورة
خلل في الرؤى والبرمجة والتخطيط ، باعتبار أن كل
نتيجة خاطئة تنم عن وعي خاطئ ، يكمن في كيفية وشكل
التعاطي مع هذا الحدث أو ذاك ، أو مع هذه المعضلة
أو تلك .
ومن أولويات الوعي أن يدرك
الإنسان بأن مصلحته ومصلحة الناس من حوله تكمن في
عدم الدمج بين النفعية والمبدئية ، بين الانتهازية
والواجب ، وهذا هو من أهم أسباب التخبط والفشل
والانحطاط ، لأن الوعي الحقيقي يفرض وبالضرورة
العطاء أكثر من الأخذ ، والإيثار أكثر من الأنانية
، وتغليب المصالح العليا على المصالح الشخصية
والدنيا ، كما يدعو إلى الشجاعة والمسئولية
والمبادرة الذاتية والتضحية والإيثار، من هنا تكمن
أهمية التضحية بالأرواح والدماء والأموال
والممتلكات ، من أجل تحقيق الأهداف المرجوة من
خلال عامل الوعي .
ولا شك بأن الوعي العربي
يعيش حالة من الانحطاط لا مثيل لها ، وهي شبيهة
بتلك المرحلة التاريخية التي عاشها العرب قبل يزوغ
فجر الإسلام ، حيث التمزق والنظام القبلي ،
والتجزئة و تفشي القتل والانحطاط القيمي ، وغياب
الوازع الوطني والإنساني والأخلاقي .
ولعل ما تعرضت له الأمتين
العربية والإسلامية عبر التاريخ يكمن في فقرها
لوعي المواجهة والبناء ، مما جعلها تعيش حالات من
التخلف والضياع ، كما جعلها فريسة سهلة للنيل منها
، في الوقت الذي نجح أعداؤها في دك حصونها ،
واختراق صفوفها ، وهزيمة جيوشها بفعل نجاحهم ( أي
الأعداء ) بامتلاك الوعي الذاتي والموضوعي ، الذي
مكنهم من تحقيق نجاحات باهرة ضدنا ، ومن أهم
العناصر التي شكلت الوعي العدائي ضد الأمتين
العربية والإسلامية هو قدرة الأعداء على فهم طبيعة
تفكيرنا ، وغياب وازع العطاء والتضحية عندنا ،
وشيوع الأفكار الهدامة ، والعادات والتقاليد
البالية ، والأفكار المتهترئة والاتكالية الممقوتة
، والإشاعات الكاذبة الضارة ، وهو ما اعتُبر جزء
من نسيج مجتمعي هش ، مما ساعد أعداؤنا في تحقيق
اختراقنا بسهولة ، فكان نجاح الحملات الصليبية ،
ثم نجاح هجمات المغول ، ثم وقوع العالمين العربي
والإسلامي تحت الحكم التركي ، وما آلت إليه الأمور
فيما بعد من فقر وجهل وظلم ، ومن ثم انهيار
الخلافة العثمانية ، ثم الخضوع لاتفاقيات سايكس
بيكو ، التي أعادت رسم خارطة العالمين العري
والإسلامي من جديد ، وما نجم عن ذلك من إفرازات
مريرة نجني أشواكها حتى اليوم .
لقد نجح أعداؤنا في فهمنا
وقدموا التضحيات من اجل النيل منا ، نجحوا في فهم
تركيبتنا وسيكولوجيتنا وإمكانياتنا وطرق تفكيرنا
وثقافتنا ، علما بأن من أهم عوامل النصر في
الدراسات الإستراتيجية ، هو إما أن تفهم عدوك وإما
أن يفهمك ، فإن فهمت عدوك ( وهذا بالطبع من خلال
وعيك ) كنت الأقرب لتحقيق النصر عليه ، وإن فهمك
عدوك كان هو الأقرب في تحقيق النصر عليك ، وهذه
الحركة الصهيونية بصعودها وهيمنتها ، وإمكانياتها
المدعومة من الوعي الغربي والتخلف العربي معاً ،
تمكنت من تحقيق أكبر الانتصارات في السيطرة على
الإعلام العالمي ، كما نجحت في الوصول إلى رأس
الهرم السياسي في معظم دول العالم وصناع القرار ،
حتى أن وزير دفاع جورجيا دافيد كازرشفيلي والذي
كان مواطنا إسرائيليا يعيش في كيان العدو ، وبمجرد
أن انهار الاتحاد السوفيتي ، عاد إلى موطنه الأصلي
في جورجيا ليتولى حقيبة الدفاع هناك ، وليعمل على
توتير منطقة القوقاز .
والمتتبع بإنصاف لحال
العالمين العربي والإسلامي يشعر بألم كبير وبحرقة
بالغة ، على ما آلت إليه الأمور من انحطاط وفشل
وهوان ، فجميع الحركات التي دعت إلى التحرر في
المنطقة العربية والعالم الإسلامي أفل نجمها أو
كاد ، بغض النظر عن مشاربها الفكرية والعقدية ،
والكثير منها تقاطعت أهدافها ومصالحها مع أهداف
ومصالح أعدائها ، مما أفقدها الكثير من الدعائم
التي يعتمد عليها الوعي في ديمومته .
الوعي العربي يعيش أزمة
فكر ، وأزمة ثقافة ، وأزمة انتماء وهوية ، ثلاثة
عشر مليون مهاجر في دولة الإمارات العربية وحدها ،
وأصوات إماراتية شريفة تحذر من التداعيات الخطيرة
لذلك كما حدث في اندونيسيا وسنغافورة وماليزيا ،
ودول الخليج العربي ومياهه تحولت إلى قواعد عسكرية
تصب في تحقيق الأهداف الإسرائيلية ، والحركة
التعليمية في الوطن العربي تم تسييسها والهيمنة
عليها لصالح أعدائنا ، والسودان يخضع لمؤامرة
التقسيم ، والعراق حدث عنها ولا حرج . وليبيا سلمت
كل أوراقها ، واليمن متخبط في سياسته وتعامله مع
شعبه ، ومصر يكفي ما حدث من انهيار للصخور الجيرية
التي أودت بأرواح العشرات الآمنين في بيوتهم ، وما
سبق ذلك من كوارث يتعرض لها الشعب المصري ولا يزال
، مثل كارثة غرق العبارة ، وانهيار العمارات
السكنية ، وانزلاق القطارات والحافلات إلى مياه
البحر ، والنظام المصري بجيشه وترسانته أعجز من أن
يرد على جندي إسرائيلي واحد يطلق النار على جنود
أو مدنيين مصريين .
، وسوريا عاجزة عن تحرير
الجولان ومن المتوقع أن تلحق في ركب التسوية
الأمريكي ، وما ينعكس ذلك على قوى المقاومة ، كما
عجزت من قبل على تحرير لواء الإسكندرونة . ولبنان
خطط ومؤامرات تهدف إلى نزع البندقية المقاومة ،
والجيوش العربية ناجحة بامتياز في قمع شعوبها ،
وسجناء الرأي تكتظ بهم السجون ، والشعوب تتنفس من
تحت البوستار ( الحذاء ) الحاكم .
ودول المغرب العربي تعيش
الفرْنَسَة ( بتسكين الراء ) بأوَجّها ، حتى أنها
لازالت تواجه مشكلات التعريب في بعض المناطق حتى
الآن .
وفي السعودية نهب وسرقة
الثروات والأموال النفطية ، ونسبة الفقر والبطالة
في ازدياد ، ومدن الصفيح شاهد حي على تخزين
المليارات بأسماء الأمراء والأميرات في بنوك
أوروبا .
وفلسطين فقدت كل إمكانيات
قيام الدولة من جراء الوقائع المادية المفروضة على
الأرض ، والقضية الفلسطينية تسير نحو المجهول ،
وغزة تعيش الحصار والخناق ، وبارك الله في أيسلندا
التي قررت حكومتها قبول 29 لاجئاً فلسطينياً
عالقين منذ عامين فيمعسكر للاجئين على
الحدود العراقية السورية ، ومن قبلها حكومات
البرازيل وتشيلي وكندا التي استقبلت العشرات أيضاً
.
لقد نجح بوش من قبل في
اختيار مسئول عنالشرق الأوسط في مجلس
الأمن القومي ، اسمه إليوت أبرامز ، الذي اختص
بالكتابةفي موضوع التحالف
الضروري بين اليمين الأصولي المسيحي ، ومؤيدي
إسرائيل في أميركا ، كان هذا التحالف قوة دفع
رئيسية في اتجاه الحرب على العراق وأفغانستان من
قبل ، وأنه لا بد من نقلة جديدة إلى يومالقيامة ( وفق تصور
اليوت أبرامز ) .
فهل يمتلك العالمين العربي
والإسلامي وعيا يرتقي إلى مواجهة بوش وزمرته !!! ؟
.
لا بد من توحيد المواقف بين
جميع شرفاء الرأي والكلمة ، ولابد من التقاء الوعي
حول قواسم مشتركة لجميع المشارب الفكرية ،
والاتجاهات السياسية الشريفة ، وذلك بتشكيل جبهة
موحدة فاعلة قادرة على التغيير ، فما حدث في لبنان
من تشكيل جبهة موحدة للموالاة و أخرى للمعارضة ،
وفي العراق حيث الجبهة العراقية للحوار الوطني ،
لماذا لا يتكرر على المستوى العربي أو الإسلامي
في العالمين العربي والإسلامي بشكل أوسع ، أو حتى
لماذا لا يتكرر في أقطار عربية منفردة أخرى كما
حدث في العراق ولبنان ؟ صحيح أن هناك اعتبارات
محلية وعربية ودولية كثيرة تخص كل قطر عربي ؛ لكن
اعتبار فقدان الكرامة يفوق كل الاعتبارات الأخرى ،
فهل نشعر بفقدان كرامتنا ؟ أم أن المهانة هي مهنة
الأجداد و الآباء والأبناء ؟
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com