تصريح السيد عمرو موسى عن وجوب التزام إسرائيل
بالقرار رقم 181 الذي أصدرته الجمعية
العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر)
1947 والقاضي بتقسيم فلسطين
مناصفة بين الفلسطينيين واليهود، يشير إلى أن
العرب لا يزالون قادرين، لو توفرت
الإرادة، على تغيير قواعد اللعبة التفاوضية. إلا
أن ما يحد من إمكانية الاغتنام
الدبلوماسي والدعائي الأمثل لهذا الموقف العربي
الجديد هو أن الأمين العام للجامعة
العربية قد لوح به، على ما يبدو، كمجرد تهديد نظري
أو رد تصعيدي على تمسك إسرائيل
بفكرة أنها دولة يهودية، حيث قال في صيغة شرطية:
'إذا أرادوا دولة يهودية، يجب
عليهم أن يلتزموا بالنسبة التي حددها القرار' 181،
أي نصف الأرض لا أربعة أخماسها
مثلما هو الوضع الرسمي الحالي.
لا جدال أنه ليس في متناول الجانب العربي السعي
إلى إحياء قرار التقسيم وإلى تجديد قيمته
التداولية في الخطاب السياسي العالمي إلا
بمحاولة استغلال ثغرة ما في الموقف الإسرائيلي.
ولا جدال أن إيديولوجيا 'يهودية
الدولة' قد تكون أنسب الثغرات حاليا. إلا أن من
الضروري أن يتم التحرر الفوري من
هذه الصيغة الشرطية بقيودها التكتيكية المكبلة. إذ
إن الظرف الدولي يسمح، كما أن
الحق يقضي، بعدم الاكتفاء بهذا الموقف الأولي، بل
البناء عليه وتطويره إلى موقف
مبدئي يطالب مطالبة استراتيجية بتنفيذ قرار
التقسيم في مطلق الأحوال، باعتباره أعقل
الحلول سياسيا، فضلا عن أنه إن لم يكن أعدل الحلول
تاريخيا، فإنه أعدلها شكليا على
الأقل. إذ إن من شبه المستحيل أن يقبل
الإسرائيليون الآن بالحل الديمقراطي المتمثل
في قيام دولة واحدة لا فرق فيها بين مسلم ومسيحي
ويهودي. كما أن من المستحيل فرض
الحل التاريخي بأثر رجعي، أي فرض 'قانون العودة'
عكسيا، بحيث يرجع اليهود مع
أبنائهم وأحفادهم إلى بلدانهم الأصلية.
وبما أن كثرة العبر وقلة الاعتبار هما
من سمات تاريخنا العربي المعاصر، فإن من الجدير
التذكر بأن خطة التقسيم، التي تبدو
الآن أشبه بحلم مستحيل، قد كانت فكرة مرفوضة
عربيا. ولهذا فإن تهمة الخيانة كانت
جاهزة حالما ألقى المرحوم الزعيم الحبيب بورقيبة
يوم 3 آذار (مارس) 1965 في أريحا
خطابه الشهير الذي نصح فيه العرب بقبول القرار
181. ولا بد من الإشارة إلى أن موقف
بورقيبة من هذه القضية موقف قديم. فقد كان رأيه
منذ البداية أن القادة العرب، بمن
فيهم المرحوم الحاج أمين الحسيني الذي انعقدت بينه
وبين بورقيبة وشائج المودة في
القاهرة في منتصف الأربعينيات، قد أخطأوا برفض
قرار التقسيم وأن بن غوريون تميز
بالدهاء عندما قبل القرار (علما أنه كان مجرد قبول
تكتيكي). فقد خدم الرفض العربي
المصلحة الوجودية الإسرائيلية. ولهذا فإن العنوان
الذي تصدر كثيرا من الصحف الغربية
غداة صدور القرار هو 'ارتياح في تل أبيب'. ذلك أن
هذا الرفض وإن كان مفهوما في
سياقه التاريخي، بالنظر إلى شدة القهر من عظم
المظلمة الكولونيالية اليهودية من جهة
وانتشار الوهم بقدرة الجيوش العربية على استرداد
الحق المغتصب من جهة أخرى، فإنه قد
ضمن للإسرائيليين نصف الأرض قبل أن ييسّر لهم
التمادي في جرائمهم الإرهابية التي
أسفرت عن اغتصاب المزيد (28 بالمائة إضافية).
على أن الفكرة التي كانت مرفوضة
وعنوان خيانة في الستينيات قد وصفت على لسان نائب
الرئيس السوري السابق عبد الحليم
خدام، في مؤتمر فاس عام 1981، بأنها خطة 'ثورية'
(!)، حسب شهادة وزير الخارجية
التونسي السابق الباجي قائد السبسي في كتاب سلس
السرد محكم التوثيق صدر قبل أشهر
بالفرنسية عن سيرة الزعيم بورقيبة وفلسفته
السياسية. إلا أن حقيقة الأمر أن خطة
التقسيم هي خطة براغماتية محض لأنها تحصر الأضرار
في أدنى حد ممكن، ثم إنها تَصلح،
إذا اندرجت في إطار 'سياسة المراحل' التي بنى
عليها بورقيبة خطته في الكفاح الوطني
ضد الاستعمار الفرنسي، أن تكون منطلقا ثابتا للسعي
إلى استرداد مزيد من الحقوق. إذ
إن الفرق شاسع، بل مطلق، بين موقف المطالبة
الحقوقية القائم على الندية والمتسلح
بشرعية المساواة القانونية والأخلاقية بين الأفراد
والشعوب وبين وضع التسول
التفاوضي الذي يجلس صاحبه القرفصاء تحت جدار عدو
يعدّ مجرد تجميد الاستيطان
'تنازلات
مؤلمة' وصدقات تدل على طيبة القلب. عدو لا يفهم
لماذا يفهم العالم بأسره
أن استمرار الاستيطان في العُشر المتبقي من الأرض
إنما يعني احتلال كامل فلسطين، أي
استحالة حل الدولتين، أي سير الكيان الإسرائيلي في
طريق الانتحار التاريخي.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com