عند حدوث احداث الحادي عشر
من سبتمبر،عادت مقولة المثقف بكل قوة إلى الساحة
السياسية والثقافية ، ليتناولها
المختصون و السياسيون بالتحليل و التفكيك ونقد
شاملفي مفهومها و أدواتها و
ملابساتها ،بل ذهب البعض إلى إعادة تشكيل بنيتهاالفلسفية و وظيفتها
الاجتماعية. غير أن ما يلفت الانتباه في
العشرية الأخيرة هو اقتران المثقف بمقولةالسلطة أو الحاكم ، وهو
اقتران ليس بجديد في تاريخ المعرفة. فهناك نماذجعديدة لهذه الصيغة في
الحضارات و المجتمعات السابقة .لكن المثير للحيرة
والعجب اليوم هو الشكل الفضيع
لصورة المثقف و هو يسبح في فلك الحاكم،أيننجده يظهر كمبرر و
مدافع عن سياسة و أيديولوجية الحاكم. و نتيجة لهذهالممارسة أو الخيانة
بتعبير جوليان بندا – ذابت في المثقف كل مهامهالتاريخية
:النقد،السؤال والمعارضة .إنها المهام ذاتها التي
منحت له مبررالحركة و الوجود في
التاريخ ،كصانع وشاهد ومبدع.
في تاريخنا الإسلامي كما في
التاريخ الغربي،اشتد الصراع بين السلطةالسياسية و السلطة
الثقافية اكثر فاكثر،و اخذ عدة أشكال ،كان أبرزهاالإهانة ، العزل عن
الوظيفة،النفي وصولا إلى الاغتيال و في احسن
الأحوالإلى التكفير. و لا زال
التاريخ يحتفظ بمأساة "أهل الطريق"كالحلاج و الشيخالنفري و السهروردي
الذين راحوا كلهم ضحية أفكار و آراء تنبع من
الفلسفةالاشراقية و العرفانية
اطمأنوا إليها كمنهج للوصول إلى الحق و الحقيقة.
واذا ما ذهبنا الى الحقبة
السابقة فيحقبة الاحتلال
الألـماني النازي لفرنسا خلال الحرب العالـمية
الثانية أظهركثير من الـمثقفين
والأدباء الفرنسيين مواقف "تخاذلية" إزاء الـمحتلالألـماني. لـم يُسجل
أن غالبيتهم حملت السلاح وانضمت إلى صفوف
الـمقاومةالفرنسية، التي هي
بدورها يُضخم حجمها في الـمخيلة الفرنسية، حيث لـم
تكنواسعة النطاق ولا كثيفة
العضوية كما يُراد لها استرجاعياً أن تكون. أقصىتنويع "للـمقاومة"
تبناه بعض أولئك الـمثقفين كان "الـمقاومة
السلبية"؛ أيتفادي التعامل مع
الاحتلال. لكن ذلك كان الحد الأقصى، كما يقول
فريدريكسبوتس، مؤلف الكتاب
الصادر حديثاً والـمثير حول مواقف "الوسط الأدبيوالثقافي" الفرنسي من
الاحتلال الألـماني (السلام الـمخجل: كيف نجاالـمثقفون والأدباء
الفرنسيون من الاحتلال النازي، 2008، مطبعة جامعةييل). تحت ذلك الحد
الأقصى هناك مستويات من التواطؤ بل والتعاون
والعمالةللاحتلال. لـم يكن أحد
يعلـم مستقبل ذلك الاحتلال، وكانت آلته القمعية لاترحم أحداً، وظن كثيرون
أن إمبرطورية الرايخ الثالث لن تُقهر. ولئن كانالحكم الاسترجاعي الآن
على مواقف أولئك الفنانين والـمثقفين يندرج في
خانةالتنظير والاستسهال لظروف
جبروتية لـم يكن ثمة مهرب منها، فإن الظرفالاحتلالي النازي
الباطش آنذاك كان مخيفاً ومرعباً ويجب عدم التقليل
منه.
يقول سبوتس: إن
استجابات أولئك الـمثقفين للحالة الاحتلالية كانت
مختلفة. فالـمثقفون السورياليون ذوو
الـميول الشيوعية أو الـميول الـمؤيدةللشيوعية سارعوا إلى
الفرار من فرنسا كلها لدى رؤيتهم تقدم الجيوشالألـمانية نحو فرنسا.
كانت بريطانيا وجهة بعضهم، وأميركا مقصد الغالبيةمنهم. مثقفو اليمين، في
الغالب الأعم، أيضاً، ومع الانتباه للاستثناءاتدوماً، التزموا
"الحياد". كانت الحرب والجبروت النازي في تقدير
معظمهمأكبر من أن يتم
تحديهما. لكن جزءاً منهم تملكته غبطة ظاهرة
أحياناً أومستترة أحياناً أخرى؛
بسبب قدوم النازيين وما سيقومون به من إنهاء
الفوضىالسياسية الفرنسية التي
طالت بعد الحرب العالـمية الأولى، وكان سببها، فينظر اليمين، الصبيانية
اليسارية التي أفرحهم أن تكون أول ضحايا الحكمالألـماني. مثقفون
وفنانون آخرون لـم يروا في الغزو والاحتلال
الألـمانيينإلا حالة "مثيرة
للفضول" تفتح الأفق على مجاهيل عديدة. وعندما أقدم
أحدالـمثقفين القلائل على
الانتحار لعدم تحمله رؤية الاحتلال الألـماني،انتقده بعض رفاقه من
الفنانين بسبب "نقص الفضول الكافي" عنده.
وقد ظهرت صورة
المثقف للمرة الاولى في خطاب اميل زولا
(Emile Zola 1840-1902) المفتوح " إني اتهم…" طالبفيه بالحقيقة و العدالة
و اختتمه بسلسلة من الاتهامات على نحو " إنني اتهمالجنرال مرسييه ، اتهم
خبراء الخطوط الثلاثة…اتهم وزارة الحرب…اتهم
المجلسالعسكري العالي…ليست
لدي سوى رغبة واحدة:أن أرى النور…باسم الإنسانية
التيعانت و لها الحق في السعادة "
.بالنسبة للمؤرخين الاجتماعيين فإن تاريخانفصال الثقافة عن
السلطة و بوادر نشأة المثقف الجماعي أو العضوي
–كمايسميه غرامشي-،بدأ منذ هذه
اللحظة بالذات .يوجز لنا المؤرخ المعاصر اريككـام(
Eric Cahm) الحادثة
بقوله:"شهدت القضية،إذن مولد الفكرة الجديدةللمثقف الملتزم كعضو في
جماعة،تتكون من الكتاب و الفنانين و كل المشتغلينبالثقافة…إن المثقف
الملتزم يقع خارج أبنية السلطة في المجتمع ،و يعبر
عنرأيه باسم مبادئ أخلاقية أو
ثقافية عليا…". لقد أرست هذه الاحتجاجاتتقاليد جديدة دفعت حركة
التنديد و الاعتراض بقوة إلى الأمام ، استمر علىإثرها مثقفون آخرون في
التعبير عن مواقفهم بشجاعة لا مثيل لها ،كان فيمقدمتهم الأديب و
الشاعر فولتر(Voltaire)
الذي عرف عنه دفاعه
المجيد عنكالاسJean Calas المتهم بقتل ابنه بالسم لاسباب
دينية و حكم عليه بالموتعلى دولاب العذاب سنة
1792 ،ثم ظهرت براءته عام 1795 بعد موته.كما دافعهوغو
(V.Hugo) عن البؤساء و
المحرومين المهمشين من الشعب.و تكريما له نقلجثمانه عام 1908 ليدفن
إلى جانب الأديبين العظيمين زولا و فولتير.
إن جوهر المسألة في
الوقت الراهن هو مدى وفاء المثقف للمبادئ التييرفعها و إخلاصه لمهامه
المرتبطة بمأساة شعبه.لقد كان زولا أمينا في تصويرالحياة الواقعية و صعود
البرجوازية الفرنسية،و كان مثالا للصدق و الثباتفي هجومه على
الكاثوليكية و وضع العلم بديلا عنها. و في الوقت
نفسه راحآخرون ينظرون للقيم
البرجوازية،و يمجدون بكل بشاعة القمع و التسلط،كماوقفوا في وجه التيار
المستنير الداعي إلى الإصلاح و التغيير في النظرية
والتطبيق.فهذا بريخت(B.Brecht)
يصور لنا المشهد الدنيء
لأمثال هؤلاء بقوله"
في الوقت الحالي يمتدح
الممثلون الأدبيون للمجتمع الشمولي الدولة التيقامت بتفريخهم ، و
يرفضون النظرية التي كشفت الطبيعة الحقيقية لهذهالدولة".
ولكن هل يمكن
للمثقف ان يكون فاسدا او خائنا وعلى
الرغم من أن تعبير"المثقف
الخائن" قاس إلي حد بعيد إلا أنه يوسم
من يغرق فيالوحل دون تردد واعياً
بخيانته وقابضاً مقدماً الثمن على طريقة (ادفع
وشيلCash & Carry ) وعندما تفسد"أنا
المثقف" تخون وتضلل وترتمي في عملية
الحراك الاجتماعيالثقافي إلي أسفل،
وتعجز حتى إذا ما أعلنت توبتها عن ترميم تلك الأنا
المهشمةوالمقصومة. هذه الصور
تنتج عنسيكولوجية مهتزةتتأرجح فيهاالمثقف"الفاسدو الخائن"
بين مساحتي العقل
المتوتر المرتبك المهزوز والجنون بمعني عدم ملامسةالواقع وهنا لا تدرك
حواسه عالمه الخارجي ويسقط في مستنقع لا يزكم أنفه
فنجدهيبرر ويستخدم حيلاً نفسية
دفاعية عصابيةمثلالإنكاروالتكوين العكسي
( أي أن مايظهر شعورياً عكس ما
يكتم في العقل الباطن) هذهالسيكولوجية الخاصة
لأمر ينطبق علىمثقفي الإتحاد السوفيتيـ إن جاز التعبير ـ
الذين أصابهمالذهول وصدمهم الحدث
فجاءهم كالطوفان اكتئاب قاس الوطأة تركهم نهباً
لأحلامالطريق الثالث وهم في
توهانهم وشرودهم بحثاً عن الأب والأم تلكأوا
وترنحوا، ربماانزووا أو نهضواباحثين عن بديل مقارب
عربيعله يكون نظام صدام حسين
مثلاً. ولا يفوتنا بالطبع ذلكالمثقف الذي يكون جلده
كالحرباءويتدنى إلي أن يصل إلي
حد الدفاع عن أغنية، التهليل لفريق كرة قدم،
التحيزلراقصة أو مغازلة
فنانة.... وأن يرشو ويرتشي مستخدماً صنعته فيرقعهاويخيطها يمزجها
بالأصباغ والألوان ويصبغ كالبلياتشو لا يضحك ولا
يتمكن منالضحك. كما أننا لا
ننسي هنا ذلك التحالف النجس بينالمثقف الموظفالذي يعرض بضاعته كبنات
الليل وبينرجل الأعمالالذي يعاملالمثقف الذليل كالعبد
والخادم، يلطعه على بابه بالساعات، يرفض عروضه ثم
يكسر أنفهويعطيه كسرة خبز لقاء
هجوم على رجل أعمال آخر أو لتمجيد مشروعات قامت
على السرقةونهب البنوك ......
أنها مرة أخريالأنا المتضخمة شكلاً
الضئيلة قلباًالمتورمةكما يتورم الساق
بالصديد،الأنا المجروحةالمفتوحة الجرح.أما
مشكلة "الهوية"
أو "الأنا"
تلك لدي المثقف العربي
زادت حدتها بعدما صار نجماً على الفضائيات يدلي
بدلوه، يصرخ ويصيح، يستثمر غضبه ويسفه غيره بل
ويتعمد على إنهائه وسحقه تهميشه وتشويهه .....
وكثيراً ما أصبحنا نري القمع الممتد كالقرع في كل
مكان وزمان ورأينا الوجوه البلاستيك والوجوه
الخشب، وتلك الوردية والزاعقة والشاحبة، وفي
المقابل أصبح نادراً ما نري وجوهاً حقيقية معطاءة.
ساطعة، نضرة، حيوية، ولعل أخطر تلك الوجوه
المرتبكة تلك التي تروج لمشاريع مشبوهة واستبدال
الحرف العربي بالاسم الشرق أوسطي. ولعل خيانة
المثقف كما ذكرنا سابقاً لا تأتي من فراغ لكن
بذورها كمنت في أرض قميئة استمرأتها واستحلت الماء
الآسن الذي يرويها فنجد ذلك العجز المكتسب من
تتابع أحداث قاسية توحشت فيه إسرائيل واغتصبت حتى
الحق في المعارضة وسيطرت أمريكا بسفرائها
المعتمدين الضجرين من أي نقد يوجه لسيدة العالم
الحر فأصبح المثقف الضعيف مكتسباً عجزاً قميئاً
وأصبح يدافع عن سياسات عرجاء مروجاً لأفكار غير
عملية مثل أن الصراع العربي الإسرائيلي صراع نفسي
أو أن إسرائيل جيش لا يقهر ولا يستطيع ولا يتمكن
من رؤية اندحاره في جنوب لبنان .
في مثل هذه
الأجواء ، اصبح المثقف حسب الجابري " يتحدد بالدور
الذي يقومبه في المجتمع كمشرع و
معترض و مبشر بمشروع أو على الأقل كصاحب رأي و
قضية ".و
أمام صعود التيار الاحتجاجي للمثقفين، ازداد في
المقابل التواطؤ بينالمثقف و السلطة ،أين
تحول المثقفون من تبرير القمع الداخلي للشعوب إلىتبريرهم و تشجيعهم
للهيمنة و الإمبريالية، كان في طليعة هؤلاء فئةالمستشرقين الذين وظفوا
معارفهم بالشرق ليعبدوا الطريق أمام موجاتالاستعمار ناك أصوات
داخل و خارج الوطن ،تعزي هذه الوضعية إلى آلة
الموت الهمجيةو الوضع الأمني السائد
، الذي لم يكن يسمح بالتحرك في هذا الخط الاحتجاجيأو ذاك.و لكن في
المقابل كيف نفسر وقوف رجال محسوبون على الثقافة
بجانبالاستبداد ، و الأدهى من ذلك
هو قيامهم بتبرير العنف و قمع السلطة. إننانترحم على جميع
المثقفين الذين اغتيلوا و نعتبر فقدانهم خسارة
للجزائر، ولكن هذا لا يبرر أبدا
الموقف السلبي الذي مارسه البعض تجاه ما كان يحدث.
اعتقد أن عبارة
جوليان بنداJulian Benda "خيانة
المثقفين La trahison des
clercs " (1927) هي
احسن وصف لهذه الوضعية المزرية. إذ كيف نفسر مثلاانتقال المثقف السياسي
نورالدين بوكروح من مثقف كان يمارس النقد اللاذعللسلطة ، يوم كان في
المعارضة إلى مثقف بورجوازي انخرط بسرعة فائقة
وارتمىفي أحضان أجهزة
بيروقراطية ، ليتمتع بريعها وأجواء الرفاهية التي
توفرهاله ، بعيدا عن انشغالات
و هموم المجتمع أو "الغاشي" كما كان يسميه سابقا.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com