يعج التاريخ الحديث والقديم
بأمثلة كثيرة حول أشكال الحرب النفسية ، منها ما
نجح به
جنكيز خان
أثناء اجتياحه للبلاد وقتله للعباد ، فقد تمكن
بنجاح من نشر دعاية الرعب بشكل لا نظير له عبر
التاريخ البشري .
كما استخدم هتلر شكلا من
أشكال الحرب النفسية سنة ( 1936 ) جعل تشيكوسلوفاكياتنسحب من منطقة
السويدات دون أن تطلق طلقة واحدة،ونجح في احتلال مناطق واسعة جدا من فرنسا
خلال ست ساعات .
واستخدموا في مصر القديمة
المراوغة والحيلة والخدعة في الحروب ، واعتمدوا
على ذلك عند فتح يافا في فلسطين ،واستُخدم السحر في الصين القديمة
، كما استُخدم السباب والشتائم والتشهير
السياسي بغرض التأثير على الروح المعنوية للعدو في اليونان القديمة
أيضاً.
ويقول المخطط العسكري
الصيني صن تزو : إن أعظم درجات المهارة هي تحطيم
مقاومة العدو دون قتال .
القائد الألماني روميل
قال : إن القائد الناجح هو الذي يسيطرعلى عقول أعدائه قبل
مبادأتهم
أما الحلفاء
فقد نشروا في الحرب العالميةأنهم لا يريدون محاربة
الشعب الألماني ، وإنما يريدون محاربة هتلر ، وهو
تماما ما يفعله اليوم
الاحتلال الإسرائيلي عندما يقول : أن
حربه على الإرهاب ( كما يسميها ) وليس على الشعب
الفلسطيني .
ولا
تقل الحروب النفسية شأنا عن المعارك العسكرية ،
ومن أجل نجاحها أو فشلها فهي تعتمد أساسا على قدرة
طرف على فهم الطرف الآخر من الناحية النفسية ،
وطرق التفكير، ومستوى الثقافة ، وطبيعة التعبئة
والأيديولوجية ، والعادات والتقاليد وأنماط السلوك
، ويعني ذلك الاعتماد على طبيعة منظومة التركيبة
البنيوية للطرف المحارَب ، من حيث الانتماء
والاعتقاد ، والوعي والإيمان بالهدف الذي يقاتل من
أجله .
وللحرب
النفسية قدرة كبيرة على إلحاق الأذى ، أو أكبر قدر
ممكن من الخسائر أو الهزيمة في الطرف المقابل .
إن
نسبة الفهم وحجم دقته من الطرف المحارِِب للطرف
المحارَب أو من العدو إلى عدوه ، تنسجم تماما مع
نسبة تحقيق الأهداف ، بمعنى آخر بسيط : كلما فهمنا
نحن عدونا كلما اقتربنا من تحقيق بعضا من أهدافنا
، وكلما فهمَنا عدونا كلما حقق بعضا من أهدافه
لصالحه على حسابنا ، بحيث أنه كلما كان أي خلل في
أي موطن من مواطن الفهم ، يؤدي بالقطع إلى خلل في
نتيجة المعركة ، وينطبق ذلك أيضا على النزاعات
المسلحة التي تقوم ما بين التنظيمات أو الميليشيات
أو ما شابه ذلك ، وكل فهم عقلي وسيكولوجي دقيق
لطبيعة الطرف الآخر يؤدي إلى مزيد من الاقتراب في
تحقيق الهدف ، ولقد صرّح بذلك بعض القادة
الأمريكان
، كما أثبتت الوقائع المادية أن مجتمع العدو
الصهيوني
يتأثر تأثيرا كبيراً من الدعاية الإعلامية ، إلى
درجة تؤثر على مستوى الهجرة والهجرة المضادة ( من
وإلى دولة الكيان ) ، ومن المعروف أن الدعاية
الإعلامية جزء من الحرب النفسية وشكل من أشكالها
.
قال
بول لينباجر: إن
الحرب النفسية هي استخدام الدعاية ضد العدو،مع إجراءات عملية أخرى
ذات طبيعة عسكرية واقتصادية أو سياسية بما تتطلبهالدعاية ، ويقول : إنها
تطبيق لبعض أجزاء علم النفس لمعاونة المجهودات
التي تبذل في المجالات السياسية والاقتصادية
والعسكرية .
ويلعب الطابور الخامس في
الحرب النفسية دورا كبيرا في تحقيق أهداف العدو،
ولقد ظهر تعبير ( الطابور أو الخامس ) خلال الحرب الأهليةالاسبانية ، عندما قال الجنرال (مولا )
أحد قادة فرانكو:
( إن أربعة طوابير عسكريةتتقدم على مدريد
للاستيلاء عليها ، ولكن هناك طابورا خامساً كاملاً
داخلالمدينة ، له القابلية على
إنجاز ما لم يستطع أي طابور عسكري من انجازه ) ،
ومن المعروف أن الطابور الخامس ينشر إشاعات هدفها
الضعف والهزيمة ، والتفتت ونشر اليأس والحقد ، والتشكيك
من جدوى المقاومة ، و كي الوعي بغرض المس من
معنويات الطرف الآخر ومن ثم الاستسلام .
البروفسور رجيار داكروس
الذي كان مديرا للحرب النفسية في بريطانيا خلال
الحرب العالمية الثانية قال : إن من أهم أهداف هذه
الحرب هو تحطيم قيم وأخلاقيات الشعب الذي توجه
إليه الحرب النفسية ، وإرباك نظرته السياسية ،
وقتل كافة معتقداته ومثله التي يؤمن بها ، وإعطاؤه
الدروس الجديدة ؛ ليؤمن بعد ذلك بكل ما نؤمن به ،
وإجراء عملية غسل دماغ ، وزيادة شقة الخلاف بين
الحكومات وشعبها ، وغرس بذور الفرقة بين أبناء
الشعب.(انتهى
)استخدمت
إسرائيل
أنماطا مختلفة من الحرب النفسية ، منها ما أشاعته
في حربها على لبنان سنة 1982 ، بأن القائدين خليل
الوزير وصلاح خلف قد استشهدا ، وأن جثمانيهما في
أحد المساجد ، كما تستخدم إسرائيل المنشورات التي
تلقي بها على المواطنين من الجو .
ومن
الحرب النفسية أيضاً الحرب الباردة ، وتأخذ أشكالا
ثقافية مختلفة في مجالات الفنون والثقافة والآداب
، مستخدمة الصحف والكتب والإذاعات ، والقنوات
والمواقع والحفلات الموسيقية ،
والعروض الفنية والجمعيات والمؤسسات المدنية
والإنسانية والصحفية المختلفة ، وتعمد على تجيير
الكُتاب والمثقفين ، وتشتري العقول للوصول إلى
مقاصدها ، كتلك العقول العربية التي تفتخر بها
وزارة الخارجية الإسرائيلية
في موقعهاكما
أقامت مخابرات أمريكا كونغرس
الحرية الثقافية
(عام ١٩٥٠) ، وتحول فيما بعد إلى الاتحاد
الدولي للحرية الثقافية
، وأنشأ فروعا في ٣٥ دولة ، كما أصدر أكثر من
عشرين مجلة ثقافية
في مختلف أنحاء العالم ، كانت كلها تروّج للنموذج
الأميركي . وكانت المخابرات
الأميركية
وراء إنشاء نادي
القلم الدولي
في منتصف الستينيات ، الذي مد أذرعه إلى ٥٥ دولة
وأسس فيها ٧٦ فرعا، كانت كلها ذات أنشطة ثقافية .
تحتاج
الحرب النفسية إلى وعي كبير من اجل التصدي لها
ومواجهتها ، بالقدر الذي تحتاجه في إدارتها ،
لأنها أشد فتكا من العمل العسكري في الميدان ،
ولعل ما حدث للقوات
العراقية
عندما اجتاح الحلفاء الجدد بغداد
، وظهر الانهيار السريع للقوات العراقية ، وكيف
كانت الحرب النفسية التي استعملها الصحاف وزير
الإعلام في ذلك الوقت حربا مفلسة فاشلة ، يذكرنا
بالحرب النفسية الهوجاء التي شنتها حكومة عبد
الناصر
على لسان أحمد سعيد قبل وأثناء حرب 1967 ، عندما
كان يردد ويقول : القوا اليهود في البحر ، هنيئا
لك يا سمك وأنت تأكل لحم اليهود ، وان المضادات
الجوية المصرية تسقط طائرات العدو الصهيوني
كالذباب ، وبعد ساعات تفاجأ العالم بسقوط غزة و
سيناء والضفة الغربية والجولان .
إن
حجم الدمار الذي خلفه العدو
الإسرائيلي
أثناء حربه الأخيرة على غزة ، لهو رسالة نفسية من
أجل كي الوعي الفلسطيني ، كما صرحت بذلك تسيفي
ليفني
نفسها ، ومضمونها أن المقاومة لن تجدي نفعا ، وانه
يستوجب على الفلسطينيين إلقاء السلاح ، كما أن
الحصار الخانق المفروض على غزة يرمي إلى
توصيل رسالة واضحة للشعب الفلسطيني ، بأن العدو
الإسرائيلي بيده شربة الماء ولقمة الخبز، وأن
بإمكانه أن يفعل بالشعب الفلسطيني ما يحلو له ،إلى
أن يحقق العدو ما يريد ، ولقد سمعنا دعوات كثيرة
من قادة الكيان للشعب الفلسطيني في قطاع غزة تهدف
إلى الإطاحة بحكم حماس .
وفي
هذه الأيام تكثر إشاعات هدّامة مغرضة هدفها الخنوع
والاستسلام ، سواء كانت عن جهل أو عن علم وتخطيط :
ينشرون بأننا لا طاقة لنا بإسرائيل ، وأن إسرائيل
لا يمكن أن تأتي بالقوة ، وأننا جربنا الحرب
فلنجرب السلام ،وأن أمريكا في ظهرها ( أي من
ورائها ) وأننا لا يدعمنا أحد ، والكثير من مثل
هذه الدعايات التي تهدف إلى ثني الإرادة وتحطيم
العزيمة ، ومن الغريب أن هذه الدعايات والإشاعات
والأفكار المسمومة والملوثة ، تنتشر بين الشباب
تحديدا كانتشار النار في الهشيم ، مما يدق ناقوس
الخطر الكبير إذا لم تتدارك القيادات هذه الظاهرة
.
ولكي
نواجه نحن الفلسطينيون جميع أساليب الحرب النفسية
، نحتاج إلى توفير كل مقومات الوعي والدعم والصمود
؛ من أجل أن يقدم المواطن الفلسطيني روحه ودمه
وبيته وممتلكاته على طبق من نور لثرى فلسطين ، فهل
الوقائع على الأرض تثبت ذلك ؟ .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com