فتح عينيه على دوي القنابل
وهدير الطائرات ، وعطرت انفاس طفولته رائحة
البارود ودخان المباني المحترقة ، لم يجد الهروب
من هذا الوضع المفروض عليه بقوة الواقع وعوامل
جغرافية الاشياء حاول ان يكيف نفسه وان يمسح من
قاموسه الفكرة التي تتعارض مع طبيعة الظروف ، كان
يغسل وجهه البريء بكذبة الانتصارات المزعومة التي
تحصد الاف من البشر كل يوم ، وامام عقلية الطفولة
انخرط دونما يدري في ماكنة الاعلام التي تصور
الموت حياة ، والهزيمة انتصار..!
والشعارا ت التي يختبىء
خلفها تجميد الصنم الاكبر ، وتحولت وكتبه ودفاتره
المدرسية الى مجموعة هياكل عظمية طلقتها الحروف
الابجدية ، لتعيش حالة خصام دائم لان العلم والحرب
لايجتمعان في صف واحد ، ادرك هذه الحقيقة بعد ان
سئم الدروس المملة ومحاضرات الطابور الصباحي ولم
يتذكر انه عاش كبقية اطفال العالم يحلمون بالالوان
الملونة ، واراجيح تهزها نسمات الربيع ، هرب من
وضع يصور الاسود ابيضا ، الى شيء اخر اكثر ضبابية
بعد ان بلغ ثمانية عشرعاما من العمر ، وكانت
البداية ساحة التجنيد وكتاب سوق لم يستغرق سوى
لحظات قليلة ، في اول انجاز لاسرع معاملة حكومية
في العالم والتي يمكن ان يستحق القائمون عليها
دخول موسوعة غينس للارقام القياسية امام هذا الوضع
تنازل عن شعره الاسود اللماع الذي اطلق العنان
لجدائله في النمو كأنه شجرة اللبلاب ، فقد كان
يسمع عن الموت الذي يتربص بالجميع عند الحدود ،
وانه سيكون او ل المستقبلين القادمين في مملكتة
المترامية الاطرف ، انتهى شعور فيه لم يعرفه من
قبل ، وأنه تحول الى مخلوق آخر ، يتصرف بغرابة ،
نظر في المراة التي كان يحملها في حقيبته ، كي
يكتشف هذا الغريب ، الملامح نفسها ، الوجه الا سمر
الذي اخذت منه الشمس قسما فازادت عتمة وبعد سأل
نفسه : هل هذا انا ؟! ا م نسيته عند مغسلة المنزل
، لااعرف هذا الرجل الغريب الذي دخل حياتي ، سوى
انه يحمل نفس الاسم والوجه ولكنه يتصرف ليس كما
كان في السابق ولعل الانقياد نحو المجهول والاوامر
الصادر من الجهات العليا زاد الامر سوءا تلك
الملابس التي اقترب لونها من لون الارض ، فهي
كالحرباء تتغير حسب المواسم ، اما الحذاء الذي
يشبه الغراب فعليه ان يبقيه دائما متوهجا عند كل
صباح والا العقوبة تنتظره من قبل رئيس عرفاء
السرية ، وفوق كل هذا شعيرات لحيته المنتشرة هنا
وهناك عليه ان يمرر شفرة الحلاقة كل يوم وليس فقط
عند مواسم الحصاد بحث عند نفسه في الاخرين الذين
كانوا يحملون هموما مختلفة ، وتكاد تكون الاشياء
الخارجية مشتركة ولكن هناك اختلاف ، في مدى فهم
مايحدث لان الاجهزة الامنية وضعت على كل واحد
رقيبا، ترصد مايصدر من هذيانات في لحظة ما ، لذا
اخفى كل من هؤلاء شخصيته الحقيقية ليعيش بشخصية
الجميع ، ربما انصب التفكير في الاجازة والحصول
على القصعة والصمونة التي احيانا يطول بقاؤها لمدة
اسبوع وهي المدللة التي تتلاقفها الايادي من شخص
لاخر وبسبب بساطته وعدم وجود مزيد من يدافع عنه ،
نقل الى اخر نقطة من المعركة ، لاتفصله سوى امتار
قليلةعن الموت المتربص امامة بعيون قناص يتصيد كل
شيء متحرك ، او قذيفة تطلق هنا وهناك ، امام هذه
الحالة نسي نفسه واحلامه وابنة الجيران ورسائله
التي تركها خلفه وطيوره التي بقيت حبيسة البرج رغم
انه اوصى امه ان تطعهما وتطلقها كل صباح ، ولكنها
بحكم العمر وبكائها على شقيقه الذي ذهب في يوم ولم
يعد وانقطعت اخباره لم تجلعها تفعل هذا ، وكان
لابد له من وسيلة يقضي بها الوقت وهو يشارك الموت
في الليل والصباح الذي احيانا يمتاز بالرجولة فيغض
النظر عنه ، تذكر ان لديه مذياعاً صغيراً ، خبأه
بعيدا عن المراقبين،علماان محطاته كانت محدودة
بفعل اجهزة التشويش مع هذا كان يمد سلكا بطرفة من
اجل التقاط اكبر قدر ممكن من الاذاعات طبعا غير
الحكومية التي ملها واصبحت كابوسا يطارده حتى في
الاجازة امام هذا الوضع الذي تختفي فيه اذاعة وتحل
مكانها اخرى هنا بغداد يقلب الموجة ويحرك المذياع
الى جهة ما ، هنا لندن (BBC
)
هنا ..لقد سئم الاخبار
والتقارير ، فحاول ان يبحث عن اغنية ، ولكن
محاولته فشلت لان اغلب الاذاعات مشفرة وموجهة
لخدمة اهداف معينة ، استمر الوضع لمدة ثماني سنوات
فقط ايام الاجازة يشعر بانسانيته التي يفقدها في
اخر يوم لها وكان عامل اليأس ينتاب الكثير من
امثاله في عدم خلع الخاكي والبسطال الاسود
والابتعاد عن هواية يعرفها اغلب الجنود في ذلك
الوقت وهي حفر الخنادق حتى في المعسكرات الخلفية
وزع حقول الالغام لعل المطر يجعلها تخضر فيما بعد
في لحظة لم تكن في الحسبان ، صمت كل شيء البنادق ،
المدا فع الطائرات ، هناك شيء يحدث لم يعرف ماهو
لانه في موقع متقدم وبعيد عن مصادر الاخبار، وسال
في نفسه لماذا هذا الهدوء، هل غيب الموت الطواحين
، واوقفها عن الحركة ، في الصباح الباكر سمع احدهم
ينادي عليه ، يسقط ويقوم غير مكترث بما يحدث يمشي
على طوله كما يقال ، توقفت عجلة الحرب عن الحركة
لم يصدق ما يسمع ، ولكن كل شيء كان يوحي بهذا
الامر ،قال في نفسه انه سيتحول الى انسان من جديد
، فعلا نال حريته فترة ليست بقصيرة بعيدا عن ويلات
الحرب ، حتى سمع مرة اخرى من اصدقائه ان مواليده
طلبت من جديد فهناك بوادر ازمة ولكن نحو مكان اخر
وعادت تلك الايام الخوالي التعداد اليومي وحلق
اللحية ، صبغ البسطال ، لبس الخاكي الذي اشتراه من
سوق الهرج ، قال في نفسه مغامرة جديدة ، ولكن
لااحد يعرف متى تنتهي ؟! ولكن هذه المرة كانت اسرع
من ذي قبل انكسار ، انسحاب، ومعدات محطمة تم
تحركها على طول الطريق وانتهت الازمة راجع التجنيد
كي يختم دفتر الخدمة العسكرية وبعد معاناة نال
شهادة دخول المدنية ، ماهي الا اشهر قليلة حتى عاد
لنفسه التجنيد والروتين حتى ان صفحات دفتر الخدمة
العسكرية لم تعد فيها صفحة الا كتب عليها عبارة
(التحق في تأريخ كذا ) و(تسرح في تأريخ كذا ) !!
وبعد نهاية مرحلة دفاتر الخدمة العسكرية وجد نفسه
ملزما بالاحتفاظ بهذا الشيء الذي اكل عليه اجمل
ايام حياته .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com