فن اليوغا هو احد فنون الرياضة النفسية التي
تُعلـّم من يمارسها الصبر وزيادة التركيز. وهذه
الرياضة لها شروط وقوانين وتطبيقات موحدة، فأينما
وُجِدت، توجد معها قوانينها وتطبيقاتها.
ولكن في بعض البلدان تم ابتكار فنون جديدة لها
تختلف في الأداء والتمارين لكنها تشترك في الهدف
وهو تعلم الصبر وقوة التركيز.
والعراق هو احد هذه البلدان التي تم ابتكار فنون
جديدة لهذه الرياضة والهدف منها هو إخضاع المواطن
العراقي لتمارين شاقة ليكون مواطنا مميزا لا
يجاريه احد في قوة التحمل.
وهذا ما حصل لي حينما اصيبت زوجتي بوعكة صحية
فأردت أن احصل لها على إجازة مرضية من دائرتها
(مديرية التربية).
بادئ ذي بدء لم أكن اعلم بوجود مثل هذا الفن، ولم
أكن اعلم أن مديرية التربية قد تبنت العمل وفق هذا
النوع من اليوغا، وبدأت رحلتي معه في صباح يوم
الأحد حينما ذهبت إلى مدرسة زوجتي وأخذت إحالة من
المدير إلى مديرية التربية. ومن هنا بدأت رحلتي
الطويلة وبدأت الخوارزمية في هذا اليوم الجميل.
ذهبت إلى المديرية وسجلت الإحالة في قسم (الواردة)
وتم تحويلي إلى غرفة اخرى.
دخلت هذه الغرفة فملأتْ الموظفة استمارة إحالة إلى
المستشفى وقالت لي وقعها من الاستاذ (أبو حازم).
وقعتها من الاستاذ (أبو حازم) وتوقعت أن يقول لي
"اذهب إلى المستشفى" لكنه قال لي:- "ارجع إلى
(شذى) الموظفة".
رجعت إلى الموظفة فهمشت عليها وقالت لي:- "اذهب
إلى قسم (الصادرة)".
دخلت قسم (الصادرة) فوقـّعتْ الموظفة على ورقتي
وقالت لي:- "اذهب الآن إلى المستشفى".
خرجت من المديرية قاصدا المستشفى وكلي أمل أن انهي
معاملة الإجازة بتوقيع بسيط من موظف أو موظفين أو
ثلاثة وأعود إلى المدرسة.
دخلت إلى المستشفى فطلب مني الموظف أن اقطع تذكرة
العلاج واذهب إلى الطبيب.
قطعت التذكرة ودخلت غرفة الطبيب فطلب مني إحضار
المريضة فأخبرته ان زوجتي طريحة الفراش ولا تقوى
على التحرك فضلا عن القيام والخروج من المنزل،
وبعد عدة محاولات اقتنع الطبيب أن يمنحها استراحة
لمدة ثلاثة أيام وقال لي:- "اذهب إلى غرفة
(الصادرة)".
خرجت من غرفة الطبيب إلى غرفة (الصادرة) فقال لي
الموظف:- "انتظر ساعة ليوقعها المدير".
بعد ساعة استلمت الإجازة وقال لي الموظف:- "اذهب
الآن إلى المديرية".
توجهت صوب المديرية ورجعت إلى نفس الموظفة التي
ملأت استمارة الإحالة فقالت لي:- "اذهب أولا إلى
قسم (الواردة)"
.
دخلت قسم (الواردة) فهمشت عليها الموظفة، وأسرعت
إلى الموظفة الاولى فهمشت على الورقة وملأت
استمارة جديدة وقالت لي:- "اصعد إلى غرفة
(الحسابات)".
صعدت إلى غرفة (الحسابات) ووقعت الاستمارة من
الموظفة وقالت لي:- "ارجع إلى (شذى)" أي الموظفة
الاولى.
رجعت إلى (شذى) فهمشت على ورقت وقالت لي:- "اذهب
إلى قسم (الأفراد)".
دخلت قسم (الإفراد) فوقعها الموظف وقال لي:- "اذهب
إلى قسم (الصادرة)".
وأخيرا وقعت الإجازة وختمتها من قسم الصادرة وقفلت
راجعا إلى المدرسة لاسلـّم الإجازة إلى المدير قبل
أن ينشر اسمها في سجل الغياب.
لم أجد المدير فأعطيت الإجازة إلى المعاون، وعندما
سردت له رحلتي مع هذه الورقة،السـِفـْر الذي لن
أنساه، ضحك المعاون وقال لي:- "كان من الممكن أن
تطلب الإجازة من المدير ولا تتجشم كل هذا العناء
فانه رجل طيب ويقدر الظروف ولا حاجة لتضييع كل هذا
الوقت"!!! علما أنني خرجت من منزلي الساعة الثامنة
صباحاً وعدت إلى المدرسة الساعة الثانية ظهراً
وغبت عن عملي.
ونحن هنا لسنا بصدد سرد قصة قصيرة للمتعة وقضاء
الوقت بقدر ما نريد أن نسلط الضوء على جانب بسيط
من جوانب حياة المواطن العراقي المسكين الذي ضاع
عمره بهذه التفاهات الروتينية والخوارزميات
البائسة التي تشكل حلقة من حلقات تضييع حياته وهدر
وقته، وهو إن دل على شيء فانه يدل على أنْ لا قيمة
للوقت في بلدنا.. إذ ليس من المعقول أن تطبق هذه
الخوارزمية البائسة، والتي لم اذكر كل مراحلها
لكثرة الأقسام والغرف التي دخلتها، ليس من المعقول
أن تطبق هذه الخوارزمية على كل مريض يريد الحصول
على استراحة ليوم أو يومين أو ثلاثة في بلد يراد
له أن يكون في مصاف البلدان المتقدمة لكثرة ما
يملكه من الثروات ولكثرة ما يملكه من العقول
ولكثرة ما يسمع من شعارات تنادي بالأعمار والقضاء
على الفساد والبطالة المقنعة حتى اصيب بالتخمة من
هذه الكلمات التي لم يبصر النور سوى النزر اليسير
منها.
ولا ادري كيف يتسنى للموظف المريض المرور بهذه
الخوارزمية وهو لا يقوى على التحرك، فإذا كان
مريضا فانا متأكد انه سيغمى عليه في إحدى أروقة
المستشفى أو مديرية التربية، وإذا لم يصب بالإغماء
أو تتدهور حالته لحين إنهاء المعاملة فهذا يعني
انه صحيح البدن وغير مصاب بأي مرض.
هذا جزء بسيط من يوم مليء بالروتين يمر به المواطن
العادي، واقصد بالعادي أي انه ليس من أصحاب
الدرجات الخاصة أو من كبار المسؤولين. ونحن هنا
نسال، ومن حقنا أن نسال، لو أن احد الوزراء أو
أعضاء البرلمان أو كبار المسؤولين، لو أن احد
هؤلاء أراد الحصول على إجازة مرضية أو غير مرضية،
أو أراد الحصول على امتيازٍ ما أو منحةٍ مالية فهل
يتم تطبيق مثل هذه الخوارزمية عليه؟
لك الله يا عراقي ما أتعس حالك، فمتى تتنفس
الصعداء وتعيش كما يعيش مواطنو العالم الثالث لأنك
أصبحت من مواطني العالم الرابع. وهل يأتي يوم
نستيقظ لنرى عراقاً جميلا هادئا مزدهرا، وهل
سنستيقظ لنرى حكومة قد جعلت أول أهدافها راحة
المواطن والإحسان إليه.
وعلى كل حال فإنني حينما استلمت الإجازة .. استلمت
معها الحزام الأسود في فن اليوغا فليست هذه أول
خوارزمية أمر بها. وأصبحت قادرا على تحمل جميع
أنواع الجور والظلم وسلب الحقوق والسكوت على هدر
الوقت في بلد أحوج ما يكون إلى دقيقة إضافية
ليسترد عافيته ويداوي جراحاته.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com