من
المواقف المربكة التي تصادف الفرد في عالم
السياسة وتدعوه للتوقف كثيرا وتركيز الجهد في
التفكير للمفاضلة بين خيارين أو ترجيح
إحتمال على آخر
هي
تلك الدعوات والعروض التي تتقدم من أفراد أو جهات
وتحمل مضامين
متعارضة، عنوانها العام يندرج في إطار تغير
المواقف والخطابات بشكل حاد ورفع شعارات
تشعر بذلك . وبرغم وجود إشكالية واضحة في مسألة
محاكمة النوايا والضمائر حيث أن
الإستغراق في البحث داخل دوائرها أمر محفوف بمخاطر
الإبتعاد عن الموضوعية في أجواء
التداخل والتشابك السياسي , إلا انه في المقابل
يحفل عالم السياسة بكثير من
المفردات التي تؤسس لفجوات بين الظاهر والباطن ,
منها ما يظهر في بعض الأحيان من
تباعد ملموس بين خطاب الكلمة وتجسد السلوك في
الواقع , وإبتعاد الكلمات والمصطلحات
والجمل عن مضامينها وإستهلاكها مدلوليا لتصبح
فقيرة خالية إلا من التكرار.
فكم
تردد على مسامع الجميع منذ التغيير ولهذا اليوم من
ديمقراطية وتوافق وطني وتغليب
المصلحة العامة والشفافية , ونبذ المحاصصة ,
إستجابة لمطلب الشارع العراقي مع
محاولة أستبدالها من قبل البعض بإستعارات بلاغية
مثل التوازن والمشاركة من دون
تحديد واضح لخطوطها , التي يجب ان لاتتقاطع وتعيق
الأداء العام للدولة وتفرغ مبدأ
إحترام المواطنة والمساواة في خط الشروع الوطني
من محتواه . وإحترام الدستور
وضمان عدم التداخل في الصلاحيات مع التأكيد على
مبدأ التوافق ليس فقط في مجالات
التأسيس والمنعطفات الدستورية الكبرى , بل أيضا
في رسم السياسات وتحديد الأولويات
وتنفيذ القوانين , مع العمل أو المناورة على تحميل
جهة واحدة اسباب القصور والتقصير
أو التأخر في تنفيذ البرامج وضعف أداء بعض
الوزارات والجهات التنفيذية , ذلك من
دون التخلي عن نهج توفير مظلة الحماية الحزبية
والطائفية والقومية للمقصرين
المحسوبين على الطبقة السياسية في الوزارات
وهياكلها المؤسساتية , بذريعة إحترام
مبدأ المشاركة والتوافق الذي قامت عليه العملية
السياسية وإختيار الحكومة وعلى
رأسها السيد رئيس الوزراء , كمثال واضح للخلط بين
شخص المالكي الذي وقع عليه
الإختيار لتوفر المواصفات الذاتية المطلوبة في
إطار من التناغم مع الشروط الموضوعية
في ساحة العملية السياسية , ليتجسد ذلك على أرض
الواقع خطابا عراقيا جامعا وفعلا
ميدانيا لترسيخ دولة القانون والمؤسسات والمواطنة
, وما نتائج الإنتخابات المحلية
الأخيرة إلا دليل على ما هو أشبه بالتفويض الشعبي
لإعمال القانون وصيانة المؤسسات
ووضع خطوط واضحة للمسؤوليات , للتمكين على
المساءلة عن القصور والتقصير وحالات
الإنحراف عند بعض المسؤولين , هذا من جهة , ومن
جهة أخرى بين صلاحيات موقع رئيس
الوزراء - التي لاتقبل التجزئة والقسمة
والإنتقائية - وفق الدستور لإدارة الدولة
من المواقع التنفيذية , حيث ينص الدستور على أن ,
رئيس الوزراء هو المسؤول التنفيذي
المباشر عن السياسة العامة للدولة , والقائد العام
للقوات المسلحة , يقوم بإدارة
مجلس الوزراء , ويترأس إجتماعاته , وله الحق
بإقالة الوزراء , بموافقة مجلس النواب
... أريد أن
أقول أن الصلاحيات الواسعة لرئيس الوزراء هي
المساحات التي يتم فيها
تحقيق المصلحة العامة والغايات العليا للدولة
والمواطنين , واي عرقلة لتلك
الصلاحيات ليست فقط مخالفة دستورية وانما أيضا
تعتبر إعاقة لجهود دفع الواقع الخدمي
والسياسي والأمني إلى الأمام , والتأثير سلبا على
وظيفة الحكومة في إتخاذ القرارات
الضرورية لحل مشاكل الناس المعيشية والخدمية
وتحقيق الأمن السياسي والمجتمعي
, وإدارة
التناقضات الاجتماعية والاقتصادية وتنظيمها
ومعالجتها في إطار الدستور
والقوانين المنبثقة عنه , ووضع الحراك الناتج عن
ذلك في قاطرة العمل الوطني
, وتوجيه
دفته نحو الاتجاه الصحيح , ورسم مساراته
التنفيذية المتنوعة بمراحلها
, ومراجعة
سلبيات كل مرحلة لغرض التقويم واستيعاب ما هو في
دائرة القصور أو البطء أو
عدم النضج المطلوب . ذلك للوفاء بتعهدات تحقيق
النتائج المتفق عليها بنقاطها
الموثقة وبخطوطها التفصيلية ومن أبرز تلك الخطوط
هو تحقيق الأمن والاستقرار وتوفير
الخدمات بحدودها الدنيا المقبولة , في ضوء تسخير
وإدارة الامكانيات وبجهود مستنفرة
منفتحة على طاقة الانسان وظروف المجتمع وتقاطع
العوامل المعروفة للعراقي.
لكن
ما تقدم لايمنع وجود مساحة للتشاور بين السياسيين
والمشاركة في بحث المسائل
المفصلية , أفرزتها ظروف التحول الديمقراطي في
العراق لتعميق حالة التكاتف وخلق
الأجواء الإيجابية لتحرك القرارات والقوانين في
أرض التطبيق , ومؤازرة الحكومة
العراقية وإسنادها أمام التحديات الداخلية
والخارجية التي تريد إعادة الأوضاع إلى
عصر الدكتاتورية والمقابر الجماعية.
والمشاركة الإيجابية كمفهوم لايمكن حصرها في
دائرة أعلى الهرم السياسي بل تمتد إلى جميع
الفعاليات في جهد الدولة والمجتمع شرط
أن لاتكون عقبة تمنع إنسيابية القرارات والإجراءات
, أو تسبب حالة من السيولة في
تحديد الصلاحيات المشار إليها بوضوح في الدستور ,
أو تكون فقط لتعطيل القرارات من
منطق المصالح الضيقة المتعارضة مع المصلحة العامة
, أو لإعاقة جهود الحكومة تمهيدا
للإدعاء بعجزها عن تنفيذ الواجبات وتحقيق السياسات
. ولهذا تتضح ضرورة النظر إلى أي
حراك سياسي من زاوية التداخل والتشابك بين
المواضيع , وتشخيص حالات التغير والتطور
في المواقف والأحداث ومجالات التعاون والتنسيق
والتنافس , من منظار الألوان
الواقعية بعيدا عن ثنائية الأبيض والأسود , في ظل
الحرص على أن تكون المصلحة العامة
وإحترام الدستور بضمنها آليات التغيير فيه هما
مركز الإستشعار والتقييم لأي حراك
سياسي يحمل رايات الإصلاح.
وضمان
إستجابة الرأي الشعبي لأي اصلاح سياسي يتوقف
على درجة تبشيره بالأمل بملامسة إحتياجات الناس
وتذليل مشاكلهم الحقيقية وتنفيذ
الإلتزامات والوعود المقدمة , وكشف المعوقات التي
حالت دون التقدم المأمول وإخضاع
المرحلة للحساب والمساءلة , وليس توقفا تكتيكيا
يهدف لإعادة تقسيم الغنائم والحصص
وتبني الأساليب المحاصصية السابقة نفسها التي
اضاعت الفرص وأهدرت الأموال وأعاقت
جهود البناء والتنمية . وفي تقديري اي إصلاح سياسي
كي يكون مثمرا يجب أن يكون خاليا
من الثغرات التي تمر عبرها ثقافة تجاوز الدستور
والقانون , وأن يحمل أجندة إرشادية
يمكن ذكر أهم صفحاتها:
اولا:
أن يرتكز أي إصلاح سياسي على مبدأ تبديد الشكوك
والهواجس بين الفرقاء السياسيين وأن تتحرك وجهات
النظر المتباينة تحت مظلة الإختلاف
في المقاربات السياسية , بإستخدام آليات الحوار
والمكاشفة والإبتعاد عن دوائر
الإنشغال بتصفية الحسابات الشخصية المبددة
للطاقات , التي تنحرف بالحوار بعيدا عن
المصلحة العامة , وترفع اسوار عدم الثقة بين
أطراف العملية السياسية أن الإصلاح
الحقيقي يقوم على قرارات وقوانين تتوافر فيها
أسباب القبول الشعبي لانها تتحرك على
أرضية الإقناع في إطار سلامة نقاطها وفقراتها من
ناحية الشكل والمحتوى وإنسجامها مع
المبادئ التشريعية والدستورية , وهو يضمن توسيع
آفاق التعاون ونطاق المشاركة وتضييق
الخلافات وعدم التوقف عند نقطة واحدة والإرتكاز
عليها , فليس من الديمقراطية
التعامل مع شرط إما .. أو , بل هي التي تعتبر
الحوار ليست مباراة صفرية لابد لها من
منتصر ومهزوم وانما حل الخلافات هو إنتصار للجميع
لأنه إنتصار للوطن والمصلحة
العليا , فلاتقدم ولاتنمية حقيقية مع بقاء
الخلافات مغروسة في ساحة الطبقة
السياسية .
ثانيا
: أن يصنع توافقا عاما حول تحديد مفهوم المصلحة
العليا للعراق
وجعلها دليلا لتحرك الجميع , ومن مفرداتها وحدة
الأرض وتحقيق السيادة التامة
للدولة على كامل الجغرافية العراقية في ظل الدستور
, وضمان حماية المال الوطني من
الهدر وصيانة النسيج الإجتماعي والحفاظ على الهوية
الوطنية وإحترام الهويات الفرعية
, وتأمين
متطلبات التنمية المستدامة من تعليم وصحة وعمران
وسلامة بيئية .. وأرساء
دعائم الأمن الإقتصادي بالحفاظ على الثروات
الطبيعية وصيانتها وإستغلالها بالشكل
الأمثل ما يحقق المردود الأعلى للمجتمع , و تعزيز
مرتكزات السيادة الإقتصادية
بالإرتقاء المتوازن بالقطاعات الرئيسة كالصناعة
والزراعة والخدمات العامة , وفرض
هيبة الدولة وترسيخ سيادة القانون وتطوير المؤسسات
وفق أسس حديثة لضمان سلامة
الأداء العام , وتحقيق المواطنة القانونية
والإقتصادية والسياسية والإجتماعية
والثقافية , وحماية المجتمع والأفراد بإستشعارهم
الأمن النفسي والكرامة كضرورة
للإنتظام في المجتمع والتناغم معه.
ثالثا
: الإصلاح الحقيقي كي لايكون إمتدادا
لدعوات طرحت في مناسبات سابقة , وكي يستجيب
لتحديات البناء والتنمية عليه أن يطرح
بنى ومفاهيم وآليات عمل جديدة , فلايمكن التعامل
مع الحاضر بآليات الماضي التي ثبت
عجزها في الإستغلال المناسب لطاقات العراق
المادية والبشرية وألإستجابة لحاجات
المواطن البسيط وتحقيق أهداف المجتمع , ويأتي في
مقدمة الإستحقاقات إعادة بناء
مؤسسات الدولة خارج نظام المحاصصة الذي يجب إيقاف
تمدده ! تمهيدا لتضييقه التدريجي
,
والإستفادة من الكفاءات العراقية في شغل المواقع
في المؤسسات المختلفة على أساس
تكافؤ الفرص والمساواة في خط الشروع الوطني , لا
أن يبقى سائدا الطابع الحزبي
والطائفي والقومي في هيكلتها ومفاصلها المختلفة .
وإعتراف الكتل السياسية بأن
المحاصصة هي السبب الرئيس لحالات القصور والفساد ,
يضعها أمام مسؤولية إنزال ذلك
إلى واقع التطبيق وردم الهوة بين التشخيص والسلوك
الواجب إتباعه للخروج من هذه
الدائرة الجهنمية المهدرة للطاقات والمعيقة للتقدم
على جميع المسارات . وأحسب من حق
أي رئيس حكومة في دولة تمر في مرحلة تغيير شامل
كما حصل في العراق أن يتمتع بمساحة
واسعة من حرية إختيار الوزراء , ومن واجب الوزير
الكفوء تأسيس هياكل مؤسساتية من
قيادات عراقية متوفرة على المواصفات العلمية
والمهنية المطلوبة , وذلك لأمرين
: أولا ,
أن المواطن يريد تحميل مسؤولية مايجري ايجابا أو
سلبا على جهة محددة تتولى
إختيار المواقع التنفيذية بحرية ومن ثم تتحمل تبعة
الإختيار كونهم محسوبين عليها
, وثانيا
أن التراكم المستمر للخبرة المهنية الأكاديمية في
الوزارات والمؤسسات من
شأنه التأسيس لمفهوم دولة المؤسسات والتي تعد
واحدة من مستلزمات الدولة
الحديثة.
رابعا
: والإصلاح المنشود يقوم على التعجيل في إكمال أطر
النموذج
الوطني المتمثلة بالأسس التي ترتكز عليها الدولة ,
ويأتي إحترام الدستور العراقي
وضمان فاعليته وتحقيقه مصلحة الكل العراقي وعدم
إعاقة جهود معالجة الثغرات فيه
, التي
تتحرك عبرها آليات الإختلاف في تفسير البنود
أوتتقاطع فيها الصلاحيات ما
تساعد على خلق أجواء من عدم الثقة , في مقدمة
الأولويات لنجاح التجارب الديمقراطية
الوليدة كما في الحالة العراقية . لأن توافق
الآراء في النقاط المفصلية كشكل الدولة
, وعائدية
الثروات الطبيعية قرارا وإستفادة لكل العراقيين
وتمكين الحكومة
الإتحادية - لأنها تمثل الكل العراقي - تشريعيا
وتنفيذيا وبصورة واضحة من تأمين
ذلك , إضافة لرسمها للسياسات الخارجية والدفاعية
, هو الضامن لشعور العراقيين
بوحدة الإنتماء والمصير .. في المقابل إحترام
مساحات الصلاحية للاقاليم
والمحافظات وضمان عدم تعارضها مع المصلحة العليا
للعراق كدولة , يساعد على تشكيل
أطر النموذج الوطني , تلك القادرة وحدها على
محاصرة الاختلافات السياسية وتقليص
مساحتها واحتواء التباينات بين الفرقاء السياسيين
.
هذا
خلاف المجتمعات التي
بنت نموذجها الذاتي والتي تمتلك من المؤسسات
المجتمعية ومؤسسات الدولة ما تستطيع
بواسطتها تنظيم الصراعات المجتمعية والوصول الى
تسويات في إطار الدستور والقوانين
المتبعة , دون أن تكون لها آثار سلبية على الأداء
العام للدولة .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com