الشراكة العراقية-الاوربية تخلق فضاءات وافاق
وتوازنات سياسية واقتصادية
عادل
الجبوري
باحث
في مؤسسة افاق للدراسات والابحاث العراقية
ربما تكون العلاقات بين العراق والمنظومة الاوربية
هي الاكثر حراكا وفاعلية خلال الاعوام القلائل
الماضية مقارنة بعلاقات العراق مع محيطيه العربي
والاقليمي، وكذلك علاقاته مع الولايات المتحدة
الاميركية.
مع محيطه العربي المتاخم، المتمثل بأربع دول هي
سوريا والاردن والكويت والعربية السعودية، او
الابعد قليلا، لم تغلق حتى الان ملفات الماضي، وان
لاحت في الاونة الاخيرة اشارات ومؤشرات ايجابية
بهذا الاتجاه، من بينها عودة العلاقات الدبلوماسية
بين العراق وسوريا، واتخاذ خطوات عملية لمعالجة
بعض الاشكاليات العالقة بين الجانبين، وكذلك اطلاق
الرياض تلميحات عن استعدادها لكسر جزء من جبل
الجليد الفاصل بينها وبين بغداد، هذا الى جانب
اشارات ومؤشرات مشابهة من عمان والكويت وعواصم
عربية اخرى.
بيد انه اذا افترضنا ان جزءا من الاشارات
والمؤشرات العربية الايجابية تجاه العراق، قد ترجم
الى واقع عملي على الارض، فأنها تبقى في الاطار
العام، او المحصلة النهائية عاجزة على ان ترجح
كفتها على كفة المعطيات والحقائق السلبية التي
يصعب على العراقيين، سواء كانوا ساسة او من عامة
الناس القبول والاقتناع بمبرراتها وحججها
وذرائعها.
فما زالت بعض مراكز القرار السياسي العربي تعد
ماحصل وما يحصل من ارهاب وعنف دموي في العراق بأنه
مقاومة، واخر المواقف بهذا الشأن جاءت على لسان
وزير الخارجية الجزائري قبل بضعة اسابيع.
ومازال التمثيل الدبلوماسي العربي في العراق،
وخصوصا من قبل الدول العربية الاكثر ثقلا وتأثيرا
مثل مصر والمملكة العربية السعودية، اما غائبا
بالكامل، او دون المستوى المطلوب كثيرا، بحجة عدم
استتباب الاوضاع والظروف الامنية، لكن الواقع يشير
الى اسباب اخرى لاشأن لها بالاوضاع والظروف
الامنية، اسباب سياسية بحتة محكومة بأجندات لايفصح
عن ماهيتها بصورة واضحة وشفافة وصريحة.
وحتى الان مازال الارهابيون من حملة الجنسيات
العربية يتسللون الى العراق، مجاميع وفرادى عبر
الحدود، ويقومون بتنفيذ عمليات ارهابية تستهدف
المدنيين الابرياء والبنى التحتية، وقد كشفت
التحقيقات بشأن العمليات الارهابية التي وقعت في
مناطق من بغداد وديالى والموصل وكركوك مؤخرا ان
اغلب المنفذين هم انتحاريين يحملون جنسيات سورية
وتونسية ومغربية وربما جنسيات لدول عربية اخرى.
والى الان مازالت بعض الدول العربية مصرة على
مواقفها المتشددة جدا حيال الديون المترتبة لها
على العراق والتعويضات، والتي تبلغ مليارات
الدولارات، علما ان الكل يعرف ان تلك الاموال
الطائلة وظفت من قبل نظام صدام لشن الحروب واثارة
الفتن وخلق المشاكل والازمات، ولم يجني منها
العراقيون سوى القتل والدمار والخراب الذي مازالت
وستبقى اثاره ماثلة وقتا طويلا للعيان.
ومازال الاعلام العربي الرسمي من الناحية
الواقعية، وان حاول الموجهون له ان يظهروه غير
ذلك، مازال معبأ ضد التجربة السياسية الجديدة في
العراق بمختلف مظاهرها وتجلياتها، ومع الاعلام
هناك مفاصل اخرى تكمل الدور وتتممه، ومثل تلك
التعبئة وذاك التحشيد يعكس في واقع الامر عقد
ومخاوف وهواجس-بل وحتى مشاعر حسد-اكثر مما يعبر
عن رؤى وتصورات موضوعية وعقلانية.
واذا كان الامر مع المنظومة العربية-والاقليمية
الى حد ما-بهذه الصورة فأن الامر مع الولايات
المتحدة الاميركية ينطوي على قدر اكبر من التعقيد،
لان الاخيرة دخلت كلاعب رئيسي ومؤثر وحاسم في
تغيير صورة الوقائع والاحداث، وقلب المعادلات
والتوازنات رأسا على عقب، بما ينسجم مع مصالحها
وحساباتها هي لامصالح وحسابات الاخرين، حتى وان
كانوا حلفائها واصدقائها.
وفي حقيقة الامر انه لا العلاقات الايجابية بين
واشنطن وعواصم عربية عديدة انعكست ايجابيا على
العراق، من زاوية مواقف تلك العواصم من الواقع
الجديد فيه بعد التاسع من نيسان-ابريل من عام
2003، ولا حزمة المشاكل والازمات والكوارث التي
اختلقها نظام صدام لها على امتداد ثلاثة عقود
تقريبا ساهمت في التأسيس لارضيات ومناخات جديدة
تعكس الواقع العراقي الجديد.
ومن الناحية الموضوعية، انه حاليا وفي المستقبل
المنظور لايمكن بناء علاقات سليمة وطبيعية وخالية
من العقد والتشنجات وسوء الظن بين بغداد وواشنطن،
لانه شئنا ام ابينا، تعد الولايات المتحدة
الاميركية بنظر الكثيرين قوة محتلة، ووضعها الحالي
يشبه الى حد كبير وضع بريطانيا في ثلاثينيات
واربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، فوجود الدبابة
الاميركية والجندي الاميركيى في الشارع العراق هو
الذي يحول دون بناء علاقات سليمة وطبيعية وخالية
من العقد والتشنجات والانفعالات وسوء الظن.
مع اوربا يبدو الامر-من وجهة نظر شخصية على
الاقل-مختلفا الى حد كبير بسبب عوامل تأريخية
وجغرافية ومذهبية وسياسية، فضلا عن طبيعة
المنطلقات والرؤى الواقعية التي تحكم وتوجه
السياسات هناك.
والعوامل التأريخية والجغرافية والمذهبية
والسياسية، التي لسنا هنا بصدد الدخول في تفاصيلها
وجزئياتها، تشكل عقدا حقيقية في صياغة الواقف
واتخاذ القرارات وتوجيه السياسات لدى معظم –ان لم
يكن كل-مراكز صناعة القرار في البلدان العربية
وحتى الاقليمية بمستوى اقل.
واذا كانت المنظومة الاوربية ترى ان في التجربة
السياسية العراقية الجديدة نقاط ايجابية كثيرة،
وتنظر الى التداعيات والارهاصات والمشاكل والازمات
المرافقة لها بأعتبارها استحقاقات طبيعية عاشتها
هي نفسها في مراحل زمنية سابقة وتجاوزتها بنجاح،
فأن المنظومة العربية ترى الامر من زاوية اخرى،
تتمثل في ان نجاح التجربة الديمقراطية في العراق
يمكن ان تشكل في المستقبل تهديدا لانظمة سياسية
محافظة لاتتقبل ولاتحتمل التغيير الا في حدود واطر
ضيقة ومحسوبة بدقة.
هذا من جانب، ومن جانب اخر تتوجس كثيرا من ان
السياقات والممارسات الديمقراطية في العراق تمنح
مساحة واسعة من السلطة وادارة شؤون البلاد لمكون
مذهبي مغيب او مهمش، ان لم يكن مقموعا، اينما وجد
في تلك المنظومة.
ولم يعد خافيا ان مجمل المواقف العربية من الارهاب
والعنف في العراق، والتمثيل الدبلوماسي، والديون
والتعويضات، محكومة بحسابات واجندات سياسية لايمكن
ان تستقيم الامور الا بأعادة النظر فيها ومراجعتها
بهدوء وعقلانية وموضوعية، مثلما فعلت اوربا-ومعها
روسيا والصين واليابان واستراليا ودولا اخرى- التي
كانت في يوم من الايام ترتبط معظمها دولها بعلاقات
سياسية واقتصادية وامنية معقدة ومتشابكة ومتداخلة
الى حد كبير مع نظام صدام، والتي مازالت تتقاطع مع
الولايات المتحدة الاميركية حول الكثير من
المسائل.
وهذا الحراك الذي نشهده اليوم في العلاقات بين
العراق واوربا، يعكس التوجهات السياسية الصائبة
والصحيحة، التي ينبغي على صناع القرار السياسي
العراقي استثمارها الى اقصى الحدود، ولعل الدخول
من البوابات الفرنسية والبريطانية والالمانية الى
اوربا، بأعتبارها الاهم والاكثر تأثيرا ليس على
الصعيد الاوربي فحسب، وانما على المستوى العالمي،
من شأنه ان يوجد افاقا رحبة، ويخلق فضاءات واسعة،
تجنب الدولة العراقية المعاصرة الخيارات الاحادية
الجانب، وتجعلها بمنأى عن سياسة المحاور
والاستقطابات السلبية، وتؤسس لشراكة
اقتصادية-سياسية-استراتيجية مع قطب عالمي فاعل
ومحوري في الخارطة الدولية، وحينما يتحقق ذلك فأن
كثيرا من المعطيات والحقائق والمواقف ستتغير
بالتأكيد لصالح العراق.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com