هل يمكن أن نعرف يوما ما
حقيقة ثروات أهل الحكم فى مصر، الذين يفترض أنهميحصلون على رواتبهم من
عرق الشعب، كما أن عقاراتهم ومنتجعاتهم اقتطعوها
منأملاك الشعب؟.. هذا السؤال ليس
استفهاميا لأننى أعرف الإجابة عليه مقدما.
وهوليس استنكاريا بالمطلق،
لأننا ينبغى أن نحتفى ونشجع كل من اغتنى من رزقحلال، علما بأن الإمام
أبوحامد الغزالى فى كتابه «إحياء علوم الدين»
اعتبركل أموال الحكام الظلمة حرام
لأنها منهوبة (كان الرجل أكثر صراحة وقالإنها مسروقة) من أموال
المحكومين، إن شئت فقل إنه سؤال افتراضى أو متخيل،خطر لى حين قرأت خلاصة
لتقرير حديث عن ثروات المسئولين فى الولاياتالمتحدة، عرفت منه ــ
واستغربت جدا ــ أن يحتل رئيس البلاد المرتبةالسادسة بين أثرياء
الإدارة الأمريكية، فى حين أن ما فهمناه من أعرافوتقاليد زماننا أن رئيس
البلاد هو رأس كل شىء، حيث لا ينبغى له أن يقبضعلى السلطة، ثم تصبح
الثروة بعيدة عن متناول يده.
وفى كل الأحوالفإنه لا يليق بمقامه أن
تتدهور أحواله بحيث يحتل مرتبة بين الأثرياء تتدنىإلى الدرجة السادسة،
ناهيك عن أنه فى هذه الحالة يتعارض تعارضا صارخا
معشعار «من أجلك أنت». الأمر
الذى يفرغ الشعار من مضمونه ويلغى جدواه.
ذكرالتقرير الذى جر هذا
الكلام أن الشخصية الأكثر ثراء فى الإدارة
الأمريكيةهى السيدة مارى شابيرو
رئيسة لجنة الأوراق المالية والبورصات التى تنظمجزءا كبيرا من «وول
ستريت»، إذ بلغ صافى ثروتها 26.6 مليون دولار،
تليهافى الثراء السيدة
هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية التى قدرت ثروتها
بـ21.5مليون دولار.
واحتل وزير العدل
الأمريكى إيرك هولدر المركزالثالث بثروته التى
قدرت بـ11.5 مليون دولار، وحل الرئىس باراك فى
المرتبةالسادسة بثروة قدرها
3.7 مليون دولار.
مقارنة بأعضاء الكونجرس،بدت ثروة كبار
المسئولين فى الجهاز التنفيذى ضئيلة نسبيا، ذلك أن
44٪ منأعضاء الكونجرس يعتبرون
من أصحاب الملايين،
وقد تصدر القائمة داريل
ايساالعضو الجمهورى بمجلس النواب
عن ولاية كاليفورنيا، الذى كسب ثروته من صنعأجهزة الإنذار الخاصة
بالسيارات، إذ قدرت ثروته بمبلغ 251 مليون دولار.
جاءتبعده جين هارمان،
العضوة الديمقراطية فى مجلس النواب فى ولاية
كاليفورنيا،التى أسس زوجها شركة
معدات سمعية، حيث قدرت ثروتها بمبلغ 244 مليون
دولار.
وقدرت ثروة هيربل كول العضو
الديمقراطى فى مجلس الشيوخ عن ولاية ويسكونسالذى يملك سلسلة من
المتاجر، بمبلغ 214 مليون دولار.
أما جوبايدين نائب الرئيس
الأمريكى فقد بدا أفقر بكثير من زملائه، حيث قدرتثروته بـ27 مليون دولار
فقط.
لكن تبين أن هناك من هو
أفقر منه، لأن رئيساللجنة المالية فى مجلس
الشيوخ ماكس بوكاس مدين بمبلغ 42 ألف دولار، وهومبلغ يفوق ما يملكه.
مثل هذه المعلومات
تداولتها وسائل الإعلامالأمريكية، وتعد أخبارا
عادية، لأن القانون الأمريكى يطالب كبار مسئولىالإدارة وأعضاء
الكونجرس بالكشف عن أصولهم المالية وديونهم،
وتتولى جهاتأخرى مثل مركز سياسات
الاستجابة مهمة التأكد من صحة هذه المعلوماتبوسائلها الخاصة.
سيقول قائل إن عندنا فى مصر
قانون من «أين لكهذا» لكننا لم نسمع أن
أحدا من الأكابر وجه إليه هذا السؤال، أو حوسب علىمصادر ثرائه الفاحش
الذى طرأ على حياة من نعرفهم من المسئولين الذينانقضوا على الثروة
العقارية المصرية خلال السنوات العشر الأخيرة بوجه
أخص،وهم من كانوا من مساتير القوم
مثلنا يوما ما، لكنهم ما إن أخذوا مكانهم فىعربة السلطة حتى انقلبت
أحوالهم رأسا على عقب بعدما أصبح ذلك هو
«الانقلاب» الوحيد
المسموح به.
قانون «من أين لك هذا» يوظف
الآنعلى سبيل الوجاهة الأدبية
والقانونية، وللتطبيق على صغار الموظفين وغيرهممن غير المغضوب عليهم.
وهو فى ذلك لا يختلف عن العناوين الكبيرة الأخرىالتى أخذت مكانها فى
حياتنا لاستيفاء الديكور الديمقراطى، الذى وصفته
ذاتمرة بالإصلاح السياحى.
إن الشفافية عندنا «مضروبة»
إذا استخدمنالغة السوق، إذ هى هتاف
نردده وشعار نتجمل به، وهى عندهم قيمة سياسيةواجتماعية يعيشونها،
وإذ سألتنى لماذا نتحدث
كثيرا عنها، فردى أن الذينيعانون من النقص فى شىء
هم أكثر الناس استحضارا له فى خطابهم حيث تغدواللغة فى هذه الحالة
بديلا عن العقل.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com