هل مازال العالم العصري يتحدث عن المبادئ مثل
الحرية وغيرها ..؟
يبدو السؤال مستغربا مع طغيان القوة العسكرية
الأمريكية والإسرائيلية وانتهاك حقوق الإنسان الذي
سجله تقرير جولدستون الممثل الرسمي للأمم المتحدة
واليهودي الديانة عن حرب غزة الأخيرة ، ويتحول إلي
الدهشة أكثر في عالم الثقافة والشروخ التي أحدثتها
العولمة في هذا العالم ..
راودني هذا التساؤل مع
إعلان فوز الكاتبة الألمانية
هيرتا مولر والمولودة برومانيا بجائزة نوبل للاداب
للعام 2009 الخميس لإعمالها المستوحاة من حياتها
في ظل ديكتاتورية نيكولاي تشاوشيسكو في رومانيا.
وهي صاحبة أرض أشجار البرقوق الخضراء)
The Land of Green Plums
التي أهدتها لأصدقائها الذين قتلوا أثناء فترة حكم
نيكولاي تشاوشيسكو في رومانيا التي استمرت نحو 20
عاما ورواية (الموعد)
The Appointment
التي تحكي قصة امرأة كانت تحيك كتابات على بزات
رجال متجهة إلى ايطاليا تقول "تزوجني".
ووصفت مولر الديكتاتور الروماني السابق تشاوشيسكو
في مقال نشرته صحيفة "فرانكفورتر روندشاو" العام
2007 بانه "محدث نعمة يستخدم الصنابير وأدوات
الطعام المصنوعة من الذهب كما إن لديه ضعفا خاصا
تجاه القصور".
وجدير بالذكر أن حكم شاوسيسكو الطويل انتهي بقتله
.. ويأتي فوز مولر ابنة أوروبا الشرقية بعد فوز
الكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو العام
الماضي بالجائزة التي تشمل دبلوما وميدالية نوبل
ومبلغ عشرة ملايين كورون (1.42 مليون دولار). وفي
العام 2007 فازت البريطانية دوريس ليسنغ بالجائزة
..
وقالت لجنة الحكام ان مولر (56 عاما) هي كاتبة"عكست
حياة المحرومين بتركيز الشعر وصراحة النثر".
تقول مولر "أعتقد أن الأدب يظهر دائما من أشياء
ألحقت الضرر بشخص ما وهناك نوع من الأدب حيث لا
يختار الأدباء موضوعاتهم ولكن يتعاملون مع موضوع
يلح عليهم .. لست الكاتبة الوحيدة في هذا الشأن))
ولدت مولر في منطقة تتحدث اللغة الألمانية في
رومانيا، وحصلت على الجائزة قبل الذكرى العشرين
لانهيار الشيوعية. وقد عكست كتابات مولر الحياة
اليومية الكئيبة في ظل نظام تشاوشيسكو القمعي..
ومن بين اشهر رواياتها "جواز السفر" التي نشرت
العام 1986 في المانيا وترجمت في العام 1989،
و"الموعد" التي نشرت العام 2001 وتصف القلق الذي
تعيشه امرأة بعد ان استدعتها مديرية امن الدولة.وذكر
ايوان ماسكوفيسكو رئيس بلدية قرية نيتشدورف التي
تنحدر منها مولر، أن المنزل الذي ولدت فيه أصبح
الآن من املاك الدولة، لكنها لا تزال تملك أرضا
ورثتها هناك رغم أنها لم تزرها مطلقا.
وتبدو الاتجاهات الجديدة نحو شرق أوروبا مع فوز
الرومانية المولد بجائزة نوبل بعد فوز البلغارية
إيرينا بوكوفا بمنصب مدير عام اليونسكو منذ فترة
وجيزة ..
ويبدو أن هذه الجوائز تحتاج لمجهود كبير ورؤى خاصة
.. تقول رئيسة اليونسكو الجديدة : عملت أكثر من
عام ونصف العام من أجل هذا المنصب وقد حاولت أن
أبقى واضحة وشفافة على مدار الحملة، وكانت كل
أنشطتي وزياراتي واتصالاتي على موقع الإنترنت الذي
أنشأته من أجل هذا الهدف، ولا يوجد شيء تحت السطح
أو خلف الأبواب المغلقة، كل زيارة ومقابلة مع
مسئول أو وزير تم تسجيلها على موقعي بشكل إيجابي
وشفاف وواضح ـ وهي ملامح لمبادئ نعتز بها كثيرا في
رأي المتواضع ـ وأيضا قولها ولا أنفى سعادتي بأنني
صديقة للوزير فاروق حسنى والذي جاء تاليا في
الانتخابات ،وسأبقى كذلك وسأظل أيضاً صديقة لمصر..
المعروف أن الوزير المصري خسر انتخابات اليونسكو
بفارق بسيط .. وتقول لوموند الفرنسية (
بترجمة الأهرام المصرية) .. أزاي واحد بلده
ترتيبها ال١٤٦ علي ١٧٣ دولة في حرية الصحافة وفقاً
لمنظمة مراسلين بلا حدود ،وعاوزين تعينوه في منصب
المفروض إن مهمته إن يكون حامي لحرية الصحافة في
العالم كله، بصراحة الراجل عداه العيب.. فهل هي
المبادئ أيضا ..؟
وقالت الكاتبة (56 عاما) الألمانية الفائزة بجائزة
نوبل للأدب "لست الفائزة .. إنها كتبي وهي الأعمال
المكتملة ولست أنا.. لست أنا شخصيا .. إنها
المبادئ أيضا كما سبق أن أعلن الأستاذ نجيب محفوظ
أن فوزه بالجائزة هو فوز للأدب العربي .
جدير بالذكر ان الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ
والذي كان واسع الثقافة بجانب الأدب قد فاز بجائزة
نوبل للأدب عام 1988 عن روايته اولاد حارتنا
كان نجيب محفوظ ومنذ بداية حياته، مهموما بمشكلتين
في وقت واحد، هما المشكلة الاجتماعية والمشكلة
الميتافيزيقية. كان في "المجلة الجديدة" يناقش
قضايا العقائد، وفي الوقت نفسه كان يعرض في قصصه
للقضايا الاجتماعية.
ثم
ظهر التحام أشد بين القضيتين، مع بروز أوضح للقضية
الاجتماعية، كما يبدو في روايتيه: "القاهرة
الجديدة"، و"خان الخليلي". ففي هاتين الرواتين،
كان الهمّ الميتافيزيقي حاضرا.
على أن "أولاد حارتنا" هي الرواية التي لا مجال
فيها للحديث عن المشكلة الاجتماعية بدون ربطها
بالمشكلة الميتافيزيقية.
" لقد
نزع نجيب محفوظ نحو التوفيق بين (المطلق الفلسفي)
والقيم الاجتماعية. وتمثل هذا النزعة المحور
الأساسي لأدبه في مرحلة متطورة أخذت تتضح معالمها
مع رواية "أولاد حارتنا".
فقد اهتمت "أولاد حارتنا"
بتاريخ البشرية، وتتبعته منذ القدم وحتى وصل بنا
الراوي إلى الواقع الراهن، واقع القلق والضياع؛
فالجبلاوي ـ أحد أشخاص الرواية ـ يُقتل، وبقتله
تنتهي الفكرة الدينية الصافية؛ ثم يُقتل عرفة،
ممثل العلم. فالأول، في رؤية نجيب محفوظ، ينهي
جانب الروح، والآخر يرمز إلى فكرة العلم الخيرة،
التي تحولت بقتله إلى قوة تدمير أسئ استخدامها..
وتأتي شخصية صابر، الإنسان
الباحث عن الحقيقة أو المعاني التي تتشوق إليها
الحارة ، هذا البحث الذي لا ينفصل عن القضية
الاجتماعية، وهو ما صوره الراوي من خلال أسرة
محجوب وإحسان وحسنين وحميدة وعيسى الدباغ. ومن هذه
الأسرة خرج البطل يبحث عن المطلق: " فهو إذ يبحث
عن المشكلة الاجتماعية، ثم يلتقي يحول المزج بين
المشكلة الاجتماعية والميتافيزيقية"
.
نجيب محفوظ في "أولاد
حارتنا"، لم يفارق الواقع، لقد اهتم بالواقع
المحلي وتعميقه فكريا بعد التصوير الاجتماعي ولكنه
جنح إلى الفكر أكثر بالإضافة إلى الواقع. فاتخذت
روايته هذه واقعا رمزيا .
يقول عن "أولاد
حارتنا" التي كُتبت بعد الخمسين، تعبير
عن الفكر في مظهر واقعي؛ "فالتطلعات الميتافيزيقية
لا تعني انفصالا مطلقا عن الواقع، ولكن هذا الأصل
يتخذ في ذهن الكاتب شكلا أو تصورا جديدا على
المستوى الفكري يطرحه من خلال هذه الجزئيات
الواقعية
دراسة أدب نجيب محفوظ في
مجمله تكشف عن موقف فلسفي عبّر عنه هذا الأديب في
شكل أدبي. قال نجيب محفوظ عام 1962 عن الفلسفة
إنها موقف "يلتزمه الإنسان من الناس والحياة
والقيم. وبهذا المعنى لا يخلو إنسان من
فلسفة". وأضاف: "وعلى أية حال أنا أرجح أن تمثل
سلسلة كتبي في النهاية فلسفة ما، تكونت خطوة خطوة
على أساس التجربة والثقافة. ولعلها لم تقل كلمتها
النهائية، وربما لن نصل إلى هذه الكلمة على
الإطلاق" .ثم
عاد وأكدها ليتجنب تسييس الجائزة حيث أشيع أنها
كانت بسبب تأييده لاتفاقية التطبيع المصرية
الإسرائيلية
(فأكد نجيب بموقفه هذا، ومرة أخرى، على أن اهتمامه
بالهموم المصرية المحلية، التي نال به جائزة الأدب
الكبرى، إنما ينبع من رؤية فلسفية عامة، تدافع عن
حقوق الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها، حقوق شعب
عربي، هو الشعب الفلسطيني الذي اغتصبت الدولة
الصهيونية وطنه، في الحياة الكريمة التي ما زال
الأدب العربي يتبنى قضيته، ويناضل في اتجاه رفض
العدوان) تحية خاصة لمولر وايرينا من شرق اوروبا
وتحية لاستاذنا نجيب محفوظ من الشرق الاوسط قي
ذكري الجائزة التي تمنح لمن يستحقها من المبدعين
في شتى مجالات الإبداع الإنسانية. ولكنها لا تمنح
لكل من يستحقها من هؤلاء المبدعين
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com