(...) والحالة هذه ،فان المطروح من
طرف الطبقةالحاكمة وحلفائها داخل
قيادات المعارضة البرلمانية بعيد كل البعد - ولحد
الساعةعن هذه الأسس المبدئية
البسيطة ، إذ يتعلق الأمر فقط بإيجاد توازن أفضل
بينالسلطات في حالتها الراهنة ،
وتزكية وتكريس الحالة اللاديمقراطية السائدة،وإيجاد توزيع أحسن
للأدوار بهدف تنميق الواجهة الديمقراطية الشكلية
"اليافطة المعروضة
للسواح" كما قال الشهيد المهدي بنبركة
.
تشهد الساحةالسياسية المغربية كما
جرت العادة على مقربة من المواعيد الانتخابية
تحريكاجديدا للمسألة
الديمقراطية، ويتعلق الأمر هذه المرة بتعديل
الدستور الحالي مناجل إيجاد "توازن أفضل
بين السلطات "...
والجدير بالملاحظة أن هذا
التحريكبأتي متزامنا وموازيا
لتصاعد النضال الديمقراطي الأصيل الذي يخوضه شعبنا
الكادحوقواه الحية من اجل فرض
احترام حقوق الإنسان الكونية وتغيير الدستور
تغييراشاملا بما يوفر بناء
صرح الديمقراطية الحقة .. ونخص بالذكر الخطوات
والأعمالاليومية التي تقوم بها
الجمعيات الحقوقية على أرضية الميثاق الوطني لحقوقالإنسان ، والنضالات
المنسقة والمعممة التي تخوضها النقابات الوطنيةبمختلف اتجاهاتها وفي
كل القطاعات الإنتاجية ، من اجل الدفاع عن مطالبوحقوق الشغيلة، في حين
أن المطالبة بالتغيير الجذري للدستور ما فتئتتكتسب مزيدا من الشيوع
والشعبية داخل الإطارات والمنظمات والجمعيات
التقدمية، وفي الساحة
الجماهيرية عموما.
والجدير بالذكر ، أيضا أن
قيادات الاتحادالاشتراكي وحزب
الاستقلال قد التجأت مرة أخرى في غفلة عن قواعدها
وعن الرأيالعام، وفي ظروف تصاعد
المد النضالي الديمقراطي ، التجأت إلى المساومة
المبتذلةمع الطبقة الحاكمة عبر
"مذكرة سرية " تتضمن مجموعة من المتمنيات التي من
شأنهاحسب أصحابها ـ أن تحقق
التوازن المنشود بين السلطات وترفع من مستوىصلاحيات البرلمان ،
وتعمل على التحسين من سيره الحالي
.
إن هذاالتكتيك السري على
الجماهير ، الذي يدور في الكواليس بين الطبقة
الحاكمةوحلفائها ، يستدعي من
طرف كل الوطنيين والديمقراطيين النزهاء ، التنديد
الصريحوالمعارضة الحازمة ،
لأن مضمونه لا يعدو أن يكون مساهمة ملموسة ، من
موقع "المعارضة"
وباسمها في تنمية وتجميل الوجه البشع للديمقراطية
المزيفة الراهنة ،ولأن شكله يتعارض تماما
مع أشكال وأساليب وأعراف العمل الديمقراطي التي
تنبالمناورات والكواليس وتفرض
الوضوح والشفافية أمام المعنيين بالأمر ، خاصةبالنسبة لمسألة تمس
الحياة اليومية لكافة المواطنين ، وتهم شؤونهم
الاقتصاديةوالاجتماعية والتشريعية
والثقافية ألا وهي مسألة الدستور
.
وان معارضتناالمبدئية الحازمة لنهج
من هذا القبيل لا يساويها حزما ومبدئية سوى تشبثنابالشروط والأسس الأولية
التي بدونها لا يمكن الحديث عن الديمقراطية ولو في
شكلهاالأدنى وحدودها البورجوازية
.
ويتعلق الأمر أولا بالأسس
والقيم الفكريةللديمقراطية التي
تجعل من الاحترام الفعلي واليومي لحقوق الإنسان في
كليتهاوكونيتها ، شركا مبدئيا
تخفى مع اختفائه أو تمس بجوهره أسس الديمقراطية
نفسها .
ويبقى الإجراء الحد الأدنى
في هذا المجال هو إصدار قانون العفوالعام الذي يضمن
إجرائيا وقانونيا الحرية لكافة المعتقلين
السياسيينوالنقابيين ، وعودة
المنفيين والكشف عن مصير المختفين وتسوية أوضاع
المطرودينمن عملهم بسبب نشاطهم
النقابي أو السياسي تسوية فعلية .. وبدون إجراء منهذا القبيل والتمادي في
الخرق السافر واليومي لحقوق الإنسان ،والظلم والاعتداء على
الوطنين والديمقراطيين تحت مظلة قوانين استعماريةمعادية للوطن والشعب ..
بدون هذا، كيف يمكن الحديث عن الديمقراطية
! ويتعلق الأمر ثانيا
بالمبادئ والأسس السياسية التي تنبني عليها
الديمقراطيةفي حدودها الدنيا
دائما- وعلى رأسها :
*
سيادة الشعب في إطار دولةالقانون واحترام إرادته
وحقه في اختيار ممثليه بدون تزوير ولا ضغط،
ومراقبةعملهم في إطار
الاختيارات التي تضمن السيادة الوطنية والعدالة
الاجتماعيةوالمساواة في الحقوق
والحظوظ .
*
التعددية السياسية والثقافية وممارسةواحترام الحريات
الفردية والجماعية .
*
الفصل الحقيقي للسلطات كمبدأديمقراطي لا رجعة فيه
،، وليس البحث عن توازن مزعوم بين سلطات تبقى كلها
مركزةبين نفس الأيادي
...
إن مجمل هذه المبادئ والقيم
الفكرية والسياسيةوالاقتصادية
والاجتماعية والثقافية على قلتها وباعتبارها حد
أدنى يتضمن عاهاتونواقص وشوائب لامجال
لتفصيلها هنا هي التي تؤسس لأي نظام ديمقراطي
وخارجتوفيرها واحترامها الفعلي يبقى
الموضوع مطروحا فعلا في إطار "الهامشالديمقراطي"
أي على هامش
الديمقراطية وخارج نطاقها بتعبير أكثروضوحا.
والحالة هذه ، فان المطروح
من طرف الطبقة الحاكمة وحلفائها داخلقيادات أحزاب
"المعارضة البرلمانية" بعيد كل البعد ولحد الساعة
عن هذهالأسس المبدئية البسيطة
، إذ يتعلق الأمر فقط بإيجاد توازن أفضل بين
السلطاتفي حالتها الراهنة
وتزكية وتكريس الحالة اللاديموقراطية السائدةوإيجاد توزيع أحسن
للأدوار بهدف تنميق الواجهة الديمقراطية الشكلية
"اليافطة"
المعروضة للسواح " كما
قال الشهيد المهدي بنبركة.
فالخيارالمطروح إذن يوجد ما
بين العمل الجاد لإرساء أسس الديمقراطية -وضمنه
التغييرالشامل للدستور بما
يستجيب لذلك- من جهة ، وبين التيه في الطريق
المسدودلهوامشها من جهة ثانية
، وبالتالي فلا مناص لكل الوطنيين والديمقراطيين
المخلصينمن مواصلة نضالهم
الديمقراطي اليومي المتعدد الأشكال والواجهات ،
مسترشدينبدروس تاريخ الإنسانية
الذي يعلمنا أن الحقوق والحريات لا تمنح ، بل
تكتسبوتنتزع بالنضال العادل الثابت
، مثلها مثل الدساتير التي تضمن فعلا سيادة الشعب،وتجعل منه فعلا "مصدر
كل السلطات".
لقد تمكنت الحركة
الجماهيرية المغربية، مؤكدة بقواها
السياسية التقدمية الفعلية ومنظمتها النقابية
وجمعيتهاالثقافية والتربوية ،
وبفعل نضالها الديمقراطي المستميت الذي أصبح يشمل
كل مرافقالحياة الاقتصادية
والاجتماعية وكل الفئات الشعبية ، من عمال وفلاحين
ومستخدمينوعاطلين وطلبة وتلاميذ
.. تمكنت هذه الحركة الجماهيرية من فرض نفسها
كحضوروواقع لا محيد عنه ، وهي سائرة
بروح ايجابية مسؤولة على طريق لم يشملهاوتوحيد صفوفها وتدقيق
وتجدر مطالبها الديمقراطية المتصلة بشكل مباشربقضايا الحياة اليومية
اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا .. وهذه كلها مكاسب
تدعوفعلا للاعتزاز والمفخرة وتؤهل
النضال الديمقراطي في بلادنا لقطع أشواطهامة في المدى القريب
والمتوسط ، شريطة أن تتجه كل القوى الحية نحو
مزيدمن العمل الوحدوي الجبهوي على
قاعدة برنامج ديمقراطي حد ادني ، يوقفالمسألة الديمقراطية
على رجليها ، ويشكل السد المنيع أمام محاولاتالإجهاض والتهميش
وتكتيكات الأقلية المستغلة وحلفائها داخل قيادات
"المعارضة البرلمانية"
ومن لف لفهم بشكل واعي أو غير واعي
...
وهل معنىهذا هو الاتجاه
للانتظارية أو سلوك نهج العدمية السياسية
والاكتفاء بتبني حركةلنضال الجماهيري
الديمقراطي ، مع التغاضي على اتخاذ مواقف واضحة من
القضاياالسياسية المطروحة آنيا
، والاكتفاء بتقديم ما هو موجود بشكل سلبي وبدون
طرحالبديل السياسي ؟
إن الصحيح والسليم هو العكس
تماما، إذ أن الموقفالسياسي التقدمي الواضح
ما هو إلا عنصر مكمل ودافع ومؤطر لحركة النضالالديمقراطي اليومي على
ارض الواقع ، كما أن هذا النضال بنتائجه ودروسه
ومكتسباتههو الكفيل بإنضاج
الموقف السياسي الصحيح وإعطائه مضمونه ومصداقيته ،
ذلك أنالنضال الديمقراطي
الأصيل كان وسيظل عبارة عن حلقات متواصلة تشمل كلالقضايا والمرافق ،
سياسية كانت أم اقتصادية واجتماعية وثقافية ،
بدءابأبسط القضايا التي تهم حاضر
ومستقبل الوطن والشعب وهذا الترابط الجدليوتلك التوصيلات الأفقية
والعمودية بين مختلف هذه الحلقات تحت تأثير نفسالمنهج العام ومن اجل
نفس الاهذاف الأساسية، هي التي تعطي للنضالالديمقراطي مفهومه
الشامل المنسق والمتكامل .
ومن تم فعلا يمكن أنيفهم من كلامنا أننا
عديمي الموقف من المسألة التي تشغل الساحة
السياسية حاليا، مسألة تعديل الدستور،
أو أننا نمانع في التعديل على العكس من هذا ، لا
نرى أيتناقض في تمتين وتعزيز
وتعميق النضال الديمقراطي اليومي في كافة الواجهات
من جهةوالمطالبة السياسيةبتغيير الدستور تغييرا
شاملا في اتجاه إرساء الأسس الفكريةوالسياسيةوالتنظيمية للديمقراطية
كما أسلفنا .. وهذا الذي يميز بينناوبين المرتدين
المنتفعين دعاة "تحسين التوازن"
داخل اللعبة
الديمقراطيةالمشوهة
.
وإذا كان تغيير الدستور تغييرا
شاملا بمثابة الهدف المرحليالذي يجب أن يستقطب
طموحات وطاقات كل القوى الديمقراطية التقدمية
الحقة ، فهناكمطالب مستعجلة وشروط
مسبقة يشكل تجاوزها والدخول بدونها حلبةالحوارات والتعديلات
السطحية للانتخابات .. ، ويشكل هذا طعنا صريحا فيالديمقراطية وعملا خارج
نطاقها ومساهمة واعية في تزويرها وهذه الشروط التي
منالمفروض أن تنال إجماع كافة
الوطنيين والتقدميين ، نوجزها في ثلاث نقاط لاأكثر :
1- إصدار
قانون العفو العام بالمعني الحقوقي الشامل الذيذكرنا
2- إلغاء
القوانين الموروثة من عهد الاستعمار والتي تناقض
حقوقالإنسان.
3- احترام
الحريات الفردية والجماعية وبخاصة حريةالتعبير
إن هذه الشروط والمطالب
الأدنى تشكل فيالحقيقة قاسما مشتركا
في برامج كافة المنظمات السياسية والنقابية
والحقوقيةوالجمعوية بصفة عامة ،
لكن المطروح هو التشبث الصادق بها ، قولا وفعلا ،
وعدمتجاوزها تحت أي اعتبار أو
تبرير ، وبالتالي فان النضال المستميت من اجلها أوالتخلي عنها هو الذي
سيشكل محك الفرز السياسي في بلادنا في المرحلة
المقبلة ،والخط الفاصل بين القوى
التقدمية الحقيقية التي لازال بعضها لا يعبر بعدعن نفسه بشكل واضح
متكامل من جهة ، والقوى الرجعية المغامرة التي
تتهيأمرة أخرى للتخلي عن شعاراتها
المعلنة لاقتسام غنائم الانتخاباتوالديمقراطية المزيفة ،
من جهة أخرى .
إن موازين القوى الراهنة ،والظروف الموضوعية
والذاتية المحيطة بها والنضالات اليومية التي
يخوضها شعبناالكادح في كافة
الواجهات والتقدم الباهر الذي يشهده الوعي بحقوق
الإنسان ،والخطوات الهائلة التي
قطعتها حركة النضال الديمقراطي الجماهيرية في تجاه
مزيدمن الهيكلة والتنظيم والفعل
النضالي ، سياسيا واجتماعيا وثقافيا ، إن كل هذايحملنا على التفاؤل
الواقعي على أن النضال الديمقراطي الذؤوب الصبور
سيتمكن فعلامن تحقيق المطالب
الأدنى التي ذكرنا ، إن آجلا أو عاجلا ، وفتح
الطريقنحو إرساء دولة القانون
والديمقراطية الحقة ببلادنا.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com