الثقافة مصطلح ليس بالهين،
وقد انظوت وانزوت تحت لواءه الكثير من الثقافات
الأخرى، فلكل جزء في هذا الكون الكبير قسطاً
وقسماً من الثقافة على اعتباره مصطلحاً عاماً
وشاملاً ، إلا أن ثقافة
الوصوليون الذين يتجاهلون
الآخرين هي من
الثقافات العقيمة التي لا تنمُ إلا عن اشخاص يودون
اختراق عوالم الكتابة بشتى الوسائل، والأمَرُ من
ذلك أن اولئك لايعترفون انهم في بداية الطريق، كما
لايفضلون التواضع والاعتراف بأسيادهم وأساتذتهم،
وهو بالتالي الخروج والشذوذ عن قاعدة (من علمني
حرفاً) ، نحن لانحبذهم عبيد لنا بقدر ما نؤهلهم
للتوصل من بعدنا والإمساك بخيوط الثقافة، لكن
الوصوليون
لايعرفون سوى طريق
واحد وهو الصعود على أكتاف الآخرين، ومما لاشك فيه
أن هؤلاء لاينسبون الجميل الى تلك الاكتاف التي
حملتهم، بل على العكس من ذلك، فهم يفضلون أنفسهم
على معلميهم وساداتهم، وهم بذلك أساءوا فهم
الثقافة.
قبل أيام ليست بالبعيدة؛
وفي مكان لا يمتُ لأهل الثقافة بشيء بل يرتاده
فقراء السياسة ، وبحكم عملي كنت هناك ، التقيت
وبمحض الصدفة بإحدى المتعكزات شعراً والتي تحسب
نفسها أفضل من نازك الملائكة بعباراتها المتهرئة
التي لا أقول تنثرها فوق الورقة البيضاء لان
بالتأكيد الناثر شاعر، بل تصففها وفق نسق تعتقد
بأنه شعرا.
فقالت لي: أراك تعرفني لكني
أجهلك ولا أعرفك.
ذكرتها ما دار قبل سنوات
ليست بالبعيدة
فقد جاءت تعرض شعرها على
أحد الشعراء الذين يمسكون بزمام الصفحة الثقافية
في إحدى الصحف، إذ جلس معها جلسة طويلة وكنت من
المراقبين لتلك الجلسة التي دارت بينهما، وما كان
من هذا الشاعر إلا ان وجه لها صفعة، أدركت - أنا -
من خلالها بأنها لن تكتب بعد اليوم، حتى وأن حاولت
ذلك، سيكون، ولكن بعد مخاضِ عسير.
فقالت لي: أنا أتيت إلى
الصحيفة بناءاً على طلبٍ منها وقد قدمت بعض
الاطروحات الشعرية والدراسات لكنها لم تكافئني لكل
ذاك الجهد.
وهنا كانت تتكلم بكل ثقة
كونها تجلس أمام شخص مغفل مثلي، هي كانت تعتقد
ذلك، لانها تجهلني وتجعلني في زاوية معتمة وضيقة
من هذا العالم الكبير، وهذا ليس يضرني بشيء لانني
وبلا تفاخر أعلم من أنا، فالمسكينة لا تعلم اني
كنت على احاطة ودراية بأدق التفاصيل ، ما جرى في
الصحيفة، وما دار خلف الكواليس.
فسابقاً تجاهل بعض العامة
من الناس أبو الطيب المتنبي لتصدح حنجرته بأبياتٍ
من الشعر كانت بمثابة سيرة شاملة لحياته:
الخيل والليل والبيداء
تعرفني
والسيف والرمح
والقرطاس والقلم
أنا الذي نظر الاعمى الى
أدبي
وأسمعت كلماتي
من به صمم
وقد فعلها قبل عصر المتنبي
، هشام بن عبد الملك عندما انفرج الناس الى سماطين
للامام زين العابدين ، وقد انكر عليه تلك العظمة
والهيبة وذاك الاحترام والاجلال من قبل الناس ،
وهذا الانكار والتجاهل حفز قريحة الفرزدق لان ينشد
شعرا.
وليس قولك من هذا بضائره
العرب تعرف من انكرت والعجم
فليس غريب على اولئك
المتصيدون في ماء
الثقافة العكر أن يتجاهلوا أسيادهم ، وهذه الشاعرة
المسكينة قبل بضعة شهور اعتلت إحدى منصات القراءة
، وقالت بلسانها أمام الملأ ، اني اعتلي هذه
المنصة لأول وهلة ، وكانت اول قصيدة تقراها وقد
حفزها البعض للكتابة والاستمرار.
وقبل أيام قرات مقالتين
للشاعرة رسمية محيبس ، الأولى (الكتابات وهوس
التعليقات) والثانية (الثقافة ولعنة المجاملات) ،
وكنت من المعارضين لها لاننا لانجامل بقدر ما نريد
ان نأخذ بأيدي أولئك ، لكني أيقنت اليوم بأنهم
لايستحقون كل ذلك.
وعندما أرادتْ الرحيل
والذهاب خلفتني ورائها جالساً على الكرسي من دون
توديع يملأ رأسها التكبر، وهي بفعلتها أرادت
أستصغاري ، لكنها نسيت بأنيّ الجرمُ الصغير والذي
أنطوى فيّ العالمُ الأكبر، أقولها وبلا تفاخر.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com