يعتبر الكاتب بمثابة جملة
مكنونة من الثقافات والعناصر المعرفية الممزوجة
باواصر واسرار الديمومة التي تحاول ان تدفع
بصاحبها الى الامام والتالق بل والاستمرارية
كونها مستمرة نحو ديمومة اسلوبية تسحبه نحو
اسلوبيات اخرى ، كما يذهب الى ذلك " دوستوفيكي
" من ان الكاتب هو استمرار للجهود المبذولة من
قبله طيلة حياته ، وتاتي كلماته لتوكد ان للكاتب
رصيد معرفي وثقافي تراكم لديه من باعه الطويل في
الاطلاع والقراءات الاخرى والاقتراب من تجارب
الاخرين ليكتمل رصيده الثقافي الذي يحاول صبه
كتجربة ابداعية ينهل منها الاخرين ، قد تكون
الكتابة عن الامام علي بن ابي طالب (ع) رغبة ملحة
عند اغلب الكتاب ، وربما تنحصر عند بعضهم ممن
يكونون اكثر شغفا وتلهفا عندما يساورهم علو
التجربة ونضوجها مع ما يلاقيه الكاتب من تردي
القيم ، اضف اليها فوضوية السياسات وشيوع
الاستبداد السلطوي والفكري، الامر الذي جعل الخوض
في هذه الابحاث "حبيسة الصدور " امرا مستحيلا ، في
فترات التردي والتخبط السياسي المقبور، لذا ظل
الطموح شغلا شاغلا اخذ بالتاجج ، هاما بالخروج
لينير العالم بما تحمله شخصية وعبقرية هذا الامام
بما يحمل من قيم ومباديء تالقت مصاديقها فكان
لابد من ترجمتها كحقيقة تسطع لتزيل الرين الذي
اصاب عقول وقلوب الانسانية ، فكان هذا النتاج
للكاتب والباحث الزميل " صباح محسن كاظم " ليضاف
الى العشرات بل المئات من المؤلفات القيمة التي
صبت في هذا المجال ، حيث تتباين الكتابة بدرجاتها
وفي عناصرها تبعا لنوع الممارسة التي يخوض فيها
كاتبها .
ان التجربة التي خاضها
الكاتب ( صباح محسن كاظم ) خطرة كون صاحبها بحر
هائج مغمور بالاسرار لكن الحاجة ملحة جدا لتلك
الدراسات والكتابات كون المكتبة العراقية بل
العربية والعالمية متعطشة لذلك ، وان كان هناك
الكثير من الدراسات حول هذا الموضوع ، الا انها
تفتقر الى نظرة ثقافية حديثة ورؤية من منظور جديد
ليتسنى للقارئ ، تكوين فكرة جديدة على افكار ورؤى
شخص عظيم، له اثرعلى مستقبل البشرية اجمع، ان
الخوض في مجالات ثقافية كهذه يتطلب من صاحبها
الاعتماد على منهله الاول " ثقافته العالية "
وكذلك الاعتماد على المصادر التي تسجل خصوصياته
وعمومياته، بل وافكار هذه الشخصية وبالتالي ، يكبر
نجاح التجربة ، وتسير في طريقها الصحيح الناجح.
جاء الكتاب (الامام علي
نموذج الانسانية ) لمؤلفه (الكاتب والباحث / صباح
محسن كاظم) الصادر (بتاريخ /1430 هـ / 2009 م ) عن
قسم الشؤون الفكرية والثقافية للعتبة العباسية
المقدسة ، شعبة الاعلام ، من الحجم الكبير بصفحاته
البالغة ( 227) والذي عني بدراسة الامام علي بن
ابي طالب "ع" كنموذج للانسانية معتمدا على المصادر
التي قدمت معلومات دقيقة ، وبودي ان اشير الى بعض
الهفوات الصغيرة التي وردت هنا وهناك ، ومنها
(عدم ورود بعض علامات الترقيم مثل "؟" التي تاتي
بعد العبارات الاستفهامية كما ورد في الصفحة (83)
، كذلك ورود بعض الاخطاء الطباعية ـ والتي على ما
يبدو باتت صفة تتقاسمها اغلب المطابع ـ كما ورد في
الصفحة (166) ، وكذلك ما ورد على الصفحة ذاتها
(166) عدم التفريق بين "هاء الضمير المتصلة"
و"التاء المربوطة"والتي تستخدم للتميز بين الالفاظ
، بوب الكتاب الى ( 14) بابا ، سلط الضوء في بابه
الاول : على ولادة الامام والقابه وعلاقته
بالرسول الاعظم كمدخلا لكتابه كما جاء في الصفحة
(12 / 28) اما في بابه الثالث يتناول الخطابة :
فهو يسلط الضوء على خطبتين بليغتين للامام "خطبة
خالية من الالف(حمدت من عظمت منته ، وسبغت نعمته .
. ) والثانية خطبة خالية من النقاط (الحمد لله
الملك المحمود ، المالك الودود . . )" كما ورد ذلك
في الصفحة (57) لاطلاع قارئه على بداعة الامام في
بلاغته وحسن سبكه ، وايجازه القولي ومضامينه
الجوهرية الدقيقة (والملفت للنظر ان الكاتب
يذكرها نقلا دون ابداء أي تعليق او تحليلا
بالاعتماد على المصادر الحديثة التحليلية والنقدية
في ذلك لاطلاع قارئه على بعض التحليلات الحديثة
والتي تناولها الامام في خطبتيه من بدائع القول
والبلاغة كونها شكل فني قوي الاتصاف ، سواء بصورته
التجريية او بصورته الرمزية ، او بكيفيته
التقليدية وغيرها) ، وكما هو معلوم ان للامام قصب
السبق في علوم اللغة وسعته الفكرية ، فنصه شكلاني
قائم على ابداعية الشكل ، وهو نص انتاجي من عمل
فنان مبدع ، اضافة الى قوة خياله في ارتجال الخطب
وفن القول ، معضدا ذلك بقوله تعالى : " وتعيها اذن
واعية" ليقول الرسول (ص) : " اللهم اجعلها اذن علي
"كما ورد في الصفحة (57)، كذلك يشير في بابه
الرابع : الى اعداء الامام علي (ع)،( لكن المؤلف
لم يبين في بابه هذا أي ضلامة وقع فيها هذا الامام
ليستحق ان يكون له اعداء بعد كل ما قدمه للبشرية
التي تنكرت ومات ضميرها ؟ !) .
"ان الامام القائل : فو
الذي لا اله الا هو اني على جادة الحق ، وانهم
لعلى مزلة الباطل، ام قوله: بسبب بدأه من التجاوب
مع مشيئته مع الله عز وجل ، امن تصديقه لدعوة
الرسول (ص) بعد ان خذله اهله ، ام لأكرامه لعائشة
زوج النبي (ص) عندما اعتبرها اما للمؤمنين بعد
معركة الجمل وهو القائد المنتصر ، ام من قوله : من
نصب نفسه للناس اماما فعليه ان يبدا بتعليم نفسه
قبل تعليم غيره ، وليكن تاديبه بسيرته قبل تاديبه،
ام نبغضه وهو الذي لم يميل ميزانه عن طبقة
المساكين والفقراء والمحتاجين والمستضعفين ، فهم
المادة البشرية التي تستحق العدل الاجتماعي اكبر
استحقاق، ام لقوله : ماقصم ظهري الا رجلان ، عالم
متهتك ، وجاهل متنسك" ، أبعد كل هذا يستحق البغض
ام الاجلال والاحترام !! وكذلك يبين في الصفحة
(97) نواهي الامام علي (ع) البالغة (ثلاثون نهيا )
(دون اشارة او ايماءة الى ربط تلك النواهي
وعلاقتها بسلوكيات الناس ليتحقق مبدا الفائدة من
الذكر) ، واستهل بابه (11) بطرح فكرة بدأ التشيع
بالاعتماد على كتاب "هوية التشيع / للدكتور
المرحوم الوائلي " ، ويشير في الصفحة ( 31) ان
الامام علي (ع) جامع للاضداد وهي صفة نادرة كونه
اشجع العرب مع كونه يتصف (ع) باللين والمقدرة
والعفو ، انها البطولة الحقة والشجاعة النادرة
الفريدة .
ان هذا الكتاب ظهر في
وقت تنكر الكثيرون بل تمادوا في غيهم ممن اغرتهم
الدنيا بزهوها الى فضائل علي (ع) ، ومما يحسب الى
مؤلفه نجاحه بابراز تلك الكنوز الانسانية والادبية
بل حتى السياسية ليجسد خطا جديدا برزت فيه المعاني
الانسانية والاخلاقية ، بل وسياسة الحوار مع
الاديان الاخرى استنباطا واستدلالا من منظومة علي
(ع) معضدا اياها باقوال القران البالغة (300) اية
كريمة حول الامام ، واحاديث نبوية شريفة للرسول
(ص)كما ورد في(الصفحة 23 ) ، وان اقتراب "المؤلف"
من الكتابة حول شخصية الامام (ع) هي تجربة تتطلب
مهارة ودربة تمكنه من ابراز القيم الفكرية للامام
علي (ع) وبالتالي خطوة تؤكد ان هناك اقلاما مؤمنة
تحاول الاقتداء بالسيرة السلمية للاسلام متجسدة في
"علي بن ابي طالب " باروع مصاديقها قولا وفعلا ،
ومما يحسب للكاتب ظهور الكتاب بقيمة فنية
واخراجية عالية، واسلوب ادبي رائع اجهد فيه المؤلف
نفسه، اضافة الى اعتماد المؤلف على مصادر حديثة
(معاصرة) بشكل غالب ، وما ظهور الكتاب بهذا الشكل
والموضوعية الا دليل لا يقبل الشك عن مدى تعلق
كاتبه، بل عشقه للامام علي ابن ابي طالب "ع " شانه
بذلك شان الكثيرين ، وهي محاولة طيبة لتقديم هذه
الشخصية بنكهة جديدة ورؤية حديثة لربط قيم الامام
" ع" وفاعلية الاسلام الباقية ابدا ، لذا فالكاتب
بما لديه من محاكاة في اشياء كثيرة اهلته للخوض في
تجارب كهذه كونها صعبة المران وتتطلب مؤهلات غير
اعتيادية توفرت لديه ، ومما يحسب له خوضه في اثبات
او نفي معلومات ترقى للخوض في العملية التحقيقية ،
في بعديها " الاثبات والنفي " ، بذلك لم يكن كاتبا
اعتياديا بل ذي تميز ، لان الخوض في هذه التجربة
لم يخرجه من منطقة اشتغاله واهتمامه.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com