إن أفق الحياة السياسية
والاجتماعية كان يلوح للتغير في فترة التسعينات من
القرن الماضي لا سيما نهايته ، وكانت ملامح هذا
التغيير على أدق الفرضيات إسلامية ، لذا انبرت
الإدارة الأمريكية إبان عهد الرئيس الأمريكي بيل
كلينتون لتبني مشروع إسقاط النظام الصدامي والحجج
كانت كثيرة منها عدم التزام النظام الصدامي في
مجال التسلح والملف النووي وملفات حقوق الإنسان
وتهديد الجيران ...... إلا أن الهدف كان واضحاً
جداً ، وهو التدخل المباشر في الساحة العراقية من
أجل عدم وصول قوى لا ترغب فيها الولايات المتحدة
الأمريكية ؛ بسبب تهاوي سلطة البعث من الداخل وعدم
إمكانه السيطرة على الوضع الاجتماعي ، لا سيما
الصحوة الدينية وهو ما تخشاه الولايات المتحدة ،
إذ إنها أدركت حجم الخطأ الذي ارتكبته نهاية العقد
السبعيني من القرن الماضي بعدم تحركها الفاعل ضد
حركة روح الله الخميني التي أسفرت عن الإطاحة
بحليف أمريكا الاستراتيجي شاه إيران .
حدثت عدة متغيرات في الساحة
العالمية منها هجمات الحادي عشر من سبتمبر وما
رافقها من دخول قوات حلف الناتو لأفغانستان ومن ثم
احتلال العراق عام 2003 وإسقاط النظام الدكتاتوري
، الذي حدث دون أن توافق القوات الأمريكية تدخل
قوى المعارضة في إسقاط نظام صدام ، وهذا ما ألقى
بظلاله على أداء تلك القوى عند توليها السلطة ،
فأمريكا هي من كان يرسم الأطر العامة للعملية
السياسية في العراق بعد 2003 ، وتدخلت بشكل مباشر
في سن قانون إدارة الدولة ، وكان لها يد في وضع
بعض مواد الدستور التي تُعَدُّ أسلاكاً شائكة في
مسيرة العملية السياسية ، وكان لها دور بارز في
تدهور الوضع الأمني والاحتقان الطائفي الخطير سنة
2006 ، وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي السابق "
رامسفيلد " أن قوات بلاده لن تتدخل إذا ما نشبت
حرباً أهلية ، وهذا يمثل إيماءة خفية لما خططت له
أمريكا .
كل هذه الأمور حدثت والقوى
السياسية لا سيما الإسلامية منها تضررت منها أيما
تضرر ، على الرغم مما يقال من أنها المستفيد الأول
منها ، فعملية إسقاط النظام العفلقي لو كانت
بأيدي هذه القوى أي القوى الإسلامية ، لكان الأمر
سهلاً ، ولكانت مكاسبهم أكبر ، ومن الممكن أن تجري
الأمور بما تشتهي سفن هذه القوى ، إلا أن
الأحداث جرت بما لا يشتهون ، فشهدت الساحة
العراقية عند تسلم الإسلاميين للسلطة أحداثاً يشيب
لهولها فود الرضيع ، من تدهور أمني واحتقان طائفي
وتردٍ في الخدمات ، فأخذ الإعلام الموجه يروج أن
القوى الإسلامية أخفقت ، وهي غير قادرة على بناء
دولة ، ومن الأفضل للعراقيين أن يتسنم موقع
المسؤولية في بلدهم العلمانيون ؛ لأنهم الأقدر على
قيادة البلد ، ولأنهم لا يملكون الحس التمييزي على
أساس الدين أو العرق ، وإنما الأفراد لديهم سواء
تجمعهم صفة المواطنة ويجب خدمتهم على هذا الأساس ،
والوظائف متاحة لمن يمتلك النزاهة والكفاية ، أما
القوى الإسلامية ـ كما يروج الإعلام ـ فإنها
طائفية وتميز في كل شيء ابتداءً بتقديم الخدمات
وانتهاءً بالوظائف والتعيينات . من الأنصاف أن
نقول إن الظرف الذيتولى فيه الإسلاميون
السلطة كان مضطرباً في جميع النواحي ، وكانت
مؤسسات الدولةمنهارة وبدأتالدول الإقليمية تتدخل
بكل ما أُتيت من قوة من أجل عدماستقرار العراق ، وبعثت
المئات من المقاتلين والانتحاريين ليفخخوا الساحة
العراقية، ودفعت المليارات من
الدولارات لإفشال العملية السياسية، فضلاً عنعدم حضورها الرسمي
وغياب التمثيل الدبلوماسي ، إذ لا يتجاوز عدد
الدول العربية التيأرسلت سفراء وافتتحت
سفاراتها في العراق عدد أصابع اليد إلى وقت قريب ،
فكانطبيعياً أن يتسم أداء أي قوى
سياسية تتسلم السلطة في مثل هذه الظروف بالضعف
وعدمالقبول بغض النظر عن
الأيدلوجية التي تتبناها ، وهكذا كان أداء القوى
الإسلامية ،لكننا في الوقت نفسه لا
نرمي بالثقل الأكبر على هذه الأسباب : أمريكا،
والدولالإقليمية ، وتدهور
الوضع الأمني ، فالقوى الإسلامية يقع على عاتقها
الكثير مما لمتستطع القيام به ،
فخدمة المواطن العراقي يجب أن يكون من أولويات هذه
القوى وغيرمقبول إطلاقاً التذرع
بذرائع أصبحت شماعة يعلق كل من أخفق إخفاقاته
عليها ،والتنمية الاقتصادية هي
الأخرى قد أخفقت تلك القوى في تحقيقها ، ولم تقمبرسم خطة إستراتيجية
تعالج هذا الملف على الرغم من أهميته وأولويتهالتي لا يستهان بها ،
إذ إن الإرهاب يستطيع أن يتحرك بفاعلية في بيئة
فقيرة تنعدمأو تقل فيها فرص العمل
وتزداد فيها أعداد العاطلين ، وهو ما يجعل بعض
النفوس تضعفأمام إغراءات
الإرهابيين الذين يدفعون بسخاء لا نظير له، والحكومةالعراقية التي ينتمي
أغلب وزرائها إلى التيارات والأحزاب الإسلامية ،
على الرغم منإدراكها لهذا الأمر إلا
أنها لم تفعل الكثير لدفع عجلة التنمية ، بل أسوأ
من هذا إذصرح وزير التخطيط
والتعاون الإنمائي مراراً أن الحكومة العراقية ليس
لديها خطةاقتصادية واضحة ، فكيف
يمكنها أن تدفع عجلة التنمية إلى الإمام ؟! وهناك
أمر يغيبعن الكثير من الناس
يرتبط بأداء هذه القوى وهو إعادة الوضع النفسي
والاجتماعيوالثقافي لأفراد الشعب
إلى سابق عهدها ، فالفرد العراقي أصيب بنكبات
كثيرة أثرت علىسلوكه وعلى منظومته
الأخلاقية ، وأثرت في تدهورالوضع الثقافيوالعلمي ، فبعد أن كان
العراق يحتل مرتبة الصدارة بين دول المنطقة من
الناحيةالعلمية ، أصبحت
الشهادات مباحة لمن هب ودب ، ونيل الدرجات العلمية
دكتوراهوبروفيسور صارت متاحة
لكل من أخفق في التحصيل الدراسي وبأسعار مغرية ومن
جامعاتعالمية !! فماذا فعل
الإسلاميون في هذا المجال ؟! هل لديهم المعرفة
الدقيقة لمامرَّ به الشعب العراقي
سابقاً ؟ وهل لديهم معرفة بما يمرُّ به الفرد
العراقي الآن؟! لأن تشخيص الواقع
يمثل الخطوة الأولى في معالجته ، أما إذا كان
الإنسان غارقاًفي جو من الخيال يرسمه
له بطانته ويزينون له الوضع المأساوي ، فإنه سيخفق
ولا سبيلأمام المواطن إلا أن
يختار الكيِّس الفطن والأمين الناصح ؛ فإنه سيعرف
ما يدور فيخلد الجماهير ويكون
قريباً منهم ومن همومهم ، وسيحقق في الخاتمةأحلامهم .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com