بعدما سرقوا الأرض فإنهم
لم يترددوا في سرقة التاريخ، شجعهم على ذلك أنهموجدوا الطريق مفتوحا
والريح مواتية.
فحين قررت إسرائيل إدراج
الحرمالإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح
في الضفة الغربية ضمن لائحة مواقعهاالأثرية، فإن أصواتا
عدة فلسطينية وأخرى عربية دعت المجتمع الدولى إلىالتدخل لوقف الجريمة.
وهو ما أعطى انطباعا بأن
القيادات الفلسطينيةوالعواصم العربية باتت
بلا حول أو قوة، ولم تعد تملك سوى أن ترفع صوتهابالجؤار والشكوى،
وتقديم العرائض والالتماسات إلى من يهمه الأمر في
واشنطنوربما في الرباعية
الدولية.
الحرم الإبراهيمي الذي يقع
في مدينةالخليل رهن الاعتقال
منذ عام 1994، حين قام أحد المستوطنين بإطلاق
النارعلى الجموع التي قدمت لصلاة
الفجر فقتل 29 فلسطينيا فى داخله،
وانتهى الأمربسيطرة الجيش
الإسرائيلي على الحرم ومحيطه، ثم تقسيمه لاحقا بين
المسلمينواليهود. استجابة لضغوط
المتطرفين الذين يعتبرون الحرم خاصا بهم، بدعوى أنالنبي سليمان بناه
بمساعدة الجن، فوق مغارة سيدنا إبراهيم، التي دفن
فيهامع زوجته سارة وأبنائه إسماعيل
وإسحاق ويعقوب وزوجاتهم.
ورغم أن المظاهرالإسلامية طاغية عليه،
من المحراب إلى المنابر وغير ذلك، ولا أثر يهوديفيه، إلا أن قرار
الحكومة الإسرائيلية لم يأبه لذلك،
تماما كما فعل مع مسجدالصحابي بلال بن رباح
في بيت لحم، الذي يقولون إنه بنى فى موقع قبر
«راحيل»، الزوجة
الثانية لنبى الله يعقوب ووالدة النبى يوسف عليه
السلام.
القرارالإسرائيلي صدر بعد
أيام قليلة من اغتيال الموساد للقيادي الفلسطيني
محمودالمبحوح فى دبي، ووسط الحديث
عن الاستعداد لاستئناف المفاوضات بصورة غيرمباشرة بين الطرفين
الإسرائيلى والفلسطينى خلال ثلاثة أسابيع، التى
يتصورالمتفائلون أنها يمكن أن تفضي
إلى فتح ملفات الحل النهائي، التى تنتهىبإقامة الدولة
الفلسطينية المستقلة.
وهو الحديث الذى تنشغل به
بعض عواصمالعرب وتتعلق بأهدابه
وأوهامه، فى حين تواصل حكومة إسرائيل مخططات القمعوالاعتقال والتوسع
الاستيطانى والتهويد وتجريف الأراضى أمام تقدم
السورالوحشى.. إلخ،
كأننا بصدد ملعب كبير يسيطر
عليه فريق إسرائيلى ما برح يمطرمرمى «الخصم» بالأهداف،
أما الفريق الآخر
الفلسطينى والعربى فإنه يجلسعاجزا فى مقاعد
المتفرجين، لا يقدر على فعل شىء سوى الصراخ
والنحيب، وهويشاهد الكرات تلقى فى
مرماه بين الحين والآخر،
وهى لعبة عرف الإسرائيليونقواعدها جيدا ــ فظلوا
يواصلون تسديد الأهداف، غير عابئين بصراخ الفريق
«الخصم» واحتجاجاته ــ
ومطمئنين إلى أن ذلك الصراخ هو آخر ما عندهم، وأنهقد يسمع الآخرين خارج
الملعب، لكنه لن يحرك فيهم شيئا.
ولا غرابة فى ذلك،لأن أصحاب القضية إذا
ارتضوا الهوان واستسلموا للعجز، فينبغى ألا
يتوقعواأن يدافع غيرهم عن حقهم
وكرامتهم.
أخطر ما فى المشهد الراهن
هورسوخ اقتناع الإسرائيليين بأن
الفلسطينيين والعرب ليسوا فقط عاجزين عنالفعل، ولكنهم أيضا غير
راغبين فيه.
إذ لم يكن تواطؤا مع
الإسرائيليينوتفويتا لهم جانب
البعض، فاسترضاء للأمريكيين ومراعاة لخاطرهم من
جانب آخر،
وهى الأجواء التى وقرت
لإسرائيل وضعا استراتيجيا متميزا، أطلق يدها ليس
فىفلسطين وحدها ولكن فى المنطقة
بأسرها.
هذا الذى حدث فى الضفةالغربية تحت سمع وبصر
السلطة الفلسطينية فى رام الله، يتزامن مع الجهد
الذىيبذل إعدادا لبناء هيكل سليمان
فوق أرض المسجد الأقصى.
وسيكون اتمام تشييدمعبد «حوربا» بجوار
حائط البراق الذى يمثل الجزء الغربى للمسجد، يوم
15مارس المقبل إشارة البدء
لإطلاق حملة بناء الهيكل الأسطورى على حساب المسجدالأقصى
(أحد حاخامات اليهود فى
القرن الثامن عشر ــ اسمه جاؤون فلينا ــكان قد حدد موعد بناء
الهيكل الثالث يوم 16 مارس عام 2010).
إنإسرائيل تتقدم كل يوم
على طريق ابتلاع فلسطين وطمس هويتها العربيةوالإسلامية، والمأساة
الحقيقية أنه وهى تفعل ذلك، فإن العالم العربى
يبدوإما مستغرقا فى خلافاته
وتناقضاته، أو معبئا ومستنفرا ضد ما يسمى بالخطرالإيرانى،
يوما ما توعد وزير خارجيتنا
الهمام بكسر رجل كل من يعبر الحدودالمصرية من
الفلسطينيين، لكننا لم نلمس منه جرأة أو غيرة
مماثلة إزاء رسائلالاستعلاء والازدراء
التى تبعث بها إسرائيل كل يوم إلى العرب أجمعين،
ومصرفى المقدمة منهم،
لقد قلبنا الآية، وصرنا
أعِزَّة على الأشقاء وأذلة علىالغاصبين والمفترين
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com